الانتخابات العراقية القادمة واحتمالات المستقبل العراقي

حجم الخط
0

لم تتبق الا اشهر قليلة تفصلنا عن الانتخابات البرلمانية العراقية القادمة قد لا تتجاوز الاربعة اشهر، ورغم التحركات السياسية المتعددة والمحمومة لساسة العراق، الا انه لازالت قراءات المستقبل السياسي العراقي ضبابية وغير واضحة لانها غير مقرونة بأية ادلة علمية. ففي استطلاع للرأي العام العراقي اجري في نهايات 2010 اعد من قبل معهد الدوحة للبحوث بعنوان استطلاع المؤشر العربي، الذي انجز بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية في 7 اذار/مارس 2010، وشمل هذا الاستطلاع اكثر من اربع عشرة دولة عربية كان من ضمنها العراق، وكانت نتائج العراق مذهلة ومفاجئة، حيث اجاب معظم العراقيون على سؤال يقول لاي الاحزاب سوف تصوت ان اعيدت الانتخابات؟ فكانت النتائج تظهر ان اكثر من 69′ من العراقيين يقولون انه لا يوجد اي حزب يمثلنا. اما بقية 31′ من العراقيين فتوزعت اجاباتهم على رفض الاجابة وعلى بقية الاحزاب التي شكلت الحكومة العراقية في 2010.
ان هذة النتيجة التي ظهرت بعد اشهر من انتهاء انتخابات العراق البرلمانية في 2010 تثبت لنا ان العراقيين تغيرت اراؤهم تجاة الطبقة السياسية التي صوتوا اليها بسرعة غير منطقية، وان هذا التغير السريع في الرأي العام يدلل على الفشل الذريع لساسة العراق في ادارتهم للبلاد، ويدلل ايضا على تخلي الاحزاب العراقية عن وعودها حتى دعائيا، مما ادى الى هذا التراجع السريع في الرأي العام العراقي. واذا قمنا بتحليل هذة النتيجة علميا ووضعنا نصب اعيننا كيف ان العراق يسير نحو الاتجاة الخطأ في كل المجالات، الامنية والاقتصادية والسياسية، وفقا لاستطلاعات رأي عام اجرتها مؤسسات دولية مرموقة، فكيف ستكون اتجاهات الرأي العام العراقي الان؟ لقد اثبتت التجارب السياسية السابقة، ان الاحزاب السياسية والقادة السياسيين المعتمدين كليا في سياستهم على قوى الخارج، قادة فاشلون وضعفاء، ولن يتمكنوا من النجاة ولن يستطيعوا ان يعبروا ببلدانهم الى بر الامان والتقدم ونهايتهم ستكون مأساوية.
فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق تهاوت الانظمة الاشتراكية بسرعة تهاوي لعبة الدومينو، وتحطم جدار برلين بطريقة صدمت العالم، ولم تتمكن القوة العسكرية والبوليسية من حماية انظمتها في رومانيا وفي بعض الدول الاشتراكية، رغم جذور وعمق هذه الانظمة وقوة دعايتها السياسية، لكنها تحطمت بتحطم القوة الداعمة التي كان يمثلها الاتحاد السوفييتي السابق.
وعلى الرغم من صعوبة اجراء مقارنة دقيقة بين العراق الذي يزخر بقادته الذين يصولون ويجولون بين عواصم العالم متنقلين بين انقرة وطهران للحصول على الدعم، يبدو ان قادة العراق يدركون جيدا ان الرأي العام العراقي اصبح رقما صعبا امامهم وانهم لن يستطيعوا اقناع الرأي العام باعادة انتخابهم مرة اخرى، لذا فانهم اقروا قانون انتخابات رديئا يعيد تكرارهم، ومصدر قوتهم الاضافي والوحيد، مباركة العاصمتين الداعمتين لمصالحهما في العراق، انقرة وطهران. ومن يتابع الصورة السياسية العراقية اليوم ويرافق قادة العراق يصل الى تحركات لا تنم الا عن جهل سياسي بالسياسة وعلمها، حيث الزيارات المكوكية لكل من تركيا وايران، ثم تلت ذلك زيارة رئيس الوزراء العراقي الى واشنطن طالبا الدعم في مواجهة تنظيم القاعدة، ومباركة الولاية الثالثة، حسبما نشر، الا انه قطع زيارته وعاد، ويبدو انه لم يجد ما يريد في العاصمة الامريكية واشنطن.
