عاد الحديث بقوة في تونس في اليومين الماضيين عن الازلام، المقصودون بذلك هم فلول وبقايا النظام المتهاوي للرئيس المخلوع بن علي، الذين خرجوا في الاشهر الاخيرة من مخابئهم ليتصدروا شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد، عارضين خبراتهم ومساعيهم لفك شيفرة الازمة السياسية التي تعصف بالبلد. اما المناسبة فكانت اصدار دائرة الاعلام برئاسة الجمهورية ما سمي بالكتاب الاسود لمنظومة الدعاية تحت حكم بن علي، الذي تم الاعلان عنه على شاشة قناة تلفزيونية خاصة. تفاصيل الكتاب ليست حتى الان في متناول الكثيرين، فالكتاب لم يوزع سوى على نطاق محدود رغم تسريب مقتطفات منه على شبكات التواصل الاجتماعي، اما الضجة التي احدثها ففاقت التوقعات. نقابة الصحافيين من جانبها سارعت على الفور الى اصدار بيان شديد اللهجة عبرت فيه عن خشيتها من امكان استعمال المعطيات الواردة بالكتاب لغاية ما وصفته ‘بتصفية الحسابات’، فيما هدد بعض الصحافيين الذين وردت اسماؤهم ضمن قائمة المطبلين باللجوء الى القضاء. اما الاصوات القليلة التي رحبت فتلاشت وسط سيل جارف من الانتقادات الحادة التي قابل بها معظم المنتسبين لصاحبة الجلالة خطوة وصفوها بالعدائية من جانب الرئاسة. المفارقة هنا هي ان نفس نقابة الصحافيين كانت حتى عهد قريب توجه اتهاماتها للحكومة بالتقاعس في كشف القائمة السوداء للصحافيين المتورطين في الدعاية لنظام المخلوع، فيما كانت السلطات تتفادى فتح الملف وتحاول ارسال اشارات متتالية على انه ليس ضمن جدول اولوياتها في هذه المرحلة على الاقل، بل ان وزير الداخلية في حكومة الترويكا الاولى صرح للصحافيين في تشرين الاول/اكتوبر 2012 على هامش جلسة مساءلة في المجلس التأسيسي بأنه لا يملك قائمة سوداء للصحافيين، وان المسألة تهم الامن القومي وعلى غاية من الخطورة. لا يخرج الامر في ظل المخاطر والتقلبات التي يمر بها الانتقال الديمقراطي في تونس عن احتمالين اثنين: الاول ان يكون الحدث مجرد مناورة ذكية محسوبة الاخراج والتوقيت، اراد بها الرئيس المرزوقي خلط الاوراق واحراج حليفه الاكبر حركة النهضة، في ظل ما يتردد، من حين الى اخر،عن وجود صفقة تطبخ على نار هادئة للوصول الى صيغة تفضي الى نوع من تقاسم السلطة بينها وبين الفلول، مما قد يعقد في حال حصوله وضع الرئيس ويجعله على المحك وينسف بالتالي حظوظه في ولاية جديدة بعد الانتخابات المفترضة او حتى قبلها. ومتى صح ذلك فهو يعني ايضا ان ملف الفلول الشائك والمعقد لن يذهب نحو ما هو ابعد، اي الى طور محاسبة بات الحديث عنها يتضاءل باستمرار وسط ارتفاع اصوات المنادين بالوفاق الوطني، والجمود الحاصل في قانون العدالة الانتقالية الذي بقي مركونا منذ اشهر طويلة على رفوف المجلس التأسيسي وليس باستطاعة احد حتى الان ان يعرف متى سيتم عرضه على التصويت. الخطورة في ان يظل الامر مقتصرا على مجرد التشهير بصحافيين او اعلاميين او كتاب عملوا ضمن منظومة الفساد، من دون اتخاذ اجراءات قضائية او ادارية بحق المتورطين منهم، سوف يقدمهم كضحايا جدد لتصفية حسابات، كما ورد في بيان نقابة الصحافيين، وعلى ان كل ما يحدث بحقهم هو مجرد نزوة عابرة قادت السلطات الحاكمة حاليا للانتقام من خصومها، من دون ان تلتفت الى معايير العدالة والانصاف، او تكون غايتها من وراء كل ذلك هي الاصلاح. في مثل هذه الفرضية الاولى يتحول ما يبدو للوهلة الاولى قصفا ثوريا باهرا الى نيران صديقة قد تأتي على الثورة وتصيبها في مقتل، بسبب سوء الاستخدام او الاختيار الخاطئ لارض المعركة وتوقيتها. اما الاحتمال الثاني لما يمكن ان يكون وراء الظهور المفاجئ للكتاب الاسود الان، فهو الرغبة المتأخرة في وضع حد للهجمة المضادة للفلول وكشف جزء من تاريخ مأساوي مظلم تجري عليه عمليات تجميل فائقة الدقة لطمس ما علق به من قبح وفساد، واعادة تقديمه في ثوب المنقذ الوحيد للبلد مما تردى اليه من صعوبات ظرفية. العملية بهذا المعنى تشبه الى حد كبير محاولة فتح عش للدبابير، من دون اخذ التحوطات الضرورية او من دون القدرة الفعلية على اختراقه بالكامل، لان مجرد معرفة اسماء بعض الضالعين في منظومة الاستبداد لا تكفي لتفكيكها او القضاء عليها. والصعوبة التي تقف حائلا دون ذلك هي تشعب تلك المنظومة وتداخلها بشكل تام مع هياكل الدولة الى حد ان محاولة استئصالها النهائي وبشكل غير مدروس قد يهدد وحدة البلد ويضعه امام مخاطر اضافية خطيرة. لقد طالب الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضةن اكبر احزاب الائتلاف الحاكم، في وقت سابق كل من تورط مع نظام الاستبداد بان يعتذر للشعب، لكن قليلين هم من فعلوا ذلك، بل ان الوزير الاول السابق في عهد بن علي حامد القروي عاد للظهور مرة اخرى وطالب انصار حزب التجمع المنحل بان يرفعوا رؤوسهم ويفخروا بانجازاتهم. والواضح من كل ما يجري اليوم في تونس ان البلاد تحتاج ليس فقط الى كتاب اسود للاستبداد، بل ايضا الى قراء جيدين للكتاب والتاريخ والمستقبل. وهؤلاء فقط سيثبتون ان كان ما حصل يعد خطوة على الطريق الصحيح ام في الاتجاه المعاكس.