كل كفاف خادع
عناية جابركل كفاف خادعيجب ان اشرح فكرتي بحذر وروية، لكني املك هذه المساحة الصغيرة فحسب. علي كل حال، تدهشني السرعة التي يستجيب بها العالم لمطالبنا هنا في لبنان. الكل يريد مساعدتنا. كل ما نريده نحصل عليه في فترة قياسية مذهلة. يغص لبنان حاليا بالمال والرجال. الألمان والاسبان واليونان والفرنسيين والمسلمين. السمر والشقر والبين بين. الجنود الاجانب أعني. أمر محير وعجيب. يتدافع العالم علي رفع الضيم عنا. منهم من يبني مدنا بأمها وأبوها، ومنهم من يتبرع بالكهرباء. ارفعوا الحصار الجوي. يرفعون الحصار الجوي. ارفعوا البحري ايضا. يرفعونه. والبري! مرفوع من زمان. طيب.. هاتوا الدنانير الذهبية والأموال والمساعدات، واعيدوا بناء البيوت التي هدمت، والمدارس التي دُكت، واماكن العبادة التي انتهكت، والجسور التي تشقفت. ازيلوا الدمار والخراب وهاتوا الخرائط التي تدلنا علي القنابل العنقودية التي زرعتوها، وردوا لنا مزارعنا المحتلة، وأسرانا عندكم منذ اجيال. ارسلوا الشيكات وحولوا التحويلات لمدارسنا وطلابنا، وذويهم وذوي ذويهم. كل ما نأمر به مجاب ومطاع كما لو مارد القمم قد استفاق للتو، وما من عمل له سوي تنفيذ اوامرنا والطيران كالمكوك لتلبية طلباتنا.عجيب فعلا: لو طلب لبنان الان لبن العصفور، لما رده العالم خائبا. هل هي اسبقية الحب علي الاخلاق! هل بكل الحب والغبطة والتلقائية، سعي الأمم كافة في تضميد جروحنا وجراح بلدنا؟ بديهي من وجهة نظري الشخصية ان يكون السعي بفعل الحب هو القيمة الأسمي.الحب روح الاناجيل كما برع القديس اغسطينس في اختصاره بقوله: احب، وافعل ما يحلو لك . غير اني غير واثقة ان يكون الحب، محرك هذه الهمة العالمية. اشك في الامر، وقلبي ناقزني من هذا الحدب العميم. ما يتصف بالقيمة الاسمي في نظر العالم وهو اغداق العطايا الكبيرة علي لبنان الصغير ليس علي الاطلاق ما يتسم بالقيمة الاسمي لدي. لا لان حياتنا العربية منذورة علي الدوام للشقاء والدراما، بل لأنها تواجهنا بتناقضاتها (مأساة فلسطين عموما، وما يتعرض له أهليها من حجز رواتبهم، وبالتالي جوعهم تحديدا) التي لا يسعني فهمها او تخطيها. مأساة فلسطينية من دون غفران. ما من تجاوز في ذهني لمفهوم العطاء للبنانيين، من دون التوافق النهائي والانساني علي سد رمق الفلسطينيين في تخبطهم المعيشي، وتركهم الي وجعهم المستديم ومأساتهم الوافية. هل السبب حماس ؟ اجل، بمعني ما. ماذا بشأن حزب الله عندنا وما الذي يجري بحق الملائكة؟ هل يحضرون لنا شيئا كبيرا؟ كبيرا جدا؟ وهل الشيء الكبير جدا، جيد ام سيئ؟من شأن هذه الاسئلة ان تتراوح شكلا ومقدارا بحسب سائلها. فهي ليست نفسها في هذه الجماعة او تلك من الجماعات اللبنانية. علي الاقل، بحسب حجم هذه الجماعة او تلك، وبحسب تطلعاتها تترجح جاذبية هذه المساعدات القصوي والسريعة عند هذه الطائفة، دون الطائفة الاخري. لكنها في مطلق الاحوال لا تفقد تأثيرها.الابتسامات تعلو الوجوه هنا، المنكوبة وغير المنكوبة، والوعد بمستقبل مشرق باد علي محيا الجميع، فما الذي يجري تحديدا؟ علي كل حال، وكمواطنة متفائلة، ليس في المساعدات التي تصلنا ما يخالف طبيعة العلاقات الودية بين الامم، ونحن امة لنا شأننا ووزننا وصداقاتنا وصيتنا الترفيهي والثقافي والاشعاعي والاقتصادي والسياحي والعلائقي وسوي ذلك الكثير. العكس هو الصحيح. اذ اميل بعد هذه الحرب المدمرة، والتي استدرت شفقة الحجر قبل البشر، الي اخذ موضوع هذه المساعدات ببراءة، والي اعتــــبارها حقا مشروعا لنا، والي ايثار الاولويات لصالحنا كبلد منكوب ببــناه التحتية والفوقية وما بينهما، من دون كثير اسئلة وتفلسف كما افعل الان في هذه السطور. ما افعله مثلا، هو الانتباه الي دواخلي، وعلي اقل تقدير، ممارسة قدرتي علي تخطي البهجة بهدايا بابا نويل العالمي، والنُعمي التي تغدق علينا، الي ما يشبه التردي في السياسة، والوقــــوع من ملكوت الحب الي ربقة الظنون، والتفكير هبوطا في هذا الحنان الهابط علينا فيما البعض يظنه صعودا.نُعمي تكاد تعمي ابصارنا عما يدور في الخفاء والعلن. ونُعمي تنطوي علي قدر مريب من المبالغة، بما لا يُجيز لي قلبي، ولا عقلي تبنيها بحرفيتها من دون مساءلة، اذ ينقصني بدوري الحب والوضوح والجرأة الي الآخرين، وبالتالي تنزيههم عن غايات ومآرب.كل كفاف خادع، فما الذي يريده العالم منا، العربي والغربي بيونيفيله وأمواله ومساعداته.0