مجاهد البوسيفي روائي ليبي غادر وطنه إلى هولندا باحثاً عن متنفس للحرية والعيش الكريم. سبق لمجاهد في مطلع شبابه أن كتب رواية تحت عنوان ‘مملكة الريح’، لكنه لم يدفعها للنشر معتبراً إياها تمريناً على الكتابة الطويلة، غير أنه لم يتردد في نشر ‘آزاتسي’، روايته الثانية التي قوبلت باستحسان كبير من القرّاء والنقاد على حد سواء. ولتسليط الضوء على تجربته الإبداعية التقيناه وكان لنا معه هذا الحوار:
* هل يمكن أن نعتبر ‘آزاتسي’ سيرة روائية لكَ، وما سالم ناجي سالم إلاّ قناعا ارتداه مجاهد البوسيفي بحرفية وإتقان. فمن خلال هذه الشخصية المقنّعة تشظّت أحداث الرواية وأخذت أبعاداً محلية وعربية وعالمية. كيف تأول هذه القراءة؟
*في البداية كانت الرواية بلسان الراوي، لكنني اكتشفت بعد المحاولة أن ذلك لن يمنح العمل شحنته المطلوبة من الصدق والحميمية، فتحولت إلى ضمير المتكلم، بحيث يكون الراوي هو المتحدث وهو ربما ما أوقعني في شك أن أكون بطل العمل. سألت صديقك رؤوف مسعد مرة عن نسبة وجوده في ‘بيضة النعامة’ فقال الثلث فاعتمدت ذلك بيني وبين نفسي في هذا العمل.
*يرى بعض النقاد أن ‘آزاتسي’ هي رواية لجوء وهجرة بامتياز تنبش في حيثيات اللاجئين والمهاجرين من جنسيات مختلفة في أثناء تواجدهم في كامب لايدن ومعسكر هوخ هالن الهولنديين. ما صحة هذا التوصيف خصوصاً وأنك عشت سنوات طويلة في هولندا؟
*في البداية كنت أسجِّل يوميات بسيطة من داخل المركز بهدف كتابة شيء ما لاحقاً. ثم بدأ واقع تنوع الحياة في هذا المكان يفرض نفسه، بشر من أربعين جنسية يلتقون في مكان قصي من أوروبا فارّين من القمع والعوز كان كفيلاً بخلق حياة فريدة يصعب أن تتكرر في حياة الشخص. كنا نشبه جزيرة منعزلة مليئة بالمشاعر والحيوات، لكن آزاتسي ليست رواية لجوء في المقام الأول، الدراما الحقيقية تتم في ليبيا وليس في هولندا. سوف يكتب آخرون عن اللجوء وسيجيدون ذلك، ما فعلته أنا هو المشاركة في قص شريط البداية حول هذا اللجوء الذي مر به المئات من كتاب العربية ولابد أن بعضهم سيكتب عن ذلك المنجم يوما ما، لكن بالطبع أُسعد عندما يشار الى النبش في موضوع اللجوء بالرواية، كما فعل الصديق الكاتب جمعة بوكليب عندما قدّم الرواية للقنصل الهولندي وعرفها بأنها كتاب يحوي كل حيل اللجوء.
* يشكِّل حضور المرأة عنصراً أساسياً في التفجّر اللغوي الذي احتواه هذا النص الروائي. ما أسباب هذه السلاسة والتدفق اللغوي الذي يصل إلى حدّ التوهج حينما تتحدث رحاب وعالية الأثيوبية؟
*اذا حدث ذلك فهو بفضل الصحافة والسينما على محسوبك، حاولت دائماً أن أتعلم من الصحافة، كقارىء قبل أن أكون صحفياً، سلاسة العبارة، وعلاقة الجمل ببعضها، وطريقة سرد الحدث، وسرعة البديهة الفنية، استمريت أيضاً خلال سنواتي الأولى في هولندا أكتب مقالات ونصوص لا يقرأها سواي بدافع مواصلة المران وقد كان ذلك قراراً صعباً ولكنه أفادني فيما بعد. رحاب كانت فتاة من الطبقة الوسطى متعلمة ومتابعة لما حولها، لذا فقد فصلت لها لغة حاولت أن تكون مناسبة، أما عالية فقد كانت من طبقة شعبية منطلقة وصريحة ولها تجربة حياتية أكبر من رحاب، وهما طرفان مكملان لبعضهما، أظن أن رحاب وعالية هما خليط من نساء مختلفات التقيت بهن في الواقع وتسربن بشكل ما إلى الرواية، لكن وجودهما، أولاً، كان للحاجة الفنية، كنت محتاجاً لمرأة ليبية وأخرى معادل لها في الخارج لإسناد الراوي وإحلال الحياة في العمل.
* ما الأسباب التي دفعتك للمقارنة بين حاكمَين مستبدَين وهما القذافي وصدام حسين. وهل أن المصادفة هي التي دفعتك للتركيز على شخصيات عراقية معارضة، أم أن الانتقاء كان مقصوداً وناجماً عن دراسة متأنية للوصول إلى هذه المقاربة الفكرية؟
*عشت في أجواء عراقية منذ العشرينات من عمري، من خلال فنانين وكتاب وسياسيين، من الذين جاءوا الى ليبيا وساهموا في صد بعض من الخراب الثقافي والعلمي. كان أغلب أولئك من أنصار الحزب الشيوعي وقاتلوا صدام وعاشوا سنوات في كردستان، في تلك الفترة قرأت عن التاريخ العراقي وتعرفت على نمط من الحياة حار ومغامر، وهم أول من زرع في فكرة الجرأة على السفر بشكل واقعي وليس مجرد خاطر ذهني نعتاد على الحياة معه. تناول عراقيين في عملي كان بالنسبة لي أمرا عاديا وكأنني أكتب عن شخصيات ليبية، وحضور صدام كان لا مفر منه، فبالنسبة لي هو أب الدكتاتورية العربية ونستطيع أن ننافس به أعتى دكتاتوريات العالم للحصول على كاس الأسوأ بينهم، هناك تشابه كبير بين الرجلين ومرحلتهما بما في ذلك العمل الأمني على مستوى الشارع، قصة أبو طبر في العراق وعصابة القط الأسود في ليبيا التي حاولت بها أن أشير لظاهرة التشابه كمثل، أيضا تابعت لسنوات العلاقة المريضة بين الرجلين، كان صدام لا يعترف بأن القذافي منافس جدي له، وكان القذافي يغيظه ذلك لكنه أيضاً كان يقلده ويهتم لأمره، أحيانا في الملابس أو القرارات أو المزايدة في بازار العروبة. أتمنى أن يكتب أحد في ذلك .أود ان أقول للعراقيين ان مشاركتهم في العمل كانت بشكل ما محاولة مني لبعث تحية عرفان.
* هل لك أن تتحدث عن تقنياتك في بناء الشخصيات والأحداث في رواية ‘آزاتسي’، وهل ثمة أصداء لتأثرك بكاتب عربي أو أجنبي محدّد، أم أن هذه التقنيات هي من عنديات الروائي والكاتب مجاهد البوسيفي؟
*هناك طبعا كتاب كثيرون تعلمت منهم دون أن يعرفوا بوجودي أصلاً، لكن ما حدث في آزاتسي كان أمراً مختلفا بعض الشيء.
