سلام حربةالذئبانا اسمي الان الذئب رحيم.. ابلغ من العمر الخامسة والستين عاما.. تمسك مخالبي الان صيدا ثمينا.. لوحاً مكتنزاً متشحاً بالسواد لا اميزه، رغم صلافة الذئب في عيني الشبقتين، الا من رائحة الانثي التي تفوح منه.. .. ان غادة، وهذا اسمها، مفجوعة من الرعب ومخالب يدي مغروسة في ساعديها الناحلين.. الالم يسمرها في مكانها وكل ردة فعلها ارتعاش جسدها، كالممسوسة بالكهرباء، داخل عباءتها الطويلة.. كانت ترتعد كالسعفة الهزيلة فالخوف يحاصرها من كل جانب كقدر لا مفر منه وقد شل لسانها وتبخر اللعاب من فمها وبلعومها وتاهت الكلمات في صحراء حيرتها.. ورغم صقيع الدهشة لكن حرارة جسدها المثخن بطبقات من الويلات والالم تنتقل الي جسدي باسلاك من اللذة لا تجد غادة صعوبة في اقتفاء لون هذه اللذة ولزوجة حلاوتها في عيني المحمرتين.. نطقتْ بصعوبة وبصوت مرتجف.. ـ رحيم.. لا تنس نفسك.. كنا انا وغادة متجاورين في العمر وفي السكن لا يفصل بين بيتينا الا جدار بعرض طابوقة واحدة وقد خرجنا الي الزقاق الترابي في سنة واحدة.. مارسنا براءة الطفولة وطقوسها واختلينا الي بعضنا في سن الخامسة في لعبة العريس والعروسة.. ما شجعها علي الاقتراب مني صداقتي مع اخيها صباح والذي يكبرني بعام واحد وقد تقاسمت معه الطفولة واحلام الشباب ونافذة الفكر.. قد تبدو غادة الان اكبر مني.. لا اعلم.. فانا قد فارقت ملامحها منذ اكثر من خمسة عشر عاما ولكن اجراس انوثتها ما تزال تقرع بين الجنبين الخاويين ولا تفارقني حتي في احلامي الملتهبة بالجوع وعواء الذئب الذي يستوطنني منذ زمن وهو يصرخ ليل نهار لا يكل ولا يشبع.. لم يكن يفصل بين جسدينا، وانا مطبق عليها اطباقة الذئب، الا حاجز بعرض كف اليد، معرض زجاجي تتكدس فيه حاجيات النساء الداخلية وسترهن وطلباتهن الخجولة، فانا اتعامل مع النساء منذ اكثر من اربعين عاما حين فتحت محلا للملابس النسائية في السوق الكبير والذي يطلق عليه سوق النساء حيث يجدن في محلاته العديدة كل ما يحتجن اليه من لوازم واضوية براقة تسطع في بطون المحلات وواجهاتها تكنس الظلام المتكدس في بيوتهن ويبعثرن فيه زمنا فائضا ميتا يزدحم في حياتهن.. فساعات البيوت علي الدوام تتساقط عقاربها وساعاتها علي ارض الدار وتوحل ايام النساء بالضجر والرتابة واللاجدوي.. في السوق الكبير تشارك النساء نظرات لجوجة لرجال مواظبين علي مشاركتهن شارع السوق الضيق حيث تتراص الاكتاف وتختلط الانفاس الحارة بزفير سقف السوق المعدني والذي يقسط اشعة الشمس في الخارج امواجا تدكن الظل المحتمي في السوق وتطعن الوجوه بحمرة نافرة وبحبيبات عرق بلا بريق.. ـ رحيم اتركني.. ان يديك تدميان ذراعي.. ثم ان العيون مصوبة علينا.. لا يليق ونحن بهذا العمر ان نكون فرجة للاخرين.. لم اسمع تلك اللحظة ما كانت تهذي به فليس من عادة الذئب ان يتنصت الي رجاء فريسته.. كان كل همي ان اشبع