عزيزي غسان… أريد أن أعترف’

حجم الخط
2

لا أعلم لمن أوجه هذه الرسالة كي تصل إليك، وأنا لا أعرف قبرك، ولا أعرف عكا التي ولدت فيها ولا أعرف حتى بيروت التي انطلقت فيها رصاصة الغدر من قبل قاتليك نحوك، والذين لم يحاكموا حتى الآن بعد 41 عاما، لا أعرف عنك سوى صورتك التي تهتز أمامي وأنا أقرأ اثارك الكاملة، لقد مضى وقت طويل على فراقنا، تعدى هذا الوقت السنوات التي أبعدتك عنا وأنت عائد فيها إلى حيفا، تعدى السموات التي تحضن روحك، وغاص في التراب أكثر مما غاص جسدك النقي.
لا أعرف لماذا أكتب لك وصوت أجراس الكنائس تدق عند المساء وصوت اذان العصر يقف محلقا بين ثنايا الضوء المتسلل خلف الجدار، ألم تقل لإبراهيم على مسمعي أن ‘الصورة لا يمكن أن تكتمل عناصرها إلا إذا دخل إليها ضوء العصر ‘ أحب العصر كما أحببته نقياً بعيداً ومنتصفا للأشياء، أحبه الآن أكثر من أي وقت مضى فهو يذكرني بك ويذكرني بذلك القط الذي كان يسرق الحمام من البرج، والذي تدربت أنت وإبراهيم على قنصه وأنا أراقبكم من البعيد حيث لم يكن أبي ولم تكن أمي بعد.
أقف فوق غيمة في ظل العصر وأبتسم لكم … لقد صوبت على ذلك القط وقتلته أنت ولم يقتله إبراهيم وعندما اقتربت منه وبدأ إبراهيم يقلبه وخيط الدم يتسرب من فمه كما تتسرب الشمس من خيط الغروب أصابك شيء من الاشمئزاز الذي أقعدك طريحا في الفراش لمدة أسبوعين وأنت تشعر بالعار من قط يا غسان.. قط ؟ وجاءك إبراهيم وأنبك أيضا كما أُأنِبك أنا الآن من قط يا غسان؟ قط؟ تحججت بكثير من الأمور ولكنني لم أصدقك ولم يصدقك هو … لأنه وبعد كل ذلك كنت أنت وإبراهيم وهم، يتسرب خيط الدم ذاته من شفاهكم وكأنه الشمس تشق السماء مشرقة.’
أتذكر يا غسان لقد جئناك في ذلك المساء ولم يكن الوقت عصراً، لأن العصر هو الجنون، هو الحب، ولكن المساء هو كنف الموت، هو رائحة الكتمان الذي بعده نفقد الأحبة …. قلنا لك تجهز يا عزيزي …الرجال جاهزون، الخطة جاهزة، السلاح جاهز أيضا …. قلت لنا بكل ثقة ومتى الانطلاق؟’
أجبت أنا من البعيد غداً، أرجوك أحضن إبراهيم سيكون الغد له فقط … تحركنا صباحاً وكنا نعتقد بأننا سنفجر تلك المستعمرة اللعينة، ونعود الى منزلنا هادئين، وأثناء المسير نحوها والربيع يحيط بنا من كل جانب ويدعونا للاستلقاء في حضنه آمنين كنا نتجه نحو القدر ونحمل أرواحنا على أكفِنا، نعم في تلك الجنة كان الجنود يتربصون بنا ينسجون أكفان موتنا، نعم يا غسان لقد قتلونا قبل أن نقتلهم قتلوا إبراهيم وصدقت نبوءتي ….
يا غسان أنا موجودة الآن ولكنني أرتجف من البعيد لقد كبرت كما كبرت أنت … ولكن ‘هل استطيع أن اقتل يهودياً دون أن ارتجف؟”
نعم لقد ‘جعلتني الخيمة أشد خشونة’ ولكن كل هذا لا يعطيني يقيناً ..
يقيني الوحيد هو أني أشعر بالعار ملتصقاً بي حتى عظمي.. هل يكفي هذا؟؟ أعتقد أنه يكفي …. وأنت تحمل الحنون إلى قبر إبراهيم كنت أنا أحمل الحنون ولا أعلم كيف’وأين سأزرعه على قبرك الذي أُلقيت فيه أنت ولميس؟؟
لا أعرف يا غسان لقد دفن إبراهيم هنا، ولكنك دفنت بعيداً هناك، وأنا ما زلت هنا نعم لقد قتلت أنت قطاً سرق زوج حمام كان عذره أنه جائع ولكنني الأن أقف أمام عصابة كاملة تأكلُ أطفالنا ورجالنا وشبابنا ونساءنا وتدمر بيوتنا وتسلب حتى خيامنا وأنا عاجزة.
حتى أنا يا غسان سرقتُ كل شيء، كل شيء، لم يبق شيء لنا .. قلت لي في نهاية كل شيء حكمة جميلة ‘ كم هو ضروري أن يموت بعض الناس .. من أجل أن يعيش البعض الآخر.. إنها حكمة قديمة .. أهم ما فيها الآن أنك عشتها وكنت من الصنفين، أما أنا! ما زلت أنظرُ بحيرة حولي… لا أعرف هل هذا منتصف أيار هذا العام، أم منتصف أيار العام المقبل، آسفة يا غسان فقدتُ حتى قدرةُ التميز بين الأيام ِوالأعوام لقد سلبني من هم فوق كل شيء ….
لروحك السلام يا عزيزي .
سلام ربحي حلايقة’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية