حكم البابا
لا أظن أن الوفد البرلماني الشعبي السوري الذي زار لبنان مؤخراً يمثل سورية أو المجتمع الأهلي السوري، بالطريقة التي حاول فيها رئيسه عضو مجلس الشعب السوري الدكتور محمد حبش التعريف عن وفده وتقديمه لوسائل الاعلام، وأنا هنا لا أتحدث عنه من الجانب السياسي، لأن عدم معرفتي بأسماء أعضاء الوفد وباتجاهاتهم السياسية تمنعني من ذلك، إنما أتحدث عن الصورة الخارجية لأعضاء الوفد، الذي يشكل لابسو الجبة والقفطان والعمامة والقلنسوة ما يعادل تسعين بالمائة منه، وتقديم هؤلاء باعتبارهم ممثلين للمجتمع السوري كلّه يكاد يكون تزويراً لصورة هذا المجتمع، الذي يغلب عليه الطابع المدني أكثر مما يغلب عليه الطابع الديني، ولا يستطيع رجال الدين من مسلمين ومسيحيين ـ مهما بالغوا في حجم حضورهم وشعبيتهم ـ الإدعاء بأنهم يمثلون مجتمع سورية الأهلي، وأي زائر لسورية (أو حتي متابع لشاشة تلفزيونها) يستطيع ملاحظة أن هناك فرقاً كبيراً علي الأقل في الشكل، بين صورة الشارع السوري الحقيقية، وبين الصورة الزائفة التي أراد الدكتور حبش من خلال وفده البرلماني الشعبي تقديمه بها.
لا أعرف من كان وراء اختيار تشكيلة الوفد البرلماني الشعبي السوري سواء كان الدكتور حبش أم غيره، وماإذا كانت مجرد صدفة أو أنها رسالة مقصودة إلي بلد أقرب إلي المركز الإعلامي، ويكاد يشبه استديو للبث المباشر، ولكن لو أضفنا الصور التلفزيونية لهذا الوفد الروحي أو الديني في جولاته علي الشخصيات اللبنانية إلي حوادث حرق سفارتي بلجيكا والدانمارك قبل فترة في دمشق، إبان أزمة الكاريكاتور المسيء للرسول الكريم محمد، وجمعنا إلي ذلك الاعلانات المتكررة عن إحباط عمليات إرهابية لما يسمي بتنظيم جند الشام الأصولي، والمواجهات المسلحة مع عناصره، وأضفنا إلي تلك الأحداث الظهور المتكرر للدكتور محمد حبش في نشرات أخبار الفضائيات العربية كمتحدث من دمشق، باعتباره يجمع بالاضافة إلي صفته كرجل دين ومدير لمركز متخصص في الدراسات الاسلامية صفة النيابة في مجلس الشعب، فستكون نتيجة هذه المعادلة في الرياضيات السياسية (لمن لا يعرف صورة مجتمع سورية الحقيقي وليس علي تماس مباشر به) مجتمعاً يكاد بطريقة من الطرق يكون طالبانياً، وفي ذلك تشويه كبير لمجتمع يعتبر فيه الدين عنصراً من مكونات الحياة المدنية، ولا تسير فيه الحياة المدنية وفقاً لتعاليم الدين حتي في أكثر بيئاته تديناً، ولم يستطع التيار الاسلامي أن يحمل إلي برلمانه أكثر من عدة نواب، في حين كان النواب الاشتراكيون والليبراليون يشغلون أغلب مقاعده، حتي في مرحلة ما قبل الاعلان عن تحويله إلي مجتمع اشتراكي بعد 8 آذار (مارس) 1963. ولذلك فوفد الدكتور حبش فيما يتعلق بتسميته بالشعبي يعتبر مغالطة لواقع سورية الفعلي، ولا يمثل أكثر من جزء من أجزاء المجتمع السوري، الذي لم يفوض ولا لمرة في تاريخه رجال الدين ـ مسلمين ومسيحيين ـ بتمثيله، إلاّ في حالات نادرة وفي مشكلات أقرب إلي الشخصية والحالات الخاصة، وأي وفد شعبي يخلو من شخصيات من أمثال الدكاترة والأساتذة صادق جلال العظم وبدر الدين الشلاح وعارف دليلة وحنا مينه ودريد لحام ونجاح العطار وميشيل كيلو ووليد إخلاصي وعلي عقلة عرسان ورياض سيف ورياض الترك وصابر فلحوط والأب الياس زحلاوي والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي وأمثالهم (سواء اتفقنا أو اختلفنا مع مواقف ورؤي بعضهم إلا أننا لا نستطيع الاختلاف حول قيمتهم الشخصية أو العامة)، لا يمكن تسميته بالوفد الشعبي السوري، ومن الخطر تقديم صورة مجتمع سورية بالعمة والجبة والقفطان مهما كانت الغايات! 9