نظرتها

حجم الخط
0

نظرتها

عزت القمحاوينظرتهالم تكن الموناليزا بحاجة رواية دان براون شيفرة دافنشي لكي تحظي بمزيد من الشعوذة الفنية. والرواية علي أية حال ليست إضافة، بل سير علي الطريق ذاته المعبد بعشرات الآلاف من الصفحات التي تعيد بعضها بعضاً كأوراد يقرؤها مريدو اللوحة أو طلاسم يبتز بها المشعوذون ضحاياهم، ولا تخرج كلها عن مديح للابتسامة الملغزة التي تختفي بمجرد الاقتراب منها، وهذا غير حقيقي بالمرة، أو نظرتها التي تشتبك مع عين الرائي من أي زاوية نظر إليها، وربما ثالثاً من اختلاط الذكورة بالأنوثة. لكن تاريخ الفن يزدحم بالوجوه الملغزة، والابتسامات الإشكالية والنظرات المؤثرة. و لايوجد فنان حقيقي يمكن أن يتعامل بعناية أقل مع العينين؛ ولا يمكن لبورتريه أن يعيش دون أن يضع رسامه شيئاً خاصاً في النظرة؛ الشُبّاك الذي تطل منه الروح. وأكثر من النظرة والابتسامة، واختلاط الذكورة بالأنوثة، ليس هناك الكثير الذي يقال حول الوجه المدبب الذي أفضل عليه ردفي فتاة النافذة لسلفادور دالي، وأراهما أكثر إشعاعاً منه. فتاة النافذة التي حصلت علي نسخة متقنة منها علي القماش من متحف البارادو بمدريد، وأضعها في مواجهتي تماماً لأراها أطول وقت ممكن، بينما تركت للموناليزا موقعاً قليل الأهمية ولم أحتفظ بها أساساً إلا احتراماً لمن حملتها إليّ من باريس.وباريس، سامحها الله هي صانعة أسطورة الموناليزا، وليس روما أو ميلانو؛ والأخيرة هي مدينة ليوناردو التي وضع بنفسه مخططاً معمارياً لها لم يزل محترماً إلي اليوم، وهي تعرف قدره فناناً للعشاء الأخير وليس للموناليزا، وعالماً مخترعاً للعديد من المخترعات التي صارت إرثاً عالمياً، وبينها المقص، ومظلة القفز من الطائرات، وفكرة الطائرة الحوامةً!في متحف اللوفر، تحظي الموناليزا دون غيرها بلوحات إرشادية خاصة، مستنسخات (فوتوكوبي بالأبيض والأسود) مع سهم يشير إلي الطريق. ورواد المتحف يلهثون علي الدرج مثل حجيج يستعجلون الثواب فيختلط عليهم السبيل وتتوه العلامات، ويقف العشرات يسألون العشرات عن الطريق!في النهاية، وببعض الصبر، يصل الآلاف يومياً إلي المعجزة، تقودهم اللافتات إلي باب الجناح، الذي يحمل عنوان (الفن الإيطالي) ولولا الاحترام لما تبقي من رصانة المتحف لسمي جناح الموناليزا. الجناح متحف قائم بذاته، مذهل في حجمه وضخامته وعدد ما يضم من لوحات الفن الإيطالي القروسطي. علي جانبي الجناح العملاق باتساع شارع كبير تحتشد مئات اللوحات، أحجام جدارية لمعارك حربية، أيقونات ، بورتريهات لملوك وملكات لا تنقصها الأصالة. لكن حجيج الموناليزا لايكادون يلقون نظرة علي هذه اللوحات. حتي من يجبرهم التعب علي نيل استراحة علي المقاعد أمام إحداها فإنهم لايتأملونها، بل يجلسون بالقرب منها مثان تتهارش أو تثرثر، تعبث بالهاتف النقال أو تتحدث عن اقتراب تجلي الموناليزا، اهتداء بالزحام الذي يلوح في البعيد.كل لوحات الجناح تبدو وصيفات للوحة الصغيرة التي يصلها زوارها بانعطافة جانبية إلي صالة خاصة، وكأنها المذبح أو قدس أقداس الجناح، تمتلئ هي الأخري باللوحات الكبيرة المهجورة، بينما تحظي الموناليزا بأكبر عدد من موظفي المتحف ينظمون المرور أمامها، مع حواجز وإشارات مرور توضح اتجاه السير، كما أنها الوحيدة في المتحف التي تستريح داخل فجوة بجدار من تحت ساتر زجاجي!