د. يوسف نور عوض احتفلت الولايات المتحدة بالذكري الخامسة لهجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وقد شاركت معظم دول العالم في هذه الإحتفالات، وكانت الاحتفالات العربية ظاهرة علي نحو خاص علي الرغم من المواقف الأمريكية المعادية للعالمين العربي والإسلامي في أعقاب تلك الاعتداءات. وفي الحقيقة لم تكن المواقف العربية مجاملة أو قائمة علي الرياء فمنذ اللحظات الأولي التي وقعت فيها الاعتداءات كانت المواقف العربية الشعبية والرسمية واضحة وهي في معظمها متعاطفة مع أسر الضحايا وشاجبة للاعتداءات ولكن المواقف العربية لم تقابلها مواقف أمريكية مماثلة. ذلك أنه منذ اللحظات الأولي وجه الرئيس الأمريكي جورج بوش أصابع الاتهام إلي العالم الإسلامي وأعلن أنه سيخوض حربا صليبية في مواجهة الذين قاموا بتلك الاعتداءات وأثبتت الأيام أنه لم يكن يعني الفئة التي ارتكبت تلك الأعمال بل عالما بكامله يزيد عدد سكانه عن المليار نسمة ولا شك أن الكلمة التي استخدمها الرئيس بوش وهي كلمة CRUSADE لها دلالات كثيرة وقد تعني المواجهة بشكل عام ولكن نتائج أعمال الرئيس جورج بوش تدل علي غير ذلك.
وعلي الرغم من أن تنظيم القاعدة قد أعلن مسؤوليته عن ذلك الهجوم فقد كنا نتوقع من دولة كبيرة كالولايات المتحدة أن تتبع أسلوب البحث والاستقصاء ولكنها حتي بعد مرور خمسة أعوام علي تلك الاعتداءات لم تفتح تحقيقا تقليديا يفتح عادة في مثل هذه المناسبات وبدأت في التصرف من منطلقات سياسية تثير كثيرا من الشكوك ليس في العالم الإسلامي وحده بل في داخل الولايات المتحدة ذاتها حيث بدأ الكثيرون يتساءلون ما إذا كانت الإدارة تتعامل مع تلك الحادثة من منطلقات الأمن القومي أم من منطلقات سياسية واقتناعات تؤمن بها الجماعة التي تسيطر علي مقاليد الحكم في أكبر دولة في العالم، ومن واجبنا أن نتوقف هنا عند الأمور التي تهمنا في العالم العربي. ونلحظ في البداية أن الولايات المتحدة شنت حربا شاملة علي أفغانستان وأسقطت نظام طالبان وذريعتها في ذلك أن نظام طالبان هو الذي يوفر الغطاء لتنظيم القاعدة وقالت في مقابل ذلك إنها تريد أن تقيم نظاما ديمقراطيا في البلاد ونجحت واشنطن في إقامة نظام موال لها ولكنها لم تستطع أن تحقق الأمن أو الديمقراطية في أفغانستان التي ما زالت تعاني من غيابهما بل إن الحرب في داخلها والمواجهة مع القوات الأمريكية لم تنته أيضا ولا يصدق أحد أنه بالإمكان إقامة نظام ديمقراطي في بلد كأفغانستان في ظل ظروفه الحالية.
وكان التوجه الثاني نحو العراق، وبدا الأمر غريبا لأن نظام صدام حسين لم يكن من الأنظمة المعادية للولايات المتحدة في المنطقة وهو قد تعاون معها في شن حرب علي إيران كما تدخل في الكويت بضوء أخضر منها ولكن الولايات المتحدة تذرعت بأن هدفها من الحرب هو القضاء علي البرنامج النووي العراقي وقد دلت جميع التقارير التي قدمتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن العراق لم يكن يملك برنامجا لإنتاج سلاح نووي بل دلت حربه مع الولايات المتحدة علي أنه لم يكن أيضا يملك جيشا لأننا لا نعرف أن العراق واجه الولايات المتحدة بأي قوات مسلحة، ولما وجدت الولايات المتحدة نفسها في هذا المأزق قالت إنها شنت الحرب بسبب تعاون صدام حسين مع تنظيم القاعدة ولكن الدلائل كلها في آخر الأمر دلت علي أن صدام حسين لم يكن يقيم أي علاقة مع تنظيم القاعدة بل هو كان يخشي هذا التنظيم وعندما سقطت هذه الحجة تذرعت الولايات المتحدة بأن سبب حربها في العراق هو أنها أرادت أن تسقط نظاما دكتاتوريا وتقيم مكانه نظاما ديمقراطيا يكون أنموذجا يحتذي في المنطقة. ويتعجب الناس من سذاجة هذا الهدف لأنه حتي لوكان ذلك غرض الولايات المتحدة الحقيقي فإن اختيار العراق لتحقيق هذا الهدف لم يكن موفقا بسبب الاختلافات العرقية والطائفية والمذهبية في العراق وهي اختلافات ليست جديدة وإنما تاريخية جعلت الكثيرين من الذين حكموا العراق يؤمنون بأنهم يواجهون مهمة قاسية في تحقيق الوحدة في هذا البلد، وعلي الرغم من أن الرئيس بوش يتغني بما تحقق في العراق من ديمقراطية فنحن نري في العراق بلدا ممزقا والولايات المتحدة مسؤولة عن مقتل أكثر من مئتي ألف من مواطنيه وانعدام حالة الأمن في طول البلاد وعرضها وبدلا من أن نري بلدا ينعم بالديمقراطية نري بلدا يواجه خطر التقسيم والتمزق. وهو تقسيم إذا حدث فلن يتم في هدوء خاصة في المناطق الكردية لأننا نعلم أن المسألة الكردية لا تقتصر علي العراق وحده وهي تهم بلادا أخري مثل سورية وتركيا وإيران ولا نريد أن نحدد موقفا في ما يجب أن يكون ولكننا ننبه إلي احتمالات تفاقم الموقف بدرجة تعرض أمن المنطقة كلها للخطر.
ولا تتوقف المواجهة الأمريكية التي تستغل أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عند هذا الحد بل رأينا الولايات المتحدة تفتح الملف الإيراني وتهدد طهران تارة بالعقوبات و أخري بالمواجهة العسكرية، وإذا حللنا الموقف وجدنا أن الولايات المتحدة تكرر نفس الأخطاء التي ترتكبها في دعمها لإسرائيل ضد المصالح الفلسطينية المشروعة، ذلك أنها تري أن امتلاك إيران لسلاح نووي يهدد إسرائيل كما يهدد مصالحها في المنطقة ولكن إيران أعلنت بوضوح أن برنامجها النووي لا يستهدف صنع سلاح نووي بل هو موجه نحو الأغراض السلمية ولكن الولايات المتحدة لا تقتنع بهذا المنطق كما لا تقتنع بمنطق أن تكون منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية والمقصود بذلك هو ألا تمتلك إسرائيل سلاحا نوويا إذ ما الذي يضمن للدول العربية أو غيرها أن إسرائيل لن تستخدم هذا السلاح ضدها والدلائل كلها تشير إلي أن إسرائيل تتبع سياسة عسكرية قاسية في مواجهة خصومها في المنطقة بل لديها نظرية عسكرية معروفة وهي الخيار شمشون الذي يعني استخدام السلاح النووي إذا كان هو الخيار الوحيد المتاح لها، فما الذي يجعل الولايات المتحدة تظن أن إيران أو دول العالم العربي ستتوقف عن محاولة إنتاج السلاح النووي؟ وما الذي يجعل الولايات المتحدة تعتقد أنه لن يأتي يوم تستطيع فيه هذه الدول أن تتجاوز كل وسائل الحظر الأمريكية وتمتلك هذا السلاح؟
ونري أن الولايات المتحدة مستمرة في ارتكاب أخطائها في المنطقة وأخرها تآمرها مع إسرائيل في الاعتداء علي لبنان وهو الاعتداء الذي لقن تل أبيب درسا قاسيا وقلب الموازين كلها وإذا كانت المواجهة مع حزب الله هي جزء من المواجهة مع سورية فإننا نري أن الولايات المتحدة تخطط بالفعل لمواجهة عسكرية مع سورية وإذا دل ذلك علي شيء فإنه يدل علي أن السياسة الأمريكية التي تحركها دوافع إسرائيلية تفتقر إلي المنطق العقلاني، ذلك أنه إذا نظرنا إلي طبيعة العلاقات بين العالم العربي والولايات المتحدة وجدنا أن الأمر كله لا يستدعي مثل هذه المواقف التي تتخذها الولايات المتحدة في مناهضة هذا العالم، ذلك أنه علي المستوي الشعبي فإن هناك تقديرا حقيقيا للمنجزات الأمريكية وهي المنجزات التي جعلت الولايات المتحدة أقوي دولة في العالم، وعلي المستوي الرسمي فإننا نري معظم الدول العربية تتخذ سياسات مهادنة مع الولايات المتحدة بل إن بعض الدول العربية ومنها الدول النفطية تتخذ سياسات ضد مصالح شعوبها بالتحكم في أسعار النفط وشراء أسلحة لا حاجة لها بها والاستثمار في الولايات المتحدة علي الرغم من الخطورة ووجود فرص أفضل في أماكن أخري، وعلي الرغم من كل ذلك فإن الولايات المتحدة تتخذ مواقف معادية ضد العالم العربي، ولا نريد أن نذهب إلي أن الصراع يقوم علي أسس دينية أو عقدية لأن إقحام الجانب الديني هو جزء من اللعبة السياسية التي ينفذها اليمين المتطرف لصالح إسرائيل دون أن يفكر في أن مصلحة إسرائيل ذاتها تكمن في تغيير السياسة الأمريكية بشكل كامل ذلك أننا رأينا خلال سنين الحرب الباردة أن الثقافة التي كانت سائدة في العالم العربي هي ثقافة القضاء علي إسرائيل وإزالتها من الوجود ولكن هذه السياسة بدأت في التغير بعد الحرب الباردة ورأينا منظمة التحرير الفلسطينية تعترف بإسرائيل ولكن بدلا من أن تلتقط إسرائيل الخيط وتحاول أن تؤسس لنفسها واقعا جديدا وجدنا أنها تتجه نحو استغلال حالة الضعف العربي إلي النهاية ومحاولة تحقيق مكاسب أكبر مما كانت تطمح إليه، وذلك خطأ استراتيجي يتمثل في موقفها من حركة فتح والرئيس الراحل عرفات ويتمثل الآن في موقفها من حركة حماس واعتقادها أن مجرد انتزاع موافقات علي واقع تريده من الفلسطينيين ينهي النزاع بينها وبينهم وذلك وهم لان القضية الفلسطينية لا تحل إلا بالعدل الشامل وهو إقامة الدولة الفلسطينية وإعادة اللاجئين، وبدون ذلك يمكن أن تكون هناك حلول ولكنها ذات طبيعة مؤقتة سرعان ما تثبت الأيام أنها لن تنهي الصراع ولكنها ستؤجله إلي فترة من الوقت، وبالتالي فإننا لا نري منطقا أو عدلا في أن تحاول الولايات المتحدة إيجاد الذرائع من أجل الاستمرار في سياسة مخطئة سوف تثبت الأيام أنها لن تحقق الأهداف الإسرائيلية ولن تحقق فائدة للولايات المتحدة بل ستقحمها في مشاكل هي في غني عنها خاصة أن هناك الكثير من دول العالم بدأت تدرك أن الولايات تحصل علي امتياز لا تستحقه وأهم هذه الإمتيازات احتكارها لأهم عملة في العالم وهي الدولار الذي تستطيع أن تطبع منه ما تشاء لتشتري إنتاج العالم دون أن يكون لديها ما تقدمه لهذا العالم سوي الأسلحة ووسائل الدمار. كاتب من السودان9