‘القدس العربي’ ـ المحرر الثقافي: تبقى فكرتنا عن مصر ناقصة بدون أشعار الراحل الكبير أحمد فؤاد نجم، الذي لانبالغ لو قلنا ان المرء بحضور ‘نجم’ يشعر كما لو انه موجود في مكانين في الوقت نفسه، المكان الأول الذي صورته قصائده المتمرده حيث نقلت مصر الى أرجاء العالم العربي، والمكان الثاني حيث حكايتنا الاولى.
أحمد فؤاد نجم او كما يسمى ‘الفاجومي’ هو ابن اللحظة الثورية وملهمها، انتقد عبدالناصر والسادات ومبارك والاخوان وهاجم حزب الله اللبناني بعد تورطه في النزاع السوري. نزل الى ميدان التحرير، وتظاهر مع المتظاهرين، وانتخب محمد مرسي ثم ندم على انتخابه. كانت أخر كلماته لابنته نوارة وصديقه التاريخي محمد هاشم ‘خلي بالك من الميدان’.
تستعرض ‘القدس العربي’ في عددها اليوم شهادات عدد من الشعراء والأدباء العرب.
احمد مات
قاسم حداد ‘
(احمد مات،
لكي نتذكر انه كان حيا،
وهو من بين شعراء العرب في مصر، الذين منحوا شعر العامية في مصر روح ونكهة حلم التحرر العربي بامتياز، حيوية شعره جعلت القاريء ، فيما يقرا قصائده ، لا يكاد يتوقف لدى طبيعة اللهجة ولا جنسية الشاعر، ليس فقط للعلاقة التاريخية الاجتماعية العربية مع عامية مصر، ولكن خصوصا لان احمد فؤاد نجم كان يصدر عن واقعية الضمير العربي في الكتابة المصرية. هذه واحدة من العبقريات الحضارية التي كلما تمكن، او حاول، شاعر مثل نجم ان ينجزها في نصوصه، جاءت الإخفاقات السياسية والاجتهادات الخائبة لتخريبها او فتح العمل لانحساراتها، وها نحن نريد تفادي الخضوع لحسرتنا لفقد كبير مثل … نجم.
اخر خبر في الراديوهات)
‘ شاعر بحريني
في غياب نجم الشعر
د. عبد العزيز المقالح ‘
برحيل الشاعر الكبير احمد فؤاد نجم تفقد الامة العربية كلها، وليس مصر البهية وحدها، اشجع شعرائها على الاطلاق، ويغيب بغيابه نجم من ألمع نجوم النضال بالكلمة الصادقة المخلصة، المغموسة بدم القلب.
ويكفي انه صاحب الصرخة التي اطلقها بعد اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة، وهي الصرخة التي استقرت في الضمائر، واعني بها ‘رجعت سينا ضاعت مصر’.
كانت قصائده القريبة من المشاعر، والتي تستقبلها الخاصة والعامة على درجة من الاعجاب والتفاعل تشكل نوعا من البيانات الوطنية الثورية التي تعكس مشاعر المواطنين، وتكشف بوضوح وشفافية عن احزانهم وآلامهم وتطلعهم لمستقبل جديد.
ويسعدني انني تعرفت عليه عند بداية ظهوره وانطلاق كلماته، كما حضرت عددا من الجلسات التي كانت تجمعه مع الفنان العظيم الشيخ إمام، وتابعت عن قرب كيف كان هذا الثنائي يثير قلق النظام وعصاباته، ويدفع به ـ في محاولات متلاحقة الى اسكات هذا الثنائي ـ بالسجن تارة والتهديد والتخويف تارة اخرى.
واللافت ان هذا الشاعر الكبير لم تكن كل الاجراءات التي تتخذها اجهزة القمع تزيده الا اصرارا وثباتا.
وما يستحق الاشارة اليه في هذه التحية ان احمد فؤاد نجم استطاع ان يقارب بلغته الشعرية بين العامية والفصحى وان يجسد في قصائده ما سماها بعض النقاد باللغة الوسطى، التي تحظى باهتمام المثقفين وعامة الناس على حد سواء.
عزاؤنا لمصر اولا، وللأمة العربية ثانيا، وللشعر نبض الجماهير ثالثا.