كانت صدمة حقيقية، إذ لم أكن قد توقفت أمام حجم اللوحة فيما قرأت عنها في السابق، اكتشفت أن المستنسخ المهدي إليّ هو في الحجم الأصلي للبورتريه (21X31) بوصة. اللوحة الأصل لا تمتلك إشعاعاً إضافياً فوق ما يمتلكه مستنسخها. جربت أن أترك نفسي لضغط الطائفين من مختلف الأجناس، من القرب، ومن البعد، يميناً ويساراً.. لا شيء جديد في نظرتها أو ابتسامتها يعول عليه، الوجه المدبب يوحي باللؤم، أكثر مما يوحي بقداسة أو فسق.تذكرت الأصابع، لماذا لم يقترب أحد من أصابع اليدين؟ ليست من الأصابع التي يمكن أن نحبها، لاسلميات واضحة لها، مما جعلها تبدو دوداً أو حيّات مقطوعة الرأس.السر ليس داخل البرواز، هذا مؤكد. ولا يستطيع دان براون ولا بحاثة روايته الغامض أن يعثر عليه في تسلل ليلي، وإلا لكان حراس اللوحة الذين يتعايشون معها أقدر علي اكتشافه. لكن براون لم يكن مخطئاً بالمطلق في توجيه النظر نحو الرمز، ونستطيع أن نثق في هذا التوجه، ليس الرمز الذي أودعه دافنشي لوحاته، بل سحر الرمز في ذاته، والذي يعد انقلاباً أوروبياً علي الحياة التجريبية، الانقلاب الذي قاده التحليل النفسي، معيداً الاعتبار إلي الرموز والصور الكامنة في اللاشعور. ولم تكن إعادة الاعتبار إلي الرمز بعيدة الصلة عن الحرب العالمية الأولي، أو الأوروبية حقيقة، التي نضجت علي نار الوضعية والنظرة العلمية المادية في القرن التاسع عشر.لكن أوروبا التي أعادت الاعتبار إلي الرمز بعد أن احتقرته يوماً بوصفه سمة للمجتمعات البدائية، لا تتخلي عن امتيازها كحضارة شيدت علي العلم واحترام التجربة، وهكذا فإن لكل شائعة باحثها الذي أمضي سنوات من عمره لكي يضعها في مرتبة الحقيقة، التي ستستدعي بدورها موجة جديدة من الشك! فهذا الباحث الإيطالي اكتشف سجلات تكشف ألغازاً في حياة الفنان، وذاك أثبت بما لايدع مجالاً لشك أن المرأة كانت بغيا، وهذا الفريق الهولندي أخضع اللوحة لكمبيوتر قاس مشاعرها وانتهي إلي وضع نسب السعادة والخوف والاشمئزاز في نظرتها!لكن هذه الفانتازيات التجريبية لاتقلل من سحر الرمز، وربما كان التناص بين الموناليزا وأيقونات العذراء، أحد أكبر أسباب أسطرة الموناليزا، وليس لغز النظرة أو الابتسامة. لكن نهر الأسطورة لايواصل جريانه اعتماداً علي منبع واحد، بل يحتاج إلي جريان دائم لروافد الغموض، والموناليزا لاتنقصها الروافد التي تتزايد كل يوم حول صاحبة اللوحة، وعلاقتها بالصانع، هل هي عشيقة الفنان، فتاة ليل، زوجة صديقه تاجر الحرير؟ هل هي بورتريه ذاتي للفنان الشاذ جنسياً؟ وعلينا أن نلاحظ كيف يمكن أن تلبي اللوحة أشواق التجديف كونها لوحة لبغي أو لشاذ وتتناص مع أيقونات العذراء!وهكذا تجمع الجيوكوندا في حجيجها بين المؤمنين والملحدين الذين تستعين إدارة المتحف عليهم بالحواجز وإشارات المرور والشرطيات العابسات. ولا أحد بين أولئك الحجيج المشرئبين باتجاه اللوحة يستطيع أن يري شيئاً داخل البرواز، لأنه وصل إلي هناك بصورة اللوحة المستقرة في أعماق لاشعوره.يبقي السؤال: إذن لماذا دافنشي، وليس واحداً من الحاويين الإسبانيين بيكاسو أو سلفادور دالي مثلاً؟ وكلاهما عاش بلحمه في باريس منفقاً القدر الأكبر من وقته علي تصنيع أسطورته الخاصة، وكلاهما فنان كبير مع ذلك. الجواب، فيما أظن، يكمن تحديداً في المسافة الزمانية والمكانية، فليوناردو القادم من مسافة خمسمائة عام يستند إلي واحد من الأوهام الأساسية التي تقوم عليها أية أسطورة: وهم العصر الذهبي القابع دائما في الماضي السعيد. وهذه هي شيفرة دافنشي الوحيدة التي يمكن الوثوق بها. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية