الرباط ـ المغرب ـ هشام بنشاوي: اعتاد ‘السبكية’ أن يكفروا عن سيئاتهم السينمائية، من حين لآخر.. بتقديم سينما حقيقية، تحقق نجاحا جماهيريا وفنيا، مثل فيلمي: ‘الفرح’ و’كباريه’.
وفي ‘ساعة ونص’ يتوسل السيناريست أحمد عبد الله بنفس التقنية الفنية، التي استخدمها في الفيلمين السابقين، حيث يحتشد نخبة من النجوم في حيز زمكاني واحد، من خلال مجموعة من الخطوط الدرامية المتشابكة، مستغلا حادثة قطار الصعيد، مسلطا الأضواء على عاهات مجتمع مأزوم، تتواطأ والفساد الحكومي، والتخلف والبؤس والمرض، والتمسك بالتقاليد البالية.. من خلال حكايا عدة شخوص تركب نفس القطار فتلقى نفس المصير المأساوي، حيث سينقلب بعد أن قام اللصوص ‘محمد إمام، أحمد فلوكس’ وأعوانهما بسرقة قضبان السكة الحديدية، ولم يتمكن حارس المحطة ‘أحمد بدير’ من تنبيه سائق القطار، لأنه كان مشغولا بمأساته الشخصية، وسائق القطار بدوره كان غارقا في تعنيف ابنته عبر الهاتف الجوال..
أمومة مصر… الملتاعة
أتاحت هذه الحكايا المتوازية الاستمتاع بمباريات تمثيلية بين نجوم الفيلم، وكان بعضهم دون المستوى المعهود، بينما هناك من استطاع أن يتحدى المساحة الضيقة للدور، ففجر كل طاقاته التعبيرية، وكانت درة العقد الفنانة القديرة ‘كريمة مختار’، التي قدمت أروع مشهد أمومي في السينما المصرية؛ حيث جسدت دور الأم/ الضحية، ولن نجانب الصواب إن اعتبرناها رمزا للوطن/ مصر، إذ يحس المشاهد بلوعة تلك الأم التي تجد العذر لابنها الجاحد، رغم أن هذا الأخير ترك معها ورقة مكتوب عليها يوصي فيها من يجد والدته أن يودعها في دار للمسنين، فتعتقد أنه يقصد أن تذهب إلى هناك للحصول على دواء السكري، الذي لا تملك ثمن شرائه، بل تبكي وتلوم نفسها خشية أن تكون أغضبت ابنها، وأثقلت عليه…
بينما نحس أن أمومة ‘سوسن بدر’ كانت مفتعلة، كتلك المساحيق التي تعلو وجه سيدة أربعينية متصابية، ومثلها بدت الابنة ‘آيتن عامر’، بخلاف الأردني ‘إياد نصار’، الذي برهن على أنه ممثل قدير.. يسرق إعجابنا بأدائه العفوي، والذي تفوق على كل أبناء النجوم الكبار في ‘ساعة ونص’، بل سرق الأضواء من ممثل متميز كـ’أحمد عزمي’، الذي جسد دور زميل دراسة، وهو يقدم دور خريج كلية آداب، يساري سابق، لم تؤهله شهادته الجامعية سوى لبيع كتب رسائل الحب على متن القطار، ومع ذلك فهو متصالح مع ذاته.
وكذلك بدت أمومة ‘هالة فاخر’، والتي جسدت دور أم لشاب مريض نفسيا بسبب فشله الدراسي، كانت أمومتها جد باهتة وفاترة، بل ومغالية في تباكيها الميلودرامي، ويكاد يتساءل المشاهد ما محل تواجدها في الحبكة الدرامية من الإعراب؟ أيضا، لم تقنعنا ‘رجاء الجداوي’ بأمومتها، والتي أدت دور والدة ‘ أحمد الفيشاوي’.
مشاهد لا تنسى
برع ‘أحمد السعدني’ في تشخيص دور بائع شاي للفقراء، يحلم بأن يترك طفله الصغير ليتعلم بعيداً عنه، لكن الطفل لا يحب المدرسة، ونجح الأب في الأخير في أن يرسم الخطوة الأولى لكي يستقل بحياته بعيدا عنه، بعدما فصل عربة الابن عن باقي عربات القطار، ليكون آخر أمل للوطن، بعد هلاك كل الركاب.. فكان ذلك أجمل مشاهد الفيلم، حيث النظرة الكسيرة وتعابير الوجه الحائرة للصغير، بعد انفصال عربته، وقبيل انفجار القطار، وكأن الكاتب يرسم حال مصر الآن، وقد ترجمته بشاعرية شفيفة موسيقى ياسر عبد الرحمان.
من المشاهد اللافتة أيضا تلك المباراة بين ‘كريم محمود عبد العزيز’ و’محمد رمضان’ اللذين جسدا ببراعة دور الشباب الضائع، اللذان سافرا إلى ليبيا بعدما باعت الأسرة ما تملك من أرض، لكن في رحلة العودة يسرق مالهما، ويتمنى ‘كريم م. عبد العزيز’ ألا يصل القطار حتى لا يقابل والديه اللذين ينتظران، حتى يتسنى لهما تزويج أخواته. لكنه يلقى حتفه بعد نوبة أزمة كلى، وحين هم الصديق بحمل جثمان صديقه، وهو ينطق الشهادتين لاح وشم الصليب على الرسغ..
‘ماجد الكدواني’ قدم ببراعة دور عسكري من درجة ‘صول’ يلقي القبض على الشاب ‘أحمد الفيشاوي’ العائد من السويد، المتهم بارتكاب فعل فاضح في الطريق العام، (وقد جاء أداء ‘الفيشاوي’ مفتعلا، كالعادة). وقد قدم الكدواني شخصيته بلا اسم، كأنما يجسد أزمة كل شاب مهموم بعنوسة أخته، إذ يحمل صورتها، ويتمنى أن يلتقي بعريس، حتى لو كان أحد المتهمين، الذين يلقي عليهم القبض عليهم، ويفك قيد ‘أحمد الفيشاوي’ على أمل أن يكون العريس الموعود.
‘فتحى عبد الوهاب’ تحدى المساحة الزمنية الضيقة، وجسد دور زوج صعيدي جاهل، أحبّ ابنة عمه ‘يسرا اللوزي’، باع أرضه ليفتح لها عيادة بعد أن أصبحت طبيبة، وأصبح يعمل معها، ويشعر أمامها بالنقص، ويرفض بعنف أن تسافر في منحة دراسية إلى الخارج لمدة ستة أشهر. لقد استطاع بنظرة عينيه أن يتفوق على كل أقرانه الشباب في الفيلم، حين رأى السعادة في عيون ركاب القطار، بعد أن أنقذت زوجته ‘سوسن بدر’.
*النجومية لا تورث :
هناك من تطرق من النقاد إلى قضية التوريث الفني، ولعلها كانت مقصودة من المنتج أحمد السبكي، الذي جعل ابنه مشرفا على الإنتاج، لكن أبناء النجوم لن يكونوا نجوما مثل آبائهم، ولن يستطيعوا محو تلك الصورة المنطبعة في الذاكرة، فمن يشاهد كريم محمود عبد العزيز ومحمد عادل إمام، سيجد نفسه في حيص بيص إزاء تلك الصورة الباهرة للأب النجم، بخلاف أحمد فلوكس الذي جسد دورا مميزا، فرغم أنه اشترك في سرقة قضبان السكة الحديدية، سيحاول إنقاذ ركاب القطار بتنبيه السائق لكن دون جدوى.. بل تفوق على كل أبناء النجوم، رغم أنه ابن لممثل لا يكتب اسمه على ‘أفيشات ‘الأفلام، وفي التترات يكتب اسم أبيه فاروق فلوكس بخط لا يثير انتباه أي أحد.
كنز القناعة
في نهاية الفيلم وبدايته، يتكرر مشهد عملية طحن الفول، وقلي الأقراص، وسيدة مصرية تأكل بنهم ‘سندويش الطعمية’، في إشارة بليغة إلى قناعة المصريين ورضاهم، وهذا ما جعل ‘ساعة ونص’ أنشودة سينمائية تحتفي بالبسطاء. إنه مرثية مؤثرة لمصر ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير وما بعدها… أيضا.