مكانك راوح!

حجم الخط
0

مكانك راوح!

محمد حيدرمكانك راوح!هل أعلنت الثقافة العربية فشلها؟ وإن لم تعلنه بعد، ألم يحن الوقت لتفعل لذلك؟ألم يحن الوقت مع كل ما يجري في الوطن العربي من تغيرات وهزات أن نخرج المرايا من دروجنا المقفلة وننظر مباشرة وبصراحة الي أنفسنا، الي ما فعلناه وما نفعله؟ لا أريد أن أظلم أحدا ولا يحق لي أن أتجاهل التجارب الهامة والكبيرة في ثقافتنا العربية ولكن ما نحسه ونلمسه في الشارع، في المقاهي، في الجامعات وفي البيوت لا يمكننا تجاهله أيضا، انه أشد واقعية وحضورا من رومانسيات تبجيل وتوقير هذه الثقافة…….ذلك التطرف الديني المسلح أو غير المسلح الذي يجتاح عقول شباب عربي ضائع، تلك الانقسامات الطائفية العصبية التي لا تحتاج الي تأججها الدموي بين الفترة والاخري سوي بعض الكلمات المشحونة، الفراغ وفقدان الامل والاحلام المشبوهة التي تجعل من مغنية ومغنٍ، من راقصة وراقص، من ستار وآخر ابطالا واحلاما ورموزا، التواصل الاجتماعي المقطوع والمختبيء خلف عزلة التشات والبلوتوث، التراكم الكبير والغير معلن عنه لمجموعة من التابوهات والتقاليد الاجتماعية التي شوهت وما زالت تشوه العلاقة مع النفس ومع الآخر، اليأس، الخوف، الضياع، العنف…. كل هذا نتيجة ماذا؟ ونتيجة من؟….السلطات السياسية العربية؟ ربما، ولكن ألا نجعل بذلك هذه السلطات أسطورة؟ ألم نعطها هالة وذكاء أكثر مما تستحق بكثير؟ ألم يحن الوقت للتخلي قليلا عن نظرية المؤامرة وأن نتحمل المسؤولية جميعا وبجرأة عما جري ويجري؟منذ عشر سنين وحتي الآن كلما أفتح كتابا أو مقالا قديما أو جديدا تباغتني مصطلحات مثل التأصيل، والحداثة، والوعي الفكري، والشفافية الشعرية، والتراث العربي…الخ، الي متي ستبقي ثقافتنا ومثقفونا بعيدين عن الأساس الذي نشأت من أجله الانواع الثقافية وحركة الفكر الثقافي اي عن الانسان وعن المجتمع؟ لماذا انزوي مثقفونا برموزهم وايديولوجياتهم وخطابهم بعيدا عن الانسان العربي والشباب العربي تاركيهم ضحية سهلة لافكار وتوجهات سياسية وقبلية ودموية، تاركيهم ينتحرون بتفجير أجسادهم أو عقولهم أو أحلامهم؟ ما زالت الثقافة العربية الحديثة ـ مع كل احترامنا لها ـ تطرح منذ أربعين عاما وحتي الآن نفس الافكار ونفس الخطاب، لان أجيالها أو بالاحري جيلها الوحيد ما زال متأثرا بنفس المقولات والهواجس الايديولوجية التي أفرزتها مرحلة ما ضمن ظرف تاريخي تغير وربما انتهي، ولكن رواد وكبار هذه الثقافة لا يريدون أن يقتنعوا بأنه انتهي أو بأنه ربما لم تكن هذه الهواجس الايديولوجية منذ الأساس صالحة لتركيبة انساننا العربي، بل وأبعد من ذلك فانهم يحاولون توريث هذه الثقافة والايحاء للمثقفين الشباب الجدد بأنه لا مفر من اختيار نفس الطريق ونفس الخطاب، وكأن الثقافة هي رمز للصمود والثبات رغم انها وفي جميع الحضارات رمز للغني والقدرة علي خلق الاشكال والرؤي الجديدة وفهم التغيرات العميقة ـ أولا وأخيرا ـ للبنية الاجتماعية والانسانية. ان التأثر بالمقولات الايديولوجية وبالظروف التاريخية المرحلية كان النتيجة والسبب معا لوقوع الثقافة العربية الحديثة في خطأين اثنين، أولهما النخبوية التي أصبحت مفهوما أساسا في هذه الثقافة ، بل وربما أصبحت هي تعريف المثقف العربي، فمن يكتب، ومن يُخرج، ومن يرسم هم من النخبة ذوي الأفكار النخبوية والعبارات النخبوية والقلق النخبوي ومن يقرأ ويتابع هم فقط من النخبة أيضا. أما ثانيهما وأخطرهما فهو البعد الأساسي وربما الوحيد الذي تحمله هذه الثقافة بأشكالها أي البعد السياسي وافرازاته. منذ أربعين عاما وحتي الآن لم تكن الثقافة العربية في صراعها الحثيث (المخفي أو المعلن) مع السلطات السياسية سوي ردود أفعال للافعال وللانعكاسات السياسية… لم تستطع أبدا أخذ زمام المبادرة وبدء اللعبة ليس فقط لأن الحرية تنقصها بل أيضا لانها كانت تبدأ دوما من النقطة نفسها، من الصدام المباشر والمتكرر والعقيم مع السلطات السياسية، ولكن ألم يكن هنالك شيء آخر كان يمكن المراهنة والتعويل عليه والبدء منه؟ اليس الانسان العربي بمفاهيمه الاجتماعية وبمشاكله الحقيقية هو البداية الصحيحة لهذا الجدل الأزلي ولهذا الصراع؟ ألم يكن من الأحري بهذه الثقافة أن تكون مع هذا الانسان في الشارع، في المدرسة، في البيت، في الجامعة، في العمل ومن ثم في اختيار حلمه ومستقبله وربما رئيسه وحكومته؟ أليس استغلال الابعاد الاجتماعية والدينية السائدة والخاطئة هو الاساس الحقيقي والفعلي الذي قامت عليه واستمرت من خلاله هذه السلطات السياسية وهو أكثر أهمية وخطورة من الاساس الامني والقمعي؟ أليس تحرير العقل والروح والاحلام هو البداية الصحيحة للوصول الي حرية سياسية، وهل هناك من هو أقدر من المثقف علي مخاطبة العقل وتحرير الروح وخاصة مع عجز السياسات العربية ـ علي اختلاف اساليبها ـ عن القيام بهذا الدور؟ لا أري اليوم ومع كل ما يحصل من تدهور الا رابحا واحدا ووحيدا وهو هذه السلطات السياسية العربية. لقد فهمت منذ البداية قواعد اللعبة وخاصة مع عدم وجود خصم ذكي، فهي وكما أنها منعت بشكل مباشر الكثير من مقومات قيام ثقافة متكاملة الا أنها نجحت بشكل غير مباشر في خلق خصم لا يريد الا رأسها وهو في الحقيقة يحارب ذيلها، كما انها نجحت وللاسف في خلق أبطال وكاريزمات قومية ودينية في وقت لم تتمكن فيه الثقافة العربية ليس فقط من ايجاد أبطال ورموز شعبيين وانما من تكوين حالة ثقافية واضحة، اصيلة وانسانية.ونعود هنا الي الجدل الذي طرحه بريشت في مسرحية (غاليلو غاليليه) عندما يقول التلميذ لأستاذه (غاليلو): ما أسوأ حال الامة التي ليس فيها أبطال…فيرد عليه الاستاذ قائلا: بل ما أسوأ حال الامة التي هي بحاجة الي أبطال………….. مسرحي من سورية يقيم في فرنسا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية