الإتفاق الأمريكي الإيراني، يضع خاتمة سعيدة، لحقبة من الإشتباك الإيراني مع السياسة الأمريكية، تقاطعت فيها السياستان مرارا، التقتا وافترقتا، في محطات عديدة حتى وقع الطلاق مع الإصرار الإيراني على المضي في البرنامج النووي دون الخضوع لأية شروط!
كان ذلك بإسناد روسي مدروس، أرادت السياسة الروسية من خلاله دفع الأمريكان لتقديم التنازلات في الساحات السياسية الساخنة أو حين تدعو الحاجة لذلك! ومن هنا كان مسلسل التراجع الأمريكي فيما يتعلق بدعم الثورة السورية والموقف من النظام السوري فرصة ذهبية انتهزها الحليفان جيدا فاختارا إسناد النظام السوري بغير تحفظ، الروس بالتقنية والسلاح وإيران بدفع حلفائها المذهبيين إلى ساحة المعركة وهكذا نجحا في الحفاظ عليه حيا حتى حانت اللحظة المناسبة!
لقد صمدت إيران طويلا للضغوط الإقتصادية إلا أنها لم تحقق النتائج المرجوة على صعيد تطوير برنامجها النووي فاختارت مساعدة النظام السوري على الصمود بكل الوسائل المتاحة، حتى تتمكن من مساومة الأمريكان على أرض صلبة لتحصد أفضل النتائج مع الإحتفاظ بماء الوجه ولم تكن السياسة الأمريكية في حال أفضل فقد فقدت الكثير من مصداقيتها ومن ماء وجهها ربما على الساحة السياسية الدولية وكان أسوأ هذه الخسارات شعور حلفائها المقربين بالخذلان وعلى رأسهم المملكة السعودية والتي لم تتحفظ في إبداء سخطها وتململها، تجاه السياسة الأمريكية!
السياسة الإيرانية الحصيفة سارعت لقطف الثمار في اللحظة المناسبة، قبل أن يسقط نظام الأسد المترنح بالفعل فسارع المحافظون أنفسهم، إلى تقديم رئيس إصلاحي، مانحين الامريكان الفرصة، للدخول في حوار دون حرج ومع الإحتفاظ بماء الوجه وأنهوا عهد الرئيس ‘نجاد’ المتشنج بضربة معلم، كان هذا قراءة حصيفة للمتغيرات واغتناما ذكيا للحظة التاريخية!
أمريكا التي عجزت عن إسناد ديمقراطيتها المدعاة في مصر مستعيضة عن ذلك بإسناد حكم عسكري مستبد تجاوزه الزمن بمراحل، وضعت نفسها على أرض مكشوفة في مواجهة خصم إيراني تقدم برئيس إصلاحي عبر خيار شعبي وآلية ديمقراطية، ولو ظاهرا حتى، فابتلعت أمريكا لسانها محجمة عن توجيه تهمة الشمولية للحكم الديني الإيراني وموفرة على نفسها ردا إيرانيا قاسيا يبرز موقفها البائس وتنكرها للديمقراطية المدعاة على الساحة المصرية!
من الناحية الأخرى، تبدو إيران جادة في حصد نتائج هذا الإتفاق إذ يبدو أنها تضع عنوانا لمرحلة جديدة فحواه النهضة الإقتصادية، ويبدو أن الرئيس الجديد حسن روحاني، قد دشن هذه المرحلة بإعلانه الصريح أن الإقتصاد الإيراني يعاني من الركود التضخمي وأن نسبة التضخم تصل إلى40′ في حين أن نسبة النمو لا تتجاوز الـ 6′..
إيران بالفعل تتخلى عن أحلامها الإمبراطورية التي كانت عنوانا للحقبة السابقة لم تحقق عبرها نتائج عظيمة ولكنها خطت إلى الساحة الدولية كثقل إقليمي يحسب له ألف حساب!
أنا أرى أن إيران ستعود إلى حدودها الداخلية حسب المؤشرات الفعلية مما يعني بالضرورة أنها ستنسحب كمقاتل من الساحات الخارجية، لأن الإستمرار في الحضور العسكري يعني استمرار النزف الإقتصادي للموارد الذي ترمي إلى إغلاق صنبوره إلى غير رجعة على ما يبدو!
وهذه فرصة ينبغي أن تنتهزها السياسة العربية، وعلى رأسها العربية السعودية، والتي يبدو أنها عوضا عن التهيؤ لقطف الثمار، في مؤتمر جنيف 2، والتي أصبحت في متناول يدها بالفعل، تتهيأ لإعلان حرب على بعبع الإرهاب، بالنيابة عن نظام الأسد الذي ساهم في إخراجه إعلاميا إلى حيز الوجود بالتواطؤ مع سياسة أمريكية سيئة النية، اتخذت منه غطاء لتخاذلها السياسي ومواقفها غير الحازمة!
إيران تمثلت قول الشاعر الفارسي’ بشار بن برد’ :
قد جمعت المجد من أطرافه
سؤدد الفرس ودين العرب
في حين تفشل السياسات العربية، في تمثل قول شاعرنا العربي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أولٌ وهي المحل الثاني
نزار حسين راشد