وفاء مليح
ألم…. ثم ألم… ثم مرارة تكورت غصة في الحلق.. صمت وعجز… وضباب ودبابات وطائرات وصور أشلاء لأجساد صغيرة هنا وهناك…. أشياء كثيرة تثقب الرأس والجسد وسواد يغلف شاشات الانسان العربي أينما حل وارتحل… الكتب والدفاتر تتناثر أشلاء كالكائنات وتتمزق كما تتمزق الكلمات في أحشائي وتموت الأشياء لتبقي ذكري أشياء. موت يتجدد كل يوم.. قتلي يولدون علي أرض لبنان ولماذا لبنان بالضبط؟
؟ هل لأنها عروس المنطقة العربية؟
؟ أم لأنها تجمع في تآلف وانسجام طوائف مختلفة؟
؟… لبنان بلد الحريات والتعدد العقائدي. بلد الثقافة والحياة… لبنان الآن تصرخ في وجه الوطن العربي الرجل الذي خانها:
ـ هذه عيوني التي عشقتها دوما.. ها هي تحترق.
هكذا أجدني مشلولة. ذاهلة أمام الصور وعناوين الجرائد… ليتني كنت حجرا… أو عدما كي أدفع عني جبني وعهر كلامي وعجزي عن التفكير… وكنت أنا المحاصرة بألغام اللغة أبحث عن الحروف لأجمع أشلائي علي بياض الورق… لكن لغتي أبت واستعصت علي البوح. أصبحت فاترة أمام ضجيج العنف. فكان الأرق… ثم الأرق… ثم الألم والنزف الداخلي.. وحالة ضعف وترقب. تحدث حزب الله وناب عن الانسان العربي.. السياسي… الاقتصادي والمثقف. قال كلمته وفق تخطيط استراتيجي وايمان قوي بالذات ليخرج العربي من وهم الاسرائيلي القوي المتجبر الذي لايقهر. لقن درسا للأنظمة العربية العاجزة وخلخل الذات العربية لتعيد النظر في نواقصها وعقدها، بل لتفكر في استئصال عقدة النقص المتجذرة فيها تجاه اسرائيل… سيناريوهات الصمود أمام اسرائيل تتكرر في كل مرة يدخل العرب فيها في مواجهة مع الكيان الصهيوني. ألم يع القادة العرب بعد أن اسرائيل العظمي وهم غرسته أمريكا في عقولهم؟
؟ وآن الأوان لتخطيط استراتيجي موحد يدرس له علي مهل عوض الارتباك والارتجال في الساعات الحرجة… نعم آن الأوان لبتر شوكة اسرائيل المزروعة عنوة في المنطقة، والابتعاد عن الكلام الفضفاض الذي يخلو من أية ارادة ايجابية وجادة؟
؟….. الالتزام الأخلاقي لدي قادة حزب الله هو ما ينقص القادة العرب فلا قضية تعلو علي امتيازات الحكم والسلطة.. والأرض العربية أرض المجازر والمذابح البشرية تفتح رجليها لكل قادم مغتصب آثم.. .. فلسطين.. العراق… لبنان والبقية تأتي.. لكن هل يكفي التخطيط السياسي لقهر الذل؟
؟… المثقف كذلك مطالب وبقوة للانخراط في تجديد الرؤي والفكر. هنا أسأل وبالحاح ألا نحتاج الي غاندي… مانديلا… تشي غيفارا.. نيرودا بصيغة عربية.
لم لا تنبت أرض العرب مثل هؤلاء؟
؟.. شعوب أمريكا اللاتينية تعيش نفس ظروف الظلم والفقر التي يعيشها الشعب العربي لكنها تمتاز عنه بأنها أرض الثوار ليس فقط في أوطانهم بل عالميا.. تحضرني قولة لكانت يقول فيها التاعسون هم مصدر القوة في العالم. الأكيد أن الثورة تولد من رحم الظلم والحرمان والألم. حروب الارهاب التي تشنها الجماعات الاسلامية سواء داخل البلدان العربية أو خارجها هي ردة فعل ضد جبروت الامبريالية الأمريكية وعجز الأنظمة العربية.. لا أحاول هنا أن أبرر العنف الذي تلجأ اليه هذه الجماعات، لكنها في كل الأحوال تعتبر جزءا من الشارع العربي، تنبض بنبضه. هذا الشارع الذي يغلي وفي جوفه جذوة نيران تتأجج… كيف يمكن احتواء هذا الغليان اذا لم نؤسس لمعالم عقل جديد يقود انسانا جديدا وليس مستهلكا غائبا؟
؟.. لا يمكن ذلك طبعا الا في ظل كتابة مبدعة ثائرة علي نفسها وعلي أهلها. لكن أية سلطة الآن في العالم العربي تسمح بدخول المثقف اليها من أجل تغييرها خصوصا وأن السلطة ما زالت تحكم بمنطق العصور ما قبل الحديثة، اذا لم تسبح الرعايا بحمدها يحق تأديبها وتعنيفها؟
؟.. فبين فكر المثقف الحقيقي وفكر السلطة المستبدة تناقض ورفض متبادل، لكن ذلك لا يمنع أن يقوم بين الاثنين جدل دائم لابراز فاعلية المثقف رغم الأجواء السياسية المتردية. لذا نعتبر أن ثورة الثقافة هي في ولادة انسان جديد تعيد الانسانية الي الانسان العربي. انسان عصي علي الدمار لا ينتهي في نفسه كما قال نيرودا في احدي قصائده. نحتاج الي المثقف الفدائي الذي يكرس حياته لثقافته وفنه، يعيش الحياة والكتابة دون تناقض. يؤمن بانتمائه وقضيته ويلتزم مع قضايا الأمة. ينزع عنه ثوب احتقار الذات وتبخيسها. صاحب استقلالية في الرأي والتوجه، تلك الاستقلالية التي تمنحه ثقة بالنفس وحضورا قويا في قضايا وطنه. يزرع دماء جديدة في أوردة الانسان العربي الذي ضاع وتاه في عالم اكتسحته العولمة وداست علي الأخضر واليابس فيه.
أتحدث عن المثقف الملتزم التزاما أخلاقيا الشيء الذي لا نجده عند القادة والمسؤولين العرب وينقصنا نحن المثقفين الالتزام الأخلاقي بحيث ننغرس في قضايانا حد اهراق الدم. للأسف المثقف العربي حتي علي مستوي حياته الشخصية يرتجف كفأر مذعور أمام قط شرس اسمه المجتمع، فهمومه أصبحت صغيرة جدا لا تتجاوز جيبه.
من أين لنا بنيرودا العربي يعيد العزة الي الانسان العربي بل الانسان المقهور علي وجه البسيطة؟
؟ يساهم الي جانب الفاعل السياسي في اعادة صياغة مفاهيم جديدة لوعي عربي جديد؟
؟ ومع ذلك فما دامت للكلمة روح سيبقي أمل احيائها واردا علي صفحات العقل العربي لأن نيرودا بصيغة عربية ومن تربة عربية بدأت ملامحه تتضح فيك أنت وفي أنا… ان لم يكن الآن فمتي اذن؟
؟.. الانسان لا يمكن أن يكون حرا الا في أمة حرة… ذات ارادة حرة.. كاتبة من المغرب