بعد أن أسدل الستار على إحدى حلقات مسلسل ‘الاستحمار الوطني’ وبقدرة قادر ومن دون سابق إعلام تغيّرت ‘إشارات التردّد’ لنجد أنفسنا عنوة بصدد متابعة مسلسل جديد أبطاله من الماضي، يروي قصة مؤسسة تم حلّها منذ أكثر من خمسة عقود خلت. جرس المنبّه الانتقالي يذكّر الجميع بأنّ المساحة الزمنية المخصّصة للتأسيس قد استنفدت، وانّ الدستور لم ينجز بعد، وأنّ مشروع قانون العدالة الانتقالية لازال فوق الرفوف يتهدده القضم والالتهام. في حين أن عقارب ساعة عدد من الساسة تشير إلى أن الانتقال للسرعة القصوى يقتضى ضرورة اعتبار تمرير مشروع قانون الأوقاف أولوية، والوصفة السحرية القادرة على انتشالنا من المستنقع الاقتصادي الراهن. يبدو أنه تم الحسم في جميع المشكلات – التي لا حصر لها ـ من دون أن ندري أنّ اللحظة أصبحت مهيأة لمقارعة التاريخ في محاكمة غير عادلة بجميع المقاييس، نجومها أغلبية مستعجلة على إحداث تغييرات عميقة في الخارطة القيمية والمؤسساتية للمجتمع، ومعارضة – في نسختها الحداثوية- تتحرك تحت يافطة ‘أنا أرفض اذن انا موجود’، في نفي كامل للكوجيتو الديكارتي، وفي تماد أخرق في التعاطي الانطباعي المتشنج مع المنتجات والمشاريع ذات المصدرية الدينية، من دون المبادرة بمساءلة جدّية للمؤسسة الوقفية من داخل مشروع القانون والتجارب المقارنة ذات العلاقة. فتم اختزال المؤسسة الوقفية بمنتهى التسطيح التنظيري بكونها الدولة داخل الدولة، محاولة لأسلمة المجتمع، فنقطة وعودة إلى السطر. خلافا لما يتردد من أن منظومة الأوقاف مؤسسة إسلامية بامتياز، عملا بقول المصطفى ‘إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له’، وتقيدا بإجماع علماء الأمة على ان الصدقة الجارية محمولة على الوقف، مفردات التاريخ الوقفي من وثائق ورسوم تؤشر بكامل الوضوح الى ان عددا من الحضارات القديمة، كاليونان ومصر الفرعونية، عرفت نظما وقفية قبل ظهور الإسلام بكثير، من خلال تخصيص ريع عدد من الأراضي للإنفاق على دور العبادة. فالدور الرّيادي الذي لعبته مؤسسة الأوقاف في تألق الحضارة الأموية والعباسية في المجالات المعمارية والمعرفية بالخصوص، وفي إرساء اللبنات الأولى لاقتصاد تكافلي حقيقة لا يرقى لها الشك، إلا أنّ ما يغيب عن الأذهان إن هذا الدور تمّ في سياقات خاصة تزامنت مع تشكّل دولة الخلافة الإسلامية التي كانت بأمس الحاجة إلى مصادر تمويل ضخمة وإسناد لوجستي صلب، فأنشئت دواوين وقفية للغرض خاضعة للرقابة القضائية المباشرة. اليوم متطلبات الفهرسة الجديدة للدولة تغيّرت بالكامل لتتجه الى مزيد من الدمقرطة والتحديث، متغيرات دفعت بالعديد من البلدان الإسلامية والعربية الى تعديل نظمها الوقفية والتخلي عن بعض الأنواع منها. حتى الدول الأشد استماتة في الدفاع عن مؤسسة الأوقاف في نسختها القديمة، اخذت تدعو معاهدها البحثية المتخصصة لحتمية صياغة تصور حديث لمؤسسة الأوقاف وفق قواعد الحوكمة الرشيدة، مراجعة تجعلها أقرب إلى مفهوم ‘المؤسسة’ منها إلى الوقف ببنيته التقليدية.. في العمق يختزل مشروع القانون عددا من الإشكالات الواقعية والتشريعية التي لا تعترف بسوق المضاربة العقائدي والتهريج الاعلامي الذي نحن بصدد معاينته اليوم، فالإشكالات المثارة هي في علاقة بالأساس مع منطوق نص مشروع القانون ومدى تطابقه مع المرحلة التأسيسية الانتقالية الراهنة. ـ في علاقة بمنطوق نص مشروع القانون: قبل الخوض في المسألة يتعيّن منهجيا تقديم عرض مختصر لمؤسسة الوقف وفق ما جاء به مشروع القانون المضمّن بالموقع الرسمي للمجلس الوطني التأسيسي. عرّف الفصل الأول الوقف ‘بأنه تحبيس أصل المال مؤبدا أو مؤقتا والتصدّق بمنفعته’، ويتفرع الوقف – عقارا أو منقولا – إلى ثلاثة أنواع ‘الوقف العام والخاص والمشترك’ مع استحداث وقف جديد تحت مسمى ‘الوقف الجماعي’ بمنطوق الفصل التاسع. تتولى الدولة إدارة الأوقاف العامة والمشتركة من خلال ‘مؤسسة عمومية لا تكتسي صبغة عمومية’ تسمى ‘الأمانة العامة للأوقاف’ تضبط مهامها وطرق تسييرها بأمر لاحق. تسند إدارة الأوقاف ‘لناظر أوقاف’ خاضع لرقابة قضائية من ‘قاضي الأوقاف’ المنتصب بالمحاكم الابتدائية ذات المرجع الترابي. في الظاهر يبدو أننا بصدد نص يتسم بالتجديد والثورية، غير أن التدقيق في الفصول والفقرات والمصطلحات يكشف عن تضمنه لعدد من المساحات الاستفهامية المثيرة للتحفـــظ الشديد من بينها: مدى تطابق مشروع القانون مع مقتضيات مجلة الالتزامات والعقود، ومجلة الحقوق العينية، ومجلة الأحوال الشخصية؟ هل تدخل التقاطعات القائمة بين أحكام مشروع هذا القانون مع العديد من المجلات القانونية في خانة التـــفاعل الايجـــابي مع التشريع المدني الجاري العمل به، أم أنها فقـــط مقاربـــة انتـــقائية للنصوص لإضفاء مسحة من المدنية الصورية على هذا المشروع؟ هل يمكن فهم مؤسسة الأوقاف بمعزل عن مشروع إرساء المنظومة المالية الإسلامية؟ بما يمكن تفسير تكرار عبارة ‘جائزة شرعا’ في الفصول 7 و22؟ ما هي الجدوى والمردودية الاقتصادية والتشغيلية من إسناد مؤسسة بهذا الحجم إلى الدولة؟ لما لم يتجه تفكير المشرّع إلى وضع المؤسسة الوقفية على ذمة المبادرة الخاصة مع إخضاعها لرقابة إدارية وقضائية متشددة استئناسا بالتجارب المقارنة المتطورة على غرار الأموال الوقفية المخصصة لجامعة ‘هارفارد الأمريكية’ و’معهد التفكير الاستراتيجي’ في تركيا وغيرهما من النماذج الوقفية المتميزة في العالم؟ ما هي المخاطر الممكنة من إسناد صلاحيات واسعة لناظر الأوقاف المضمّنة بالفصل 16؟ كيف يتسنى إحداث خطة قاضي الأوقاف من دون تحديد قبلي واضح لا لبس فيه للمرجعية القانونية التي يتوجب التقيد بها للفصل في النزاعات؟ هل المنظومة القضائية المنهكة اليوم قادرة على استيعاب مكوّن إضافي – مؤسسة قاضي الأوقاف- غير محدد الهوية بالقدر الكافي؟ أليس غلق الباب أمام الطعون في القرارات الصادرة عن قاضي الأوقاف في الصور المقررة في الفقرة الأخيرة من الفصل 26 يعد مسّا من مبدأ التقاضي على درجتين؟ كيف يمكن إقناع العموم بان مشروع القانون استثماري تحفيزي بامتياز، في حين أن فصل 19 يستثنى أحكام قانون 25 ايار/مايو 1977 المتعلق بتجديد كراء العقارات أو المحلات ذات الاستعمال التجاري أو الصناعي؟ كيف يمكن استساغة أن لنص المشروع طابعا تنمويا في حين أن الفصل 20 يقرّ بزيادة سنوية للعقارات الوقفية الفلاحية بنسبة لا تقل عن 20 بالمئة عند كل تجديد؟ – هل تم تقدير الضرر الذي قد ينجم عن تطبيق محتمل للفصل 13 على الدورة الاقتصادية ومنظومة الاقتراض البنكي، حين نص صراحة على عدم جواز التفويت في الأموال الموقوفة ‘فلا تباع ولا توهب ولا تورث ولا ترهن ولا تحبس ولا تعقل’؟ ما هي الموانع القانونية الضامنة لعدم التراجع عن ‘الأثر غير الرجعي’ لنص المشروع بعد المصادقة عليه، لا سيّما أن القاعدة الأصولية التي تقرّ بمبدأ عدم رجعية القوانين تقيّد القاضي فقط، ولا تقيّد المشرع؟ ـ مدى ملائمة نص المشروع مع المرحلة التأسيسية الانتقالية الراهنة : أولا – لم ترصد في التجارب الانتقالية المقارنة حالة واحدة شبيهة بالحظوة الخاصة التي عرفها هذا المشروع بتداوله القياسي بالنقاش في لجان المجلس التأسيسي قبل مشاريع أخرى تأسيسية مؤكدة وحارقة.. ثانيا ـ إنشاء المنظومات الوقفية تزامن مع فترات التوسع الاقتصادي المتسم بتكدس الثروة والوفرة الإنتاجية، في حين أن المراحل الانتقالية تشترك في ما بينها بضعف الأجهزة الرقابية للدولة وهشاشة في النسيج الاقتصادي وتوسّع الاخطبوط الجمعياتي المريب. ثالثا – تقنين المؤسسة الوقفية في المعطى الانتقالي الراهن من شأنه أن يفضي إلى تحويل وجهة الأوقاف من منظومة إسناد اجتماعي ومحرّك من محركات الاقتصاد إلى حاضنة تحتية قد تستفيد منها جماعات مريبة أقرب منها إلى أجسام طائرة مجهولة منها إلى جمعيات محدّدة الهوية ومصادر التمويل. بمنأى عن هوس البعض في نبش الماضي، نحن اليوم في اشد الحاجة لإرساء ‘نظام أحباس’ وجيل جديد كفيل بحبس أنفاس التناحر السياسوي الحاد الذي أغرق البلاد في حالة من الإحباط غير المسبوقة. كاتب تونسي