‘ شاعر يمني
الاستثناء
شوقي بغدادي’
احمد فؤاد نجم هو امتداد لبيرم التونسي ولفؤاد حداد ولصلاح جاهين، لكن في منحى اكثر شعبية ولذلك شكل مع الشيخ إمام في الستينات ظاهرة ثنائية نادرة في اختيار الكلمات الشعرية المناسبة للوضع السياسي مع الحان شعبية يسهل حفظها وهذا ما جعل منزل الشيخ إمام في تلك الفترة محجا لكل المثقفين والفنانين العرب الذي كانوا في ضيق من الانظمة السائدة في تلك الفترة.
لذلك يذكرني موت أحمد فؤاد نجم بواجبات كل فنان ومثقف ان لا يبتعد عن شعبه وعن نبض الشارع الحي في بلده تحت اي ذريعة كانت سواء باسم الحداثة او باسم الجمال الفني، لذلك انا حزين على نجم ،لانه برحيل هذا الشاعر ستنتهي ظاهرة تكاد تكون بلا امتداد حتى الآن، الا اذا فاجأنا الشعب المصري بشعراء وملحنين وأصوات جميلة قادرة على الاحتفاظ بالظاهرة الفنية الشعبية التي تزعمها بشكل عفوي الشيخ امام كمغن وملحن، واحمد فؤاد نجم كمبدع كلمات اصبحت سارية على الألسن اكثر من أي شعر آخر… هكذا يموت الشعراء.. يتركون وراءهم كلماتهم التي لا تموت. وكل شاعر يحلم بالخلود يجب ان يفكر جيدا بهذه الظاهرة المصرية التي جسدها أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام اروع وأجمل تجسيد جعلتنا نحن السوريين في الستينات نحيي اجمل اجتماعاتنا في البيوت والمقاهي ونحن نجلس ونستمع ونصغي بخشوع ومتعة الى الشيخ إمام يغني كلمات أحمد فؤاد نجم… اما الآن ونحن نعيش في ظروف اصعب من ظروف مصر فنكاد لا نجد نموذجا لأحمد فؤاد نجم معنا ولا الشيخ إمام.. لا يوجد الآن في سوريا المنكوبة من يقوم بهذا الدور العظيم الذي قام به الراحل فؤاد نجم.
‘ شاعر سوري
شاعر الاعتراض الثوري
هاني فحص ‘
علاقتي بأحمد فؤاد نجم تشبه علاقة كل شيء بهذا المعلم الفني والانساني، لهذا الناقد اللاذع الذي كان نقده وسخريته قمة في الجمال، وكل علاقة عامة يمكن ان تكون لها خصوصيات ..خصوصية علاقتي بنجم أني رجل دين ‘مشاغب’ بالمعنى المنهجي، فأبحث عن الاصوات الشعرية والفنية التي تلتقي مع ما يعتمل في داخلي من شعور معتق بالحاجة الى الحرية والخبز المغسول بالعرق، وهنا التقيت بأحمد فؤاد نجم مبكرا وقرأت ‘عزة’ ورأيتها وأتفقت معها على ان اكتب مقدمة لديوانه عن طهران، وانا أيضا صاحب تجربة مع الثورة الايرانية قبل الدولة وبعدها.
وانا شيعي لم اجعل من تشيعي فاصلا بيني وبين أي آخر مختلف وكتبت المقدمة ولكنها لم تنشر.
تقديري ان السبب هو أنني قلت ان كثيرين في تاريخنا النضالي الحديث يساريون بما قد يعنيه اليسار من انحياز الى العدل.. ولكن ليسوا شيوعيين.. واحمد نجم سواء كانت هناك شيوعية او لم تكن فسوف يكون معترضا لانه موجوع ولان موهبته هي الاعتراض.. يبدو ان ذلك كان سببا في منع النشر في زمن كانت فيه بقايا الستالينية مسيطرة على حيز من العقل اليساري لتحول المعرفة الى ايديولوجيا… مزيَفة ومزِيفة وكان أحمد فؤاد نجم في السجن وهذا زادني حبا له وقراءة لشعره وقراءة لمصر في عينيه وصوته وصبره وجسمه النحيل… وأورثت شعره لاولادي وبناتي فسلموه ايضا الى اولادهم وبناتهم وكنت على علاقة متينة مع زوجته السابقة صافيناز كاظم، والتقيت بنوارة وهي صغيرة، ورأيت أباها في عينيها.. وامها في في الآخرين.. تماما كمصر التي هي في عين أحمد فؤاد نجم عزة التي هي خلاصة مصر في العين، كما قال أحمد عندما أتاه زوار الفجر.
واكتمل شوقي الى احمد عندما التقيته قبل سنة ونصف تقريبا واكتشفت أن كلا منا في لحظة ما وكأنه يبحث عن الآخر.
والتقينا في قعر البئر التي ينبع منها الشعر والعلم والحب والايمان والوطنية والدين…
لست مدعيا ذلك.. أنا اقول ما يدور في وجدان جيلي والجيل التالي الذي استيقظ على احمد فؤاد نجم وكأنه قد كتب شعراً لتوه في ميدان التحرير. ولعل اجمل ما أردده في خلواتي وبعد صلواتي وعندما تهجم علي احلامي مضمخة برذاذ النيل ‘مصر يما يا بهية يم طرحة وكلابية’
‘الزمن شاب وإنت شابة.. هو رايح وانت جاية’
تماما مثلما كان محمود درويش يغني فلسطين في العالم فإن أحمد فؤاد نجم يغني مصر في بلاد العرب وفي احياء الفقراء في كل بلاد العالم وبكاؤه على غيفارا كان يدمعنا جميعاً.. وحتى لا اكفر فأنا احببت نهج البلاغة لعلي بن ابي طالب وقرأت سيرة عمر بن عبد العزيز والتقيت مع أحمد فؤاد نجم على صفحات هذا التراث من الانسانية والشفافية والاصالة…
‘ مفكر اسلامي لبناني
سر الخصوصية
خلدون الشمعة ‘
لا شك أن أهمية أحمد فؤاد نجم انما تكمن في تأثيره الشامل كشاعر شعبي استجاب للحدث استجابة لم تهمل شيئاً من التفاصيل. وهذا التأثير يمكن أن يوصف بأنه تأثير استثنائي بكل المعايير. فعلى الرغم من أن الشعر الشعبي، بلغته البسيطة القادرة على التوصيل، وعلى اختلاف نماذجه في اللغات الأوروبية، يتوجه عادة إلى جمهور من فئة عمرية واحدة أو متقاربة، فإن شعر أحمد فؤاد نجم، شأنه في ذلك شأن أقرانه بيرم التونسي وصلاح جاهين، يمتلك قدرة آسرة على التأثير والتحريك ذي الطبيعة الشاملة التي تجمع بين العامة والخاصة. وهذا هو سر خصوصيته. فبينما يتسم الزجل اللبناني بالتميز الجمالي المثير للإعجاب، فإن شعر نجم العامي بمضمونه السياسي الصاخب وبالتزامه الطوعي غير المفروض من قبل سلطة عليا، يمتلك خاصية التحريك الجماهيري الشامل. تلك هي الخصيصة الأبرز في شعر الفقيد.
‘ اكاديمي وناقد سوري
من هنا مرّ نجم
…
ناصر فرغلي ‘
الوصف: واحد مِ العبادْ
شاعر، ولا (بانت سعاد)
في الحق أعند م العناد
والإسم: نجم احمد فؤاد.
حين كتبتُ هذه الرباعية لمشروع غنائي تلفزيوني في 2009، كان ما أدهشني هو ما انتهيت إليه في وصف أحمد فؤاد نجم، فهو فقط: أحمد فؤاد نجم.
لم تتفق مسيرة شعرية مع سيرة ذاتية في شاعر، قدر ما هو الحال في نجم وشعره. لم يكن مستغربا أن يكون الرجل وشعره الغنائي الأكثر حضورا في ميادين التحرير، مهما اختلفت وتوزعت حناجر الشبان على رؤوس أصولية أو ليبرالية أو يسارية أو فوضوية، كلها جمع بينها الغضب والثورة وأغاني إمام ونجم.
لعل نجم هو الوحيد الذي جعلته الأغنية شاعرا. فكل من عداه كانت رحلتهم في الطريق العكسي: من الشعر للغناء.
ولعل نجم هو الوحيد الذي بامتداد تاريخه حملت كلماته الأغنية على كتفها ولم تكن تابعاً خجولا للموسيقى والموسيقيّ المغني.
يبقى إنجاز نجم إشكاليا على الدوام، من حيث تراوحه بين الهجاء السياسي وبين الطموح الشعري، ومن حيث ‘مؤانسته’ لليسار العاجز المتناقض في نضال قعدات المزاج، بنفس القدر الذي كان يحفز به الثورة نفسها كفكرة نظيفة في صفحات أنفس بيضاء.
يكفي نجم أن نقول: من هنا مرّ نجم.
‘شاعر مصري
وداعا إلى حين
سميح شقير ‘
وداعاً أخي وصديقي ورفيقي في رحلة هجاء الواقع ورفضه بحثاً عن واقع اكثر عدالة وإنسانية وداعاً .. احمد فؤاد نجم .. وقد كنت شوكة في حلوق المستبدين .. صديقاً للفقراء .. جاعلاً من أكواخ مصر قامة في الروح تضاهي الإهرامات ، بشعرك العاري من المداورة والزيف أزحت الستار عن الم الناس وأحلام البسطاء ساخراً من السجون والسجان عميقاً كالنيل كنت .. وشامخاً كالمسلة ، وكنت صديقي الذي يشعرني بأن القاهرة بيتي وبان الشام تسكن في احداق القاهرة ، فوداعاً يا صديق العمر ولو الى حين .
‘ فنان سوري
شاعر النيلين
الصادق الرضي’
‘ألف رحمة لكل صاحب كلمة حق في وجه سلطان جائر’ كتبت هذه العبارة لأصدقائي على الفيس بوك، بعد مطالعتي باكرا لخبر رحيل الشاعر الكبير ‘أحمد فؤاد نجم’، لم أندهش وأنا أطالع موجات الحزن السوداني تنهمر على أثير ‘الشبكة الإلكترونية’ من مختلف أنحاء العالم، يحفظون شعره عن ظهر قلب، حفيّون بسيرته وسريرته، صديقنا الشاعر الكبير أزهري محمد علي لم يجد عبارة تسعف حزنه على رحيل نجم، فنشر على حسابه صورة جمعته مع الراحل في إحدى زياراته إلى القاهرة، ووجدتني أتجول محسورا ألتمسُ عزاءا في عبرات الأصدقاء.
كنتُ أنصتُ لآخر مقابلة معه على إحدى القنوات الفضائية، برغبة مستحيلة في تشرّب نبرات صوته وهو يقطرُ فخراً بشعبه الذي أنجز ثورتين خلال 3 سنوات، يتقطر حبّاً وإعزازا لشعبه ووطنه؛ ولم أفلح في كبح جماع دمعة حين صرح بأنه سيكون ضيفا على ملكة هولندا في العاشر من هذا الشهر لاستلام جائزة تستحقه وهو أكبر من أي جائزة.
ليس النيل وحده ما يشدُّ أواصر القربى بيننا ومصر، هناك أكثر من نيل يربط بيننا، وصوت أحمد فؤاد نجم الشعري جدول وجداني سرى إلينا، مثله صوت عبدالرحمن الأبنودي، وآخرين، ولنا في شعر ‘العامية’ جدوال قرّبت بيننا وعذب المنهل من هناك.
حين تعرف جيلنا على ثنائية (نجم/ الشيخ إمام) وعلى عبدالرحمن الأبنودي، عبر أشرطة الكاسيت المهربة، وبعض المجموعات الشعرية، كانت دكتاتورية (مايو)- عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، على وشك الإنهيار تلك التي ربضت على صدر الشعب السوداني نحو 16 عاما، تزامن ذلك مع ظهور أصوات شعرية بازخة، نسجت مجدها الشعري والثوري على نول ‘العامية’، والعامية عندنا ذات تعدد مثير، برز وقتها صوت الشاعر الكبير محمد الحسن حسن سالم حميد والشاعر الكبير محمد طه القدال، بجانب أصوات رائدة في ‘العامية’: محجوب شريف، عمر الطيب الدوش، هاشم صديق، وآخرين.
امتزجت تجارب نجم والشيخ إمام والأبنودي وقتها بتجارب القدال وحميد والفنان الراحل مصطفى سيد أحمد، على المستوى الثوري والشعري، وارتياد آفاق جديدة وجريئة في التعبير، عن نبض الناس وحياة الشارع؛ وتقاطعت حكايا السجن والمعتقلات، ومن بعد تمثُّل الزهد عن مغانم ‘النجومية’ الزائفة.
ليس حزنا عابراً، على رحيلك يا نجم، إنه حزنٌ متجذرٌ على رحيل جيل بدأت رايته تغربُ، برحيل رموزه واحداُ تلو الآخر، جيل عرف كيف يقبض على جمرة المبدأ، كيف ينضجُ الوعي بلا تكلف وادعاء.
وأخيرا: ( عارفين أنا فين/ أنا ساكن قلبي ومتونس/ بالناس والناس الونسه كتير/ ماليين القلب وشاغلينه/ سارحين في الدم/ وفي التفكير/ وجناين قلبي العمرانه بالناس/ الأزهار/ العصافير/ سايعاني وسايعه اللي باحبه/ وتساعي معايا/ رفاقه كتير/ شايفين انا فين ؟/ الشاطر فيكو يحزر فزر في دقيقتين/ والأشطر طبعا حيحزرها في غمضة عين/ أنا …… فين ؟)
‘شاعر سوداني
الشاعر الظاهرة
محمد الحاج صالح ‘
كم من الظواهر والقضايا ضاعت أو ضُيعتْ أو تكاد. تلك حال ظاهرة الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم.
لم يكن الشيخ ولا الشاعر معروفان في سورية أبداً عندما كنت أحضّر عام 1975-1976 لفحص السنة الخامسة في الطب في جامعة حلب، وأسمع لهما طوال الوقت. اعتدنا نحن الطلاب السوريين على الدرس مع الغناء. وكانت فيروز صاحبة الحظ الأوفى في الدرس معنا ثم أم كلثوم وحليم ثم بعض المطربين العراقيين الرجال طبعاً(!)
اليساريون والحداثيون أميل لفيروز طبعاً. كان الأمر كما لو أنه جزء من الهوية. ولوْ فيروز طبعاً كان الجواب اليساري. فجأة ظهر المنافس، أولاً حيياًثمكاسحاً.
وللتاريخ وبكل تأكيد أوّلُ من عرف السوريين على الشاعر والشيخ هو الأستاذ حميد الزنابيلي الذي كان يدرس في القاهرة ورفيق الحركة الطلابية في القاهرة. كان حميد يأتي بالتسجيلات ويحكي لنا في بحيرة من دهشتنا وإعجابنا، عن الحركة الطلابية المصرية. والأهم، أذكر، إعجاب ‘حميد’ وحماسه المعدي للعلاقة بين الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ وبين الحركة الطلابية. كنا نتخيل وهو يصور لنا قاعات الجامعات والساحات الجامعية والشاعر والشيخ والاعتقالات ‘وزوار الفجر’ المصطلح المصري الذي فرض نفسه على الساحة العربية من خلال الحركة الطلابية المصرية والشاعر والشيخ في قلبها. كنا نتخيل سهراتهم وغناءهم كلمات الشاعر وبصوت الشيخ، فنلتهبُ غيرة ةحماساً لأن نقلدهم. وقلدناهم.
وللتاريخ ومن الطبيعي أيضاً أن تنتشر كلمات الشاعر عبر صوت الشيخ في الأوساط المعارضة السورية الأكثر جذرية، أي في أوساط ماصار حزب الشعب لاحقاً وفي أوساط رابطة العمل ثانياً. ومن هذين الوسطين انتقلت العدوى. حتى إن أوساطاً لا تمت بصلة لأصل الاحتجاج والتمرد في كلمات الشاعر التقطت ما في الموجة من كسب جماهيري وشرعت تستمع وتتباهى بأنها تستمع، من أوساط الشيوعيين خارج الجبهة الوطنية إلى الشيوعيين ضمنها وإلى القوميين السوريين، وأخيراً إلى شبيبة النظام وإعلامه.
وبدأت الظاهرة تضيع وتتسع وتتميع. استفاد النظام من دعوة الشيخ والشاعر باكراً قبل أن يتوفى الشيخ. ويقال إن الشيخ عاد إلى مصر غاضباً من تصرف النظام السوري وإعلامه، وإن أول شرخ بين الشاعر والشيخ نشأ هنا.
ثم عاد الشاعر إلى سورية بدعوة من النظام أكثر من مرة. وكان هدف النظام توظيف كلمات الشاعر في الممانعة كبوق.
لكن الشعر يبقى شعراً حتى وإن مال الشاعر أو انتحر أو مات
‘ أديب سوري
صوت الانسان
هاشم شفيق ‘
الشاعر احمد فؤاد نجم كان شاعراً جماهيرياً بامتياز، وشاعريته حظيت بإعجاب قطاع كبير من الناس،لانها شاعرية تتمتع بجمال الشعر الراقي، ذي اللمسة الباقية وليست السريعة والمباشرة والآنية، بل كانت كلماته تغازل الابدية…
قصيدته قصيدة شاعر فنان التزم بالقضايا الانسانية، واصغى لهمومها طويلاً بحسه المتفرد حتى جسدها فنياً وجمالياً في قصائده، التي نهلت من واقع مترع بالتفاصيل اليومية للانسان المصري المتعب من ظلم الانظمة، والكادح المغدور والمطحون تحت وطأة الآلة الرأسمالية.. من هنا كان صوته صوتاً انسانياً عربياً ، غنى للحرية وللفكر المنطلق وللمظاهر الحرة، حتى اخترق صوته الأفق المصري ليكون شاعراً عربياً خالصا.. لقد ارتدى الجلابية ليقول انا جُبلت وجُلبت منكم يا ايها الفقراء..
لقد رأيته مرة في الدوحة في احد المهرجانات الثقافية وهو يرتدي هذا الزي الذي يشبه قصيدته..
لقد كان احمد فؤاد نجم، نجم القصيدة الشعبية العربية التي خاطبت الروح والهواجس والمشاعر الانسانية، لهذا فهو سيبقى حياً بيننا.
‘ شاعر وأديب عراقي
يا عمّي فؤاد
عدنان العودة ‘
يا عمّي فؤاد.
والبقرة حلوب..حاحا..تحلب قنطار حاحا..ودخلوا الخوجات..شفطوا اللبنات..
هكذا غنّيتك صغيراً يا عم..كنت في الرقّة على ضفاف الفرات البعيد..وذقتُ من عذب نيلك..لتصيغ من يومها نظرتي لحالنا العربي التعيس..
ومنذ شهر التقيتك في دبي..تسكعنا سويةً ليومين..في شوارعها..كنتَ كهلاً..بذاكرة بحار وبلاد وناس وشعراء وأغاني..
حدثتني عن جائزة الأمير كلاوس..التي كنت ستذهب إلى هولندا لاستلامها..في العاشر من هذا الشهر..
غير أن الموت أبى أن يمنحك هذه الفرصة..
لكل شعر روّاده وأساطينه وشبابه..أما أنت يا عم فؤاد فعم الشعر والشعراء..عم مصر والعروبة والناس..
إذ لا أعتقد أن أحداً يذكر مصر..دون أن يذكر قصائدك:
يا مصر يا حلوة يا بهية..أو..صباح الورد اللي فتّح في جناين مصر..
والبحر بيضحك ليه..وسايس حصانك..وأنا أتوب عن حبك أنا..
مصر مرآة قصائدك..وقصائدك مرآة مصر..
عمي فؤاد..يا فاجومي يا لاذع..يا مالئ الدنيا وشاغل ناسك..يا رفيق السهر والتجمعات والثورات..
تختلف كل التيارات السياسية في توجهاتها..وتتفق على تبنّي أغانيك..
حتى الاسلاميين..الذين كرهت وجدوهم في السلطة..نزلوا إلى شوارع مصر في مظاهراتهم..وغنّوا قصائدك..
أترى..أنك مُلك الجميع دوناً عن نفسك..
في حديثك لي عن الموت..قلت..كنت قد أجلّت موتي إلى أن تنتصر ثورة شعب مصر..
ومن ثم قلت لي..وهذه المرة أريد أن أؤجله إلى أن تلد ابنتي زينب وأرى حفيدي يبصر نور ثورة مصر..
وأن أزور الشّام..
يا أبو النجوم..
أناديك كذلك..كما يناديك صديقنا الموسيقي العراقي كوكب حمرة.. يا أبو النجوم..
ها قد أفل نجم حياتك..التي بدأتها فقيراً وأنهيتها فقيراً..
من ملجأ للأيتام..إلى شراكتك الفريدة مع الشيخ إمام..إلى سجون عبد الناصر والسادات..زادك رفضك للاستعمار والديكتاتورية وسعيك التنوير وتحقيق العدالة الاجتماعية..ومعاولك ومناجلك قصائدك الناقدة الساخرة..قصائدك الحواديت..الحوارات..اللاذعات..الرشيقات..اللاتي يسهل على أي امرأة أميّة أن تحفظهن وترددهن حتى وإن كانت في أقاصي حقول الصعيد..
الشاعر ضمير ومرآة عصره..هكذا يُقال..
وأنت كذلك حقّاً..أنت ضمير مصر ومرآة حياة ناسها..
أنت ديوان اهراماتها..وبياض قطنها..وهبة نيلها..
عمّي فؤاد..
يا أبو الأغاني والنجوم..
اليوم وقد رحلت..سقطت من سماء الشعر نجمة..
وأطلّ مكانها….قمرٌ من شعرك لا يغيب..
وجاءت الشّام بنفسها إليك…
‘ شاعر وكاتب دراما سوري
شاعر ضد الاستبداد
غازي الذيبة ‘
برحيل الشاعر الشعبي احمد فؤاد نجم، أحد اكثر شعراء العامية المصرية رواجا وحضورا في الوجدان الجمعي المصري والعربي، تتوقف نبرة القصيدة المضادة، المباشرة، الصاخبة، ويحتل فراغ غيابه صمت مريب، سيحتاج الى وقت شاق حتى يأتي يماثله في الحضور. حين رأيته قبل أعوام على شاشة التلفزيون يتحدث بطلاقة، ومن دون أي تردد أو خوف من الكلمات، كنت أرى شاعرا يمتلك طاقة استثنائية في تاريخ الشعر العربي، على هجاء الواقع، وعلى الفور كان يحضرني الشعراء الخارجين على نص المجتمع القار، سواء من المتمردين على انظمة الخلفاء والسلاطين والولاة، أو اولئك الخارجين على قانون القبلية من صعاليك الشعر العربي العظام.
وعبر سنوات حضوره الباذخة بالحياة والتقلب في مواسمها، سلوكا وشعرا، ظل نجم مخلصا لفطريته وفصاحته العامية، مسكونا بهموم الناس واحوالهم، واقفا على خط النار، مدافعا عنهم، حتى دفع من عمره، سجنا ومنعا وترهيبا، تغلب فيها على شياطين الاستبداد، بمكانته الرفيعة بين الناس البسطاء والمثقفين. كان حضوره في ميدان التحرير، واستقبال الثائرين على استبداد العسكر في الثورة المصرية، ووقوفه ليشدو بقصيدته صباح الورد، اكثر اللحظات اشتعالا في روح شاعر بقامته، وهو يرى الناس يشدون بكلماته قبل ان يقولها.
سيكون لرحيل نجم، الذي عاصر هزائم الامة واحلامها، وشدا لثوراتها، وغنى لشهدائها من البحر الى الخليج، وهجا مستبديها، محلا، لن يرتقيه الا من يمتلكون تلك القوة الضارية على الحلم بالامل والحياة. فوداعا لروح شاعر الفقراء والمهمشين والصباحات المعطرة بالامل، وطوبى لقلبه الحر،
الذي عاش به حرا طليقا، وما يزال صوته يتردد في الآفاق، حاملا الامل بتجدد الحياة في عروق الامة والشعوب المقهورة.
‘ شاعر اردني
الكلمة الملتزمة
زهير أبو شايب’
من المؤكد أن شاعرا بحجم أحمد فؤاد نجم سيترك فراغا كبيرا حين يغيب عن الساحة الثقافية العربية في مثل هذا الوقت الحرج بالذات. لقد كان نجم أحد الشعراء الذين حرسوا الشعرية العربية طيلة ما ينوف عن نصف قرن وأنقذوها من دعاوى الانفصال عن الواقع التي شاعت طيلة عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ففيما كانت القصيدة الفصيحة التي تزعم انها ذاهبة الى الحداثة تتورط في مقولات الاستعلاء عن طين الواقع وتنظيف نفسها من السياسة كانت القصيدة المحكية التي يكتبها نجم وقلة قليلة أخرى من الشعراء المصريين تتشبث بالواقعي والسياسي وسعت بقوة وعمق الى الالتزام بقضايا الكادحين والفقراء والمضطهدين.
لقد سجن أحمد فؤاد نجم لكل هذه الأسباب .. سجن من أجل مصر وسجن من أجل الفقراء وسجن من أجل العدالة والحرية ولذا ظلت قصيدته الناطق الرسمي باسم الواقع المصري .
لقد بدأ احمد فؤاد نجم تجربته الشعرية من السجن حيث صدر ديوانه الأول وهو في السجن ولذا ظل شاعر هموم الكادحين من بداياته ولا شك في أن غيابه سيجعل قضايا الفقراء والمقهورين تخسر صوتها الأول والأعمق في الثقافة العربية.
‘ شاعر فلسطيني