تلك اللحظة من استدارة وجهها الابيض الجميل، هذا ما نقش في ذاكرتي، والمحجوب عني الان ببرقع اسود.. او ان ارتوي من ذراعيها الناعمتين البضتين المنحوتتين كعمودي رخام يوم كانا يسوران مجرة من التضاريس الشهية التي تفتن النظر.. ما اطلبه الان ان اري بقعة محسورة من ضيائهما كي يرتوي عطش الذئب اللائب في داخلي والذي لم يذق طعم الاكتفاء والملتهبة غريزته في الافتراس علي الدوام.. لم يكن يعنيني عمرها فقد اجتازت عتبة الستين منذ خمسة اعوام ولكني اعتاش علي ذاكرة ما زالت ندية يتداخل فيها الزمن ويتخفف وتضيع الملامح والتفاصيل ليلتهم الذئب في النهاية كل شيء بشهية فائقة.. ـ رحيم.. هل تسمعني.. ؟ انا غادة.. غادة التي احببتها منذ اربعين عاما وكدنا ان نتزوج.. هل نسيت.. ؟ اطلقت ضحكة مجلجلة انتبه لها المارون علي عجل بقربنا وبقيت رؤوسهم ملتفتة الينا حتي الي حين.. اما اصحاب المحلات المجاورة فلم يكن الامر يعنيهم بشيء حيث ان ذئابهم تنشغل بفرائسها ولم نسمع يوما ان ذئبا نظر بفضول الي ذئب اخر يلتهم غنيمته فالكل ماسك بصيده وتلصف انيابه من الفرح ولا تسمع الا استغاثات الضحايا الواهنة والتي لا ينتبه احد اليها.. ـ انا لا اعرفك يا غادة ولا اعرف نفسي.. والتي تتحدثين عنها لا اراها الا صورا في الذاكرة.. ورحيم الواقف امامك لم يبق منه الا الذئب المختبيء فيه والذي ترينه علي بعد اصابع منك.. لم ينطق منها الا عيناها فقد ومضتا بدموع نقية كالبلور، رغم السواد الذي يلف غادة والمتكدس كالليل الابدي من ثوب طويل بأردان لحد الرسغ وكفين صوفيين وعباءة نسائية وبرقع بادل طمأنينة صباح وجهها البهي بالظلام المخيف، دموع تشظت علي ضفافها ضياء مصابيح المحلات وحزم الضوء العنيدة وهي تخترق السقف المعدني لتذكّر من في السوق ان هناك شمسا في الخارج ما تزال تشرق.. لقد اعادتني دموعها بزورق الذكريات علي امواج الحنين يوم بكت علي كتفي وانا في الخامسة والعشرين من العمر في بيتنا في المحلة الشعبية حين وجدت انا واخوها صباح خطيبها سلام مقتولاً برصاصات غادرة ومرمياً علي احد الارصفة يومها التصق جسدها اللين بجسدي وربت بيدي علي كتفها وذراعيها الممتلئتين في حينها لم اكن ابادل سخونة جسدها الملتهب بالشباب والاثارة الا ببرودة المشاعر الاخوية والنظرات البريئة.. لم تكن لي اخت فانا وحيد امي وابي ولكن غادة كنست الوحدة في بيتنا بضحكات الفتاة البريئة حتي ان والدتي كانت تقول لها ونحن اطفال: ان لن تكوني ابنتي فكوني زوجة ابني رحيم.. كانت تنظر الي بحياء وتمضي هاربة تقضم الخجل بين شفتيها.. وحين كبرنا كانت تتراءي لي اينما وليت وجهي في بيت اهلها حين كنت ازور اخاها ونتبادل الاحاديث السرية والاوراق الممنوعة.. في المحل كانت تزورني باستمرار وحين تدخل السوق كانت تنفتح كوة سحرية من الضياء بجسدها الممشوق ووجهها القمري وذراعيها العاريتين وصدرها المرمري لا يفصل الذراعين عن مرآة الصدر الا خيطان واهيان يربطان ظهر الثوب بصدره وينحسر الثوب عن ساقين اسطورتين ملفوفتين باتساق يزيدهما تحليقا في الروح رنين حذائها ذي الكعب العالي وهو يطرق بدلال اسفلت الشارع.. وحين تقف امامي في المحل تسكرني ابتسامتها وغمازتا خديها وثقتها المفرطة بنفسها.. وحتي بعد ثلاث سنوات من اغتيال خطيبها وعند اطلاق سراحي واخيها صباح من السجن الذي كنا من زبائنه الدائمين فتهم كالتحريض والمشاكسة وحيازة الافكار الخطرة تلتصق بنا بشدة كلصقة جونسون يصعب ازالتها من قناعات المتربصين بنا، انتصبت غادة امام واجهة المحل مهنئة بسحنتها الشمعية وكبرياء انوثتها وكانها احدي الهة الاغريق، حيث كنت امسح بنظراتي الباردة البريئة تفاصيل جمالها الاخاذ وقلبي يكاد يخرج من صدري وانا بانتظار الرد علي سؤالي بالاقتران منها.. ـ رحيم.. لا اعتقد اني قادرة علي الاقتران برجل ثانٍ بعد ان ضاع سلام من يدي.. قررت ان احيا لوحدي في بيت ابي ويبدو ان هذا قدري الذي اختاره الله لي.. ـ ولكنك ما زلت شابة وجميلة ولم تبلغي الثلاثين بعد.. وتعلمين مقدار حبي لك.. وبابتسامتها الهادئة اطفأت نيران قلقي.. ـ لا اشك في حبك لي.. ولكني اعتقد ان بابي قد طُرق وحين فتحته غادرني الحبيب.. لا اعتقد ان قلبي يستجيب للطرق ثانية.. وغابت غادة عني ولم ارها لسنتين متصلتين وتزوجتُ من فتاة قريبة لي ولكن طيف غادة لم يفارق مخيلتي واجزم انه يلون سماء ايامي باقواس القزح.. كانت مدينتنا هادئة وغافية علي ضفتي نهرها الصغير والاحلام تتورد في الليالي علي انسامه الباردة. وصحت المدينة علي احد الصباحات واذا بقطعان من الذئاب تستبيح سكونها وحرمتها ولم تمض الا حفنة اعوام عصيبة واذا بالذئاب قد تناسلت في نفوس اهل المدينة وابتدأ العواء يعلو في كل ليلة من البيوت والازقة الوديعة وزرعت اجنة الذئاب في ارحام الاحلام المريضة والعقول الخاوية ولأجد نفسي انا رحيم وقد تجاوزت عتبة الثلاثين ان الذئب النابت في داخلي، أسوة بالاخرين، ينمو كل يوم واشعر به وهو يخز احشائي ويشوش صفائي ويصبغ عيني ونظراتي بحمرة قانية.. حتي ملامحي الهادئة تحجرت وحُفرت اخاديدها بقسوة.. لم يكن هذا حالي فقط بل ان من ينظر الي سحن الرجال وعيونهم وسلوكهم سيجد ان في كل واحد منهم ذئباً يتربص في الداخل يكبر ويكبر ويتورد بالعافية ويقتات علي صوت الانسان وافكاره واحلامه وتاريخه.. كانت غادة اول من رأي الذئب في عيوني.. كانت نظراته ترعي علي صدرها العاري وذراعيها الفضيتين وتفاصيل جسدها الباهرة ويرتشف من حلاوة رحيق ابتسامتها ويحاصر لحظ عينيها السوداوين الساحرتين.. وقفت امامي وهي تداري ارتباكا من لصف جمال جسدها في عيني الذئبيتين.. ويداها تتحركان بلا وعي وهما تهشان ذباب فضولي وبحيرة وبنبرة منقوصة الثقة.. ـ لماذا تنظر الي بغرابة؟ الم ترني سابقا؟ ثم ما قصة عينيك؟ انهما دائريتان كعيني ذئب؟
عيناي لا تفارقانها وابتسامة ماكرة علي فم مفتوح يفوح بالشهوة.. ـ حقا.. انت ترين الذئب الذي في داخلي.. ؟ ولكني اري في عينيك حملا بنظرات ذليلة.. ردت بابتسامة ساخرة علي شفتيها الورديتين وهي تجاهد في النظر الي عيني.. ـ وماذا سيلتهم الذئب الذي في داخلكم غير العجز الذي في داخلنا؟ كل يوم تتكبل حياتنا بالاصفاد.. انظر الي النساء انهن يهربن من نظرات الرجال.. لقد تهشمت ارادتنا كالزجاج نحن من سيدفع الثمن.. نحن من سيدفع الثمن.. ولت من امامي هاربة وهي تتمتم باشياء غامضة ونظراتي تودعها وهي تتملي تفاصيل جسدها من الخلف.. كنت اراها في ازمنة متقطعة ولكن في كل رؤية جديدة اجد صعوبة في التعرف عليها.. مرة بثوب محتشم طويل وقد غطت رأسها بشال وفي اخري تسربلت قامتها الممشوقة بعباءة سوداء كالليل البهيم وحتي كفا يديها البيضاوين الرقيقين كروحي حمامتين هائمتـين غرقت اصابعهما الرخامية بلجة من لون الرماد. تمشي برأس منكسة لا تقوم علي النظر الي الاخرين وسرقت الارض كل النظرات الجميلة من عينيها.. وقبل اشهر اغلقت الحياة امام عينيها رغم كبر سنها وقايضت شمسها، وهي من اجمل النساء المسنات في العالم، بخسوف البرقع الدائم فبدت رغم خطواتها الفاتنة وطولها المياس والذي لم يذله الكبر بعد كنخلة سوداء محروقة لا نسغ لحياة فيها.. لكن ورغم الحواجز التي وضعتها غادة بيني وبينها الا ان الذئب الذي يرعي في داخلي ينهش في ذاكرتي ويجلو صدأ الايام لتبقي حية ومشتهاة يسيل لعابي لها ما دام الزمن يباعد بين ضفتينا واجد نفسي ان لا هم للذئب الا في نسج الشراك والحيل، والتي لم اعرفها في السابق، لأُسقط غادة بين خيوطها.. وها هي الان بين يدي ومخالبي نافذة فيها ولا توجد قوة في الارض بامكانها ان تحررها من مسكتي هذه وهل سمعتم يوما ان ذئبا افلتت منه ضحية.. ؟ كان صوت استغاثتها يأتيني ضعيفا فلم يعد لها القدرة علي التحمل.. ـ ارجوك رحيم اتركني.. من اجل تلك الايام الجميلة التي عشناها معا.. كانت نبرة صوتها الصافية والتي لم تُشخط بابرة الزمن ترن لها اجراس اللذة وتشحذ همة الذئب فتحمر عيناي من النار التي تأكلني.. لم اعد اطيق صبرا وهي تتلوي كالمذبوح بين يدي.. ازحت طبقات السواد عن بطن ذراعها اليمني. كانت رقيقة ناصعة البياض لم تداعبها شمس او عين منذ سنين.. كانت تنظر الي غير مصدقة وعيناها نافرتان تكادان تلامسان البرقع الاسود.. كان لعاب الشهوة يسيل من بين انيابي.. اطبقت علي الذراع بفكيّ النهمين. كانت انيابي منغرسة في شرايين حياتها، ودمها يندفع بقوة في جسدي.. غادة بدأت تترنح من الاعياء.. تتلاشي.. تطاير اثرها وابيض سواد مظهرها كغمامة فوق الرؤوس. امطرت الارض بالانين وبالتفاتة سريعة من عيني الذئب في وجهي لم تعد غادة موجودة امامي.. انا ثمل بنشوة الغياب.. غادة الان لذة دائمة في ذاكرتي.. ولا شيء غير اللذة.. كاتب من العراق