كانت عينا الأديب الجــــزائري واسيني الأعرج تعكسان بريقاً باهراً شد كل انتباهي، خلال ندوة حضرتها له، وهو يقول إن المثقف العــــربي يمر بأزمة لا يمـــكن أن يتنبأ بجدوى موقفه منها، فهو ‘جد مطــــالب بأن يتخــــذ موقفــــا مما يجري حـــوله، وبما أن الثورات والربيع العربي قائمان الآن وهنــــاك ارتداد شديد عليهما، فإن أي موقف سيتبناه المثقــــف قد يرتد عليه بعد عشرين سنة من الآن، بحسب مسار الأحداث، لأننا لا نعــــلم من سينتصر وما الذي سيثبت فشـــله، فأنت بموقفك من المعاصر تتعامل مع متغير، بعكس سهولة التعامل مع التاريخ باعتباره ثابتاً. لكنك لا تستطيع الهروب من اتخاذ موقف لأنه واجب أخلاقي’. حاولت أن أفسر بريق عيني الأعرج فلم أجد سوى احتمال أنه كان يقصد أن المواقف مهمة، لكن الإعلان عنها شيء آخر.
لست أعلم الكثير عن مواقف المثقفين العرب المعلنة مما يجري، لكنني علمت ما يكفي لأشمئز وأشك في جدوى أن يكون لي موقف أصلا. على العكس من ذلك، عرفت عن مواقف مثقفي الخليج أكثر، فصرت أكثر يقيناً في عدم جدوى اتخاذ أي موقف. لم يكن الهدف من بحثي في المواقف تلك أن أصنع صفين في مواجهة بعضهما واختار أن أقف مع أحدهما، بل كان الأهم في نظري أن أفهم ذرائع كل مثقف وأديب في اتخاذ موقفه، لأنني كنت حائراً في لجة الأحداث والانفعالات التي صاحبت كل ما جرى في مصر وسورية وليبيا وتونس والبحرين واليمن. حيرتي لم يكن يدفعها اختلاج سؤال ‘ما هو حق وما هو باطل؟’، بل كان أكثر ما يؤرقني سؤال ‘ماذا بعد أن نتخذ الموقف؟’ و’أي المواقف يرضي ضميري وإنسانيتي؟’، وهو ما يتفق مع رأي علي شريعتي في مسؤولية المثقف، من أنها شبيهة بمسؤولية الرسل والأنبياء، وأنها تعنى بالظروف أولاً، وتهدف إلى خلق رؤى ومبادئ جديدة يمكنها تحسين الأوضاع لحين انتصار الحق وزهوق الباطل نهائيا، ثم انني ومن جانب آخر لا أزال أشك بأن كل مثقف نعرفه هو مثقف بالمفهوم، فكما أن هناك ‘أنبياء كذبة’ كما قال السيد المسيح عليه السلام، فإن هناك أضعافاً من المثقفين الكذبة.
إن ‘المثقف’ لقب لم يعد وساماً يقلده النقاد والقراء لمن لامس وجدانهم، بل انه في غالب الأحيان، وسام اعتراف من الحكومات والمؤسسات تصنع استحقاقه المصالح بمن يجب في نظرها أن يكون خير من يمثل النخبة المجتمعية. وبالعودة إلى ذرائعية المواقف، فإن هشاشة الحق والباطل تتضح أكثر فأكثر. إن أكثر من يمثلون النخبة في وسائل الإعلام يتخذون وضعاً يحتمه دفء كرسي المنبر الذي يتحدثون منه، وتجد أن المثقف الذي تستضيفه القناة الفلانية يعكس ما تريد لمتابعيها سماعه، فيصبح رأي المثقف وموقفه مهماً بحسب موافقته لتوجهات المنبر، أو على الأقل خدمته لإثبات قوتها، لا لأن موقفه يستحق النظر.
هذا التمايز المتحيز الذي بات يبرز صورة هذا المثقف أو ذاك ليس جديداً، وقد وصــــفه جورج طرابيشي بموقف ‘الرضة’ التي تختلف عن الصدمة (الإيجابية) التي يتعرض لها المجتمع عند حدوث أمر جلل. يرى طرابيشـــي أن العرب تعرضوا لرضة أمرضت الوعي الجمعي العربي وخطـــــابه بعـــد هزيمة العرب عام 1967، وهو ما أراه يحدث الآن بعد ‘الربيع’ الذي لم يستطع بعد إقناع الغالبية أنه ‘حق’. ولا شك أن الفيلسوف الاجتماعي بورديو كان محقاً عندما اعتبر أن المثقفين ليسوا ملائكة، وأن لهم مصالح واستراتيجيات هيمنة وإرادات قوة أسوة بأقل الأفراد وعيا.
الأمر يبدو أسوأ عندما نتحدث عن الأمثلة، ويبرز في أهمها موقف الكاتب المصري علاء الأسواني مما يحدث في بلاده الآن، بل انه بات من المثير للسخرية أن تقتبس عن الأسواني جملة قالها بعد ثورة 25 يناير المصرية، ثم تدحضها وتدينها باقتباس آخر للأسواني نفسه خلال خصومته مع حكم الإخوان وتأييده لأحداث 3 يوليو الماضي. أيضا يتكرر الأمر في موقف الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم الذي فارق الحياة قبل يومين، وكذلك في موقف دريد لحام مما يجري في سورية، وغيرهم كثير. الشاهد في تلك الأمثلة أنها تعكس تبدلا في المبادئ ينعكس في صورة تضاد في المواقف بين الحين والآخر. وهذا الأمر يبرز تطوراً نوعياً لما عُرف بمواقف مثقفي أوروبا من النازية في الحرب العالمية الثانية، وكان من أشهرها الخصام المحتدم الذي كان يدور بين البير كامو وجان بول سارتر خلال أربعينيات القرن الماضي. يبرز جليا في خصام سارتر وكامو أن لخلفيتهما الاجتـــماعية دورا كبيرا في مواقفهما، فسارتر كان برجوازيا أما كامو فنشأ في أسرة فرنســــية متواضـــعة عاشت في الجزائر، وبينما كان سارتر يرى نفسه فيلسوفاً فقد كان يرى كامو نفسه فناناً، وأنه ‘يفكر وفق الكلمات، وليس وفق الأفكار’، وهو ما يفسر الكثير حول كل موقف لهما على حدة، بدءا من الشيوعية السوفييتية وحتى الثورة الجزائرية ضد استعمار بلادهما.
أما في حال الأمثلة العربية التي أسلفت ذكرها، فإنك لن تجد قالبا اجتماعيا أو دينيا أو فكريا واحداً يمكنه تفسير وتبرير المواقف، فضلا عن محاولة تصنيفها. ولعل أبسط تفسير يمكن إيجاده من دون عناء، يكمن في المصلحة الخاصة، واتصال الموقف بتحقيقها أو حمايتها من الانهيار. قد يقول قائل إن الخوف أقوى من كل شيء، وهو محق جزئياُ لأن الخوف يُرى في المعاصر ولا يمكن تلمسه في صفحات التاريخ إلا نادراُ، لكنني أختلف معه أيضا لأن الخوف هو أشهر ذرائع حماية المصالح، عدا أنه ليس خياراً موفقا غالبا فهو لا يمنع الخطر بشكل نهائي.
قد يسأل سائل، عن موقف واسيني الأعرج المعلن الذي قال إنه يجب اتخاذه، وبرز في تصريحه الصحافي بـ’زيف الثورات العربية’، لكن حديثه في الندوة التي حضرتها من أنه قد يصبح خائناً في نظر الناس لو انتصرت الثورات، لو أنه لم يؤيدها، فإنني أعتقد أن ‘في فمه ماء’ كسائر الغالبية العظمى من المثقفين المعاصرين.
من المهم الإقرار أن الخوف ليس وحده ما يمنع من الكلام، وكذلك المصلحة. كثير من الأشياء لا يجب قولها لأن أحدا لن يسمعها كما يجب، ومما لا شك فيه أن من يسمع زقزقة عصفور في منتصف الليل سيصدم كثيراً، بعكس لو أن ذلك حدث بعد طلوع الشمس. المشكلة هنا ليست في العصفور بل في مزاجك وأنت تسمعه. لكن من المهم أن يبقى العصفور محتفظاً بصوته حتى الصباح، وأن يستمر في إيمانه أن الزقزقة شيء جميل، مادام على غصن شجرة، لا داخل قفص.
‘ كاتب واعلامي اماراتي