لندن ـ ‘القدس العربي’ حذر مسؤولون أمريكيون في مجال الإستخبارات ومكافحة الإرهاب من احتمال قيام الجماعات المرتبطة بالقاعدة بإنشاء قاعدة لها في سوريا تكون في وضع قوي لتهديد إسرائيل، مستفيدة من الفرص الجديدة التي فتحت أمام الحركات الجهادية في منطقة الشرق الأوسط.
ويقول المسؤولون إن الإشارات قد أدت لتنشيط الجماعات الجهادية المشترذمة ولكنها المرتبطة عضويا وعقائديا والتي تمتد من مالي إلى ليبيا ومن اليمن إلى سوريا وسيناء ومناطق الضفة الغربية.
وكان قادة لجنة شؤون الإستخبارات في الكونغرس ديانا فينشتاين النائبة عن كاليفورنيا، ومايك روجرز، النائب عن ميتشغان قد تحدثوا عن المخاوف هذه في لقاءات مع شبكة ‘سي أن أن’. وقالا أن العالم ليس آمنا من الهجمات أكثر مما كان عليه قبل عام 2011. ووجه القلق نابع من ما جاء في بيانات ايمن الظواهري زعيم القاعدة التي يرى في سوريا ساحة واعدة للجهاد.
وتقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’ ان إدارة الرئيس باراك أوباما تحدثت عن تنظيم القاعدة الذي تم تدجينه، وذلك عندما أعلن الرئيس اوباما في خطاب مهم عن هزيمة ‘القاعدة’ ونهاية الحرب على الإرهاب.
ثمن التدخل
ويرى محللون ومسؤولون امريكيون أن الفوضى في سوريا قد تدفع أوباما لاتخاذ موقف أكثر فعالية في سوريا لمنع أي تهديد محتمل يظهر من داخل الجماعات التي تقاتل الرئيس السوري بشار الأسد ولكن ضرب الجماعات الجهادية داخل المعارضة لن يكون بدون ثمن سياسي وعسكري وقانوني وقد يؤدي إلى نوع من التعامل مع النظام السوري الوحشي وان كان هذا سيكون مؤقتا.
وبحسب وذلك حسب رايان كروكر السفير الامريكي السابق في بغداد وسوريا ‘سنحتاج للتحدث مع الأسد مرة اخرى عن قضايا مكافحة الارهاب وهي محل اهتمامنا’ وأضاف قائلا ‘ويجب فعل هذا بطريقة سرية جدا جدا فالأسد سيء كما نعرفه ولكنه ليس اسوأ من الجهاديين والذين سيحلون محله في غيابه’.
ولا يعرف متى سيعتبر البيت الأبيض إن كان مستعدا لاجراء تعديل على سياسته بعد سنوات من تقديم الدعم للمعارضة ودعوته المستمرة لتنحي الاسد ويحتاج الى مفاوضات حساسة مع حلفاء واشنطن في المنطقة الداعمين للمعارضة خاصة السعودية.
واحداة من المشاكل المثيرة للقلق هي العدد الكبير من المسلمين المتطوعين في القتال السوري من الدول الغربية والذين قد يسببون تهديدا امنيا حالة عودتهم لبلادهم التي جاؤوا منها. ويقول محللون إن هناك 1200 مقاتل سافروا للقتال في سوريا منذ بداية الحرب، منهم عشرات من الأمريكيين.
وتشهد المنطقة صعودا في التشدد الاسلامي وهو ما أدى الى زيادة في التوتر الطائفي وانهيار حكم الإخوان المسلمين في وجه المعارضة من المؤسسة العسكرية في البلاد والتي أدت لزيادة في العمليات التي يقوم بها متشددون في سيناء وفي العراق واستمرار المذبحة اليومية في سوريا.
إفشال المشروع الغربي
ولكن في سوريا وجد الجهاديون ساحة يمكنهم من خلالها بناء قاعدة لهم واستطاعوا التخريب على الإستراتيجية الغربية لدعم المقاتلين المعتدلين في الإنتفاضة السورية مما قد يدفع أوباما لانخراط أوسع في الحرب حسب قول بعض المحللين مع أنهم لا يعرفون طبيعة او شكل الإنخراط العسكري الذي يمكن لأوباما اتخاذه، مشيرين إلى أشكال من العمليات العسكرية السريعة التي قامت فيها في تشرين الأول أكتوبر الماضي عندما قامت وحدة خاصة أمريكية باعتقال ناشط ليبي من بيته في مدينة طرابلس الليبية والعملية التي قامت بها في الصومال والتي فشلت فيها مجموعة من قوات ‘سيل’ في الوصول إلى ناشط القاعدة. وفي الوقت الحالي خفف التنافس والإقتتال بين الجماعات الجهادية في سوريا من حدة تهديدها على الغرب، لكن لا يعرف إلى متى سيستمر الوضع، خاصة في ظل تدخل زعيم القاعدة في الترتيبات وإرساله أبو خالد السوري في محاولة لحل الخلافات بين الدولة الإسلامية في العراق والشام، وجبهة النصرة حول قضية الولاء.
وتساءل مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة في لقاء مع الصحيفة ‘لأي مدى أنا قلق من ماركة القاعدة، فمن الواضح أنها تتوسع من ناحية الإعداد والقدرات’، مضيفا ‘علينا أن نراقب ونفرق بين المحلي، الإقليمي والعالمي لأن كل ماركة تحتاج لرد ومدخل مختلف’.
تتداخل وتتعاون
ويقول التقرير إن أجندات القاعدة تتداخل وتفترق وتتغير من مكان لآخر، وأحد الأمكنة التي تحدث فيها هذه التغيرات هو اليمن الذي يعتبر مكانا لأهم وأكثر ماركات القاعدة تنظيما في المنطقة.
فقد أدت المواجهات بين الجماعات السلفية والحوثيين في شمال غرب البلاد للدعوة لجهاد عام وإنشاء معسكرات للتدريب، حسب مسؤولين يمنيين.
ويرى التقرير أن البعد الطائفي في اليمن كما هو الحال في سوريا يبدو أنه يحرف انتباه الجماعات هذه عن التفكير في الغرب، ولكن التشدد وعمليات التطرف تعتبر المناخ المناسب للقاعدة كي تؤكد حضورها، خاصة في بلد كاليمن الذي تؤكد فيه الجماعة هذه حضورها. وفي الوقت الذي تقتل فيه طائرات ‘الدرون’ أي بدون طيار ناشطين من التنظيم حققت القاعدة في اليمن 20 مليون دولار كفدية من عمان وقطر مقابل موافقتها على تحرير رهائن أوروبيين لديها، كما نقلت عن مسؤولين في اليمن وأمريكا.
ويشير المسؤولون إلى ان هناك عملية تواصل بين الجماعات التابعة للقاعدة في المنطقة، فتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على اتصال دائم مع المتشددين في لبنان وصحراء سيناء.
وعلى الرغم من محاولات الحكومة المصرية مواجهة القاعدة في سيناء إلا أنهم احتفظوا بقوتهم وقدرتهم على توجيه ضربات للجيش المصري ولديهم أسلحة ثقيلة منها صواريخ أرض ـ جو حسب إيهود يعاري المحلل الإسرائيلي في ‘معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدني’.
وقد خلق الوضع الفوضوي في ليبيا أرضا خصبة لتهريب الأسلحة التي سرقت من مخازن النظام السابق ونقلت إلى سيناء ومالي في منطقة الصحراء الإفريقية. وأصبحت ليبيا نفسها موطناً لعدد من الجماعات الجهادية، خاصة منطقة الجنوب. ونقل عن قائد القيادة المركزية في إفريقيا الجنرال باتريك دوناهو إن ‘شركاءنا الإقليميين قلقون من الفوضى التي يرون أنها نابعة من ليبيا’.
وفي إفريقيا تقوم العديد من الجماعات المتشددة بتصعيد هجماتها كما فعلت بوكو حرام، التي اعتبرتها وزارة الخارجية الأمريكية الشهر الماضي منظمة إرهابية، وتركت الهجمات التي قامت بها الكثير من القتلى وحصلت على 27 مليون دولار مقابل تسليم رهائن فرنسيين لها.
ويقول ويليام ماكنتس، الخبير في الجماعات الجهادية أن مسؤولي الخارجية بدؤوا يحسون في الخطر سواء كان هذا نتاج فزع او بسبب صعود الجهاديين في سوريا.
وقال ‘يبدو ان مكافحة الإرهاب أصبحت في مركز السياسة الخارجية الأمريكية’.
سليم إدريس يحذر
وكان اللواء سليم إدريس، رئيس هيئة أركان الجيش الحر قد قال في تصريحات نقلتها صحيفة ‘واشنطن بوست’، ولقيت تحليلا في الصحف البريطانية ‘إندبندنت’ و’تايمز’ وحذر فيها من خطورة الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’، ودعا إدريس لمواجهتها قبل أن تسيطر على سوريا.
وقالت ‘إندبندنت’ إن الوكالات الأمنية الغربية بدأت تتعامل مع الخطر القادم من سوريا حيث حققت ‘سكوتلاند يارد’ في أول حالة أرسل فيها أفراد للقيام بهجمات في لندن. وأكد دبلوماسي غربي على أهمية الحفاظ على النظام السوري الحالي لمواجهة الإسلاميين ولتجنب الأخطاء التي ارتكبت في العراق وليبيا، حيث انهارت مؤسسات الدولة والجيش.
وقال المسؤول إن المحادثات التي ستعقد في جنيف الشهر المقبل قد تكون بداية لتشكيل تحالف ضد القاعدة في سوريا إضافة لتسوية سلمية تنهي النزاع الذي أدى لمقتل أكثر من 126 الف شخص.
وقال اللواء إدريس إن شرط تنحي الأسد لم يعد قضية قبل المؤتمر ولكنه سيكون راض إن تم التوافق على رحيله في نهاية المفاوضات، ولكنه طلب خطوات حسن نية من النظام وفتح معابر إنسانية لتسهيل وصول المساعدات للمناطق المحاصرة.
واشتكى إدريس من أن قواته مضطرة لخوض حرب على جبهتين، ضد القاعدة والنظام. وتسيطر الدولة الإسلامية وجبهة النصرة على مناطق واسعة في حلب وإدلب حيث يتعرض المقاتلون التابعون للفصائل المعتدلة للقتل او يجبرون على الهرب، ومن بين القيادات التي قتلها الجهاديون كان كمال حمامي الذي أطلق عليه النار في اللاذقية.
وقدم الجيش الحر الآن ملفا تحدث فيه عن قدرات وأعداد المقاتلين خاصة الأجانب الذين قدر عددهم بحوالي 5500 مقاتل.
حزب الله وسوريا
سوريا ليست فقط مفتوحة للجهاديين وحدهم أصبحت مركزا لتدريب المقاتلين التابعين لحزب الله، وفي تقرير لصحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ جاء فيه أن سوريا تعتبر المكان الذي يعطي حزب الله قوة وتجربة جديدة.
فقد أصبحت سوريا مركز تدريب للمجندين الشباب في الحزب حيث تحولهم التجربة إلى محاربين أشداء قادرين كما يقول قادة في الحزب على مواجهة إسرائيل.
ويقول محللون إن الحزب وجنوده تعلموا وسط الدمار والقتل دروسا لا تقدر بثمن حيث قام بحملات عسكرية دفاعية وهجومية في مدن ومناطق ريفية. وتعلم المقاتلون دروسا في كيفية العمل مع قوات أخرى وتنسيق الهجمات مع الجيش السوري مثلا أو الميليشيات التابعة للنظام، كما وأخذوا دروسا في كيفية بناء خطوط الإمدادات وتحمل فترات طويلة من القتال، وببساطة تجربة القتال وقسوته.
ونقلت الصحيفة عن أندرو أكسوم، الضابط الأمريكي السابق في أفغانستان ‘ أعتقد أن منافع التجربة تتفوق على الثمن فيما يتعلق بالكفاءة’. فمن ناحية الثمن فقد خسر الحزب عددا من قياداته المجربة التي قاتلت في الثمانينات والتسعينات ضد إسرائيل.
وتقول الصحيفة إن الحزب خسر في الأسابيع الماضية الكثير من مقاتليه أثناء المواجهات في الغوطة الشرقية، وذكرت الصحف اللبنانية أن من القتلى كان علي محمد، ووسام شرف الدين وهما قائدان مجربان في الثلاثينات من عمرهما.
ولا يعرف عدد المقاتلين الذين سقطوا في سوريا ولكنه في دائرة المئات.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد بلغ عدد القتلى في آخر إحصاء له 232 مقاتلا، في المقابل أشار التقرير الأخير للمرصد أن عدد قتلى الجيش السوري والجماعات الموالية له تصل إلى 51 ألف شخص.
وتقول الصحيفة إنه مقابل كل جندي مقاتل مجرب من حزب الله ينضم العشرات من الجنود الجدد الذين تمنحهم الحرب في سوريا تجربة لن تكون متوفرة لهم على الحدود مع لبنان ومواجهة إسرائيل حيث الجبهة هادئة منذ سبعة أعوام. ويرسل حزب الله جنوده بشكل منتظم لسوريا حيث يقضي المجند مدة إسبوع إلى شهر.
وتنقل عن مصادر في الحزب أنه زاد من عمليات التناوب لمنح أكبر عدد ممكن من المجندين فرصة تجربة الحرب الحقيقية.
ويقول إكسوم ‘صحيح إن حزب الله تعرض لخسائر فادحة في لبنان ومنهم محاربون قدماء من الصعب عليه تعويضهم، لكن الجنود الشباب يحصلون على تجربة وتدريب في نفس الوقت’.
وتأتي خطوات الحزب استغلال الحرب في سوريا كساحة تدريب في ضوء التوسع في أعداد المقاتلين التابعين له، فقبل حرب 2006 لم يكن عدد المقاتلين يتجاوز بضعة ألوف، المقاتلون الملتزمون والإحتياط، أما اليوم فقد زاد العدد ويقدر لما بين 20-50 ألف مقاتل، معظمهم جنود إحتياط ويتلقون تدريباتهم في سهل البقاع، وقبل الحرب السورية عام 2011 لم يكن لدى الكثيرين منهم تجربة حقيقية في المعركة.
ويقول دبلوماسيون غربيون، ومصادر في المعارضة السورية أن جنود حزب الله قد قاتلوا على كل الجبهات في سوريا دعما للنظام، بما في ذلك دمشق ودرعا وحمص وحلب. وفي أيار (مايو) الماضي قاد حزب الله عملية ناجحة على بلدة القصير التي أدت لإخراج مقاتلي المعارضة منها، كما انضم حزب الله إلى المعركة على جبال القلمون في الأسابيع القليلة الماضية، وأكد الأمين العام للحزب، حسن نصر الله أن جنوده سيظلون في سوريا ‘للدفاع عن لبنان وفلسطين وقضية الفلسطينين وسوريا التي تظل حصن المقاومة’كما قال.
وعلى الرغم من التجربة التي يحصل عليها مقاتلو الحزب من سوريا لكن محللين يقولون إنها قد لا تنفع كثيرا في الحروب القادمة مع إسرائيل، لان التجربة في سوريا قد لا تكون قابلة للتطبيق مع إسرائيل حسب جيفري وايت، الباحث في ‘معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى’، ومع ذلك فدروس التنسيق والوحدات التي صقلتها المعارك تمثل وجها جديدا في تطور تجربة الحزب القتالية.