قبل أكثر من عشرين عاما حدث تحول كبير في ساحة العلاقات الدولية، والمنطق السائد فيها. فمع بدء الحديث عن مؤتمر ‘مدريد للسلام’، بدأ تحرك أمريكي ـ غربي ـ صهيوني، فحواه: كيف يمكن للفلسطينيين والعرب أن يوقعوا اتفاق سلام مع دولة أو كيان يوسم بالعنصري، حسب قرارات أهم مؤسسة دولية، الأمم المتحدة ؟ وبسرعة البرق كان إلغاء قرار 3379 لعام 1975 (القاضي باعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية)، من ملفات وأرشيف الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين والكيان الصهيوني يعيد ترتيب أوراقه لابتلاع الضفة، وفرض هيمنته على المنطقة، التي اكتوت بحروبه العدوانية التي شنها على لبنان والضفة وغزة خلال الأعوام 2002 و2006، 2008- 2009، 2012، وغيرها من أعمال عدوانية على سورية والسودان وغيرها. لم يدخر الكيان الصهيوني جهدا في سبيل فرض مخططاته، من جانب واحد، رغم ‘حمائم السلام’ التي انهالت عليه في المنطقة، ورغم كل ما حصل عليه في كل من مصر (مبارك)، والأردن (وادي عربة)، وأوسلو، وهو ما لم يكن يحلم به أي صهيوني قط. استمر سعي الصهاينة لحسم الصراع بطريقتهم، وازداد المجتمع الصهيوني يمينية وتطرفا، وازداد انغلاقا وعنصرية. فيما يأتي بعض ملامح هذا المجتمع التي لا تشير بحال الى أنه مجتمع أو كيان يرغب بالسلام أو يسعى إليه. جاء في دراسة لمركز عدالة’ المتخصص في الدفاع عن حقوق العرب الفلسطينيين في مناطق 1948، ان الحكومات الصهيونية المتعاقبة سنت 32 قانونا عنصريا تمييزيا، ما بين عامي 1948 و2010. وبينت انه تم إقرار 10 قوانين عنصرية خلال العامين الأخيرين وحدهما. ومن هذه القوانين العنصرية هناك 20 قانونا تمييزيا عنصريا واضحا ضد الفلسطينيين العرب في المناطق المحتلة منذ 1948، تسمى بـ’ قوانين أساس’. وإن أي متفحص لهذه القوانين يجد انها تتناول المركبين الأساسيين لوجود وحياة الفلسطيني على أرضه، ألا وهما الأرض والإنسان، بمعنى سعي هذه القوانين العنصرية لنفي الفلسطيني خارج إطاري الزمان والمكان، ليس بمعنى التجاهل أو التعالي أو الاستكبار أو هضم بعض الحق، وإنما بالنفي التام، الإقصاء، ‘التطهير’، الإلغاء. فالقوانين السالفة الذكر تمس بأرض الفلسطيني، ووجوده وهويته وعقيدته وحضارته، حيزه الثقافي والوجداني، ومدرسته وبرامجه التعليمية (آخرها فرض مناهج دراسية اسرائيلية في مدارس القدس الشرقية). وفي التفاصيل فإن هذه القوانين العنصرية هدفت الى مصادرة أكبر قدر من أراضي الفلسطينيين، وتجميعهم في معازل (تحت الحكم العسكري بداية)، وفرض كل القيود والأحكام الجائرة على المخالفين، ومنع عودة من أصبحوا يسمون لاجئين، (بمن فيهم اؤلئك الذين اعتبروا لاجئين في أرضهم)، الى ديارهم وممتلكاتهم وقوانين أملاك ‘الغائبين’، و’المتروك’، و’الجنسية’، وفرض بطاقة تعريف الهوية… وصولا الى قانون منع احياء النكبة، الى قانون ‘برافر ـ بيغن’، الذي يستهدف مصادرة حوالي 800 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين في النقب، وتشريد حوال 80 ألفا منهم، الى قوانين ‘استقرار الحكم’، الذي يرفع نسبة حسم دخول الأحزاب للكنيست الى 4’، الى قانون ‘القدف والتشهير’، الى قانون ‘الخدمة المدنية’ بديل ‘الخدمة الوطنية’، الى قوانين إدراج أسماء المدن والمواقع الفلسطينية التراثية والأثرية التاريخية والدينية على قائمة المواقع السياحية ‘الإسرائيلية’، الى قانون ‘تغيير أسماء المواقع وحتى اللافتات للشوارع’ وإلغاء كل ما هو عربي فيها وحصرها بالعبرية فقط، الى فتاوى كبار حاخامات يهود منهم عوفاديا يوسيف، بقتل الأطفال والسجناء العرب (بعد نعتهم بأبشع وأقذع الألفاظ، كالصراصير، والأفاعي السامة،..الخ) الى ممارسات أجهزة الاستخبارات الصهيونية وتشريعها لأشكال التعذيب الفظيعة في السجون، كإجازتها للهز البدني، والشبح لساعات طويلة تؤدي الى الشلل الذي ثبت أنه يتسبب بمضاعفات عقلية ونفسية قد لا يمكن الشفاء منها، ولعل ما حدث للمعتقلين ميسرة ابوحمدية، وحسن الترابي، بل وعشرات من أمثالهم ممن يعانون من أمراض مزمنة لم يقدم لهم أي علاج، وممن أفرج عنهم فقط ليلة موتهم، وغيرهم ممن لم ينهوا مدد محكومياتهم إلا وقد أصابهم مرض السرطان، وكذلك ممارسات إدارات السجون في التعذيب والتعرية، وعدم استجابتها للمضربين عن الطعام حتى الإشراف على الموت، وحرمان الأهالي من زيارة أبنائهم، والتمييز العنصري في المعاملة عموما، بين السجين الاسرائيلي والفلسطيني، ومصادرة كل ما استطاع الأسرى تحقيقه، من كتاب وصحيفة، وزيارة ..الخ، وليس انتهاء بنبش مقابر المسلمين وتدنيسها في ‘مأمن الله’ (كمثال)، وبناء متحف على أنقاضها. ولا ننسى ما يحدث للأقصى الجريح من انتهاكات وأعمال تدنيس يومية، وتقديم مشروع قانون للسماح لليهود بالصلاة فيه، والحفريات أسفله التي تهدد وجوده وبناءه القائم، وكل ما تحدثه آلة الفتك العنصرية يوميا من تغييرات في خريطة القدس، حجرا وبشرا، مثلما تعيث في سائر أرض الضفة فسادا مماثلا يستهدف وجود الفلسطيني أرضا وشعبا. هل ننسى تقرير ‘غولدستون’ وغيره من عشرات القرارات التي تصدر سنويا عن الأمم المتحدة، وكلها تحمل إدانات لممارسات كيان الاحتلال العنصري؟ هل ننسى استطلاعات الرأي الأوروبية (ذاتها) التي بينت أن الكيان الصهيوني هو أكبر تهديد للسلم العالمي؟ هذا غيض من فيض، ولو سمح المقال لعرضنا أكثر مما هو في الحال. وفي الختام نسأل ألهذا تم إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 لعام 1975، القاضي باعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية، الى حيز التطبيق من جديد؟ إن العالم اليوم في ذكرى التضامن مع الشعب الفلسطيني مطالب بأن يدقق النظر في ما يجري بفلسطين، وأن يعمل لرفع الظلم التاريخي عنه. وعلى الأمة العربية ـ الاسلامية أن تعمل بكل طاقاتها لجعل عام 2014، عام فلسطين، فلسطين حرة، خالية من العنصرية، فهل يعمل العرب في هذه الفرصة المتاحة؟ وعلى القيادة الفلسطينية ان تغادر خيار المفاوضات مع هذا العدو العنصري الى الأبد، أو أن تغادرنا معه، هي والجامعة العربية، ومنظمة التعاون الاسلامي، وكل ما ليس له لزوم من أسماء ومسميات، قد عافتها شعوبنا.