كنت أريد أن أكتب رواية فيها العودة للماضي تتم تقنياً بسلاسة فيلم الإمبراطور أو ‘الهاي لاندر’ الجزء الأول .مرة واجهت صعوبة حقيقية في إيجاد تقطيع مناسب في جزء مركز اللاجئين، وفي أحد الأيام وقع في يدي كتاب لبطرس بطرس غالي حول المفاوضات حل لي هذه المشكلة، ساعدتني مثل تلك المواد، استفدت أيضاً من ملاحظات أصدقاء أثق بهم وكانت قاسية وصريحة و ‘لوّعت كبدي فترة’، وعندما تصالحت مع اللغة وأصبحت الكتابة عملية تقنية سهلة لحد ما صار أمامي تحد آخر وهو إيقاف هذا الموضوع برمته في الوقت المناسب. ماتبقى هو أخذ من مخزون قراءاتي وتجاربي، أحببت دائما صنع الله إبراهيم ورؤوف مسعد ومحمد شكري، وكان ثلاثتهم يحضرون من وقت لآخر لتفقد العمل، لكن ليس أكثر من ذلك.
* كيف قوبلت هذه الرواية في ليبيا على وجه التحديد من قبل القرّاء والنقاد على حد سواء. وكيف تقيّم الدراسات النقدية العربية التي كُتبت بشأن هذه الرواية المثيرة للجدل؟
*بالنسبة لظروف ليبيا استقبال العمل كان مفاجأة سارة لي، قرأها كثيرون وكتبت عنها مواد عديدة ومن أقلام تعني لي شخصيا، وسبق أن أقيم لها حفل توقيع جيد في القاهرة. من حق الكتاب أن تعلن عنه بشكل لائق قدر الإمكان. يهمني القراء بالطبع، فأنا أكتب محاولاً الوصول للقارئ العادي غير المهتم بالتنظير واللعب باللغة، وهذا القارئ قدم لي إشارات واضحه بأنه فهم علي. نقدياً في ليبيا أو خارجها ليس هناك كثيرون مما نبشوا فعلاً في أجواء النص، هناك من تناولها على أساس أنها مفاجأة من كاتب ينتمي لبلد لا يتوقع منه الكثير، وهناك من مارس عليها استعراضا لغوياً أرهق العمل، لكن هناك قلة إشارت لمكامن مهمة، وأسعدني انهم التقطوا بعض الهموم التي حاولت روايتها.
* ثمة محاولة لفهم المجتمع الليبي، وتحليل ذهنيته، وطريقة تفكيره من خلال الأكل والشرب وبعض العادات والتقاليد الاجتماعية الليبية. هل جاءت هذه المحاولة عفو الخاطر أم أنها جزء من نسيج النص ولحمته الداخلية؟
*هناك من اعتقد إني اشرح طريقة طبخ المكرونة ‘المبكبكة’ وأصف مجلس الندماء الليبي، الحياة اليومية وعاداتها منبع مهم يجب أن تحافظ عليه أثناء الكتابة وتحاول أن تمنحه الفرصة لما يريد قوله. الطريقة التي نأكل ونشرب ونتواصل بها تحكي لنا الكثير. ولذا كنت واضحاً عندما قلت في لغة مباشرة أنه إذا أردت أن تفهم الليبيين فعليك أن تفعل كذا وكذا. مرة كتب شخص على تويتر يصف ‘آزاتسي’ بأنها دراسة اجتماعية ممتازة ولا أخفي عليك أن معنوياتي ارتفعت عندما قرأت تلك التغريدة.
* لقد عشت في هولندا لبضع سنوات. ما الذي أفدته على الصعيدين الحياتي والأدبي. وهل تعتقد بوجود لمسات هولندية في نصك الروائي الذي غطّى مسافة عقد كامل؟
*تعلمت من هولندا احترام الآخرين، وفهم، ولو نسبياً، قيمة الوقت وشاهدت هناك العرب والمسلمين، كيف يعيشون ويتعايشون. ورغم أنني لا أحب أجواء التجمعات الثقافية فقد أجبرت نفسي على التردد عليها أحيانا مما أعطاني فكرة إضافية عن المواضيع التي تكتب والأفكار التي تناقش. هولندا منحتني حياة جديدة والوقت الكافي للتفكير في كتابي وضرورة السيطرة الكاملة على نصك دون أن تخنق شخصياته، فالكتابة في نهاية الأمر حرفة مثلها مثل السائق والطبيب والمهندس عليك أن تؤديها بأفضل شكل ممكن.