ان الاحتمالات التي يتوقعها اكثرية المحللين لمستقبل العراق بعد
الانتخابات القادمة، هو تحالف المالكي النجيفي، الذي ان تحقق فانه لن يستطيع ان يصمد، لانه سيظهر للعراقيين على انه تكرار للحالة الحالية التي منتجاتها (الف ضحية عراقية شهريا حسب تقارير الامم المتحدة وتاسع افشل دولة عالميا وستة مليون عراقي تحت خط الفقر ومن افسد الدول عالميا حسب تقارير الشفافية الدولية، اضافة لفشل قطاع الخدمات والصحة والتعليم، وتراجع الوضع الاجتماعي للمرأة وتدني حقوق الانسان).
اما الاحتمال الثاني الذي يتوقعه عامة المحللين فهو تغير رئيس الوزراء من داخل التحالف الوطني الشيعي وايجاد بديل من خلال تحالف الحكيم الصدر وتحالفهما ايضا مع النجيفي، وبالتالي فهو سيكون صورة مكررة من الاحتمال الاول، الذي لن يصمد امام الحراك العراقي الهائج والقادم.
الاحتمال الثالث هو ظهور بدائل غير طائفية، وهو احتمال بناء وتأسيس تحالف لحركة سياسية غير طائفية، باعادة تحفيز القائمة العراقية التي فازت في الانتخابات السابقة بصورة جديدة تحت اطار حركة مدنية جديدة وبمسمى جديد، ومن الممكن ان تتحالف مع قائمة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر. ان الائتلاف المذكور سيكون غير طائفي من الناحية النظرية حيث كان لمقتدى الصدر حضور واسع لدى العرب السنة، بسبب موقفه الوطني القوي ومقاومته للاحتلال ومعارضته الواضحة للفيدرالية وتضامنه الصريح مع السنة في اوقات الازمة. هذا الائتلاف ممكن ان يعطي لاياد علاوي الزعيم الشيعي المقبول سنيا داخل العراق، والمقبول لدى الغالبية السنية في دول المحيط العربي، فرصة الفوز من خلال فكرة (الانتماء العربي) التي تستطيع ان تتغلب على الهوية الطائفية والدينية من خلال تحالف الصدريين والاحزاب العربية السنية المعتدلة تحت مظلة اياد علاوي. هذا الاحتمال قائم لان ايديولوجية الصدر ليست طائفية وان هذا التحالف بحاجة الى جهود مضنية وادوار كبيرة وهو بحاجة الى عنصر مهم الا وهو العامل الاقليمي والدولي لانجاحه، فهناك قوى اقليمية لاعبة هي واشنطن ـ طهران ـ انقرة، ويبدو ان واشنطن متأرجحة في الرأي وهي في وضع المراقب ولم تتخذ قرارها بشأن لمن سيكون دعمها.
اما طهران فهي بالتاكيد لا تريد خسارة حلفائها في العراق، ولكن هي الان غارقة في المأزق السوري الذي تورط فيه حزب الله ايضا، بالتالي فانها تحت ضغوط شديدة يمكن استغلالها، خاصة بعد المفاوضات النووية التي تسعى ايران من خلالها لفك الخناق الذي اهلكها اقتصاديا. يبقى الدور التركي، وهو الدور البراغماتي المصلحي المبني على المصالح اكثر من الايديولوجيا، وبالتالي فان على العرب التحرك لدعم هذا التحالف المنقذ للعراق، من خلال التحرك على العواصم المؤثرة، مثل واشنطن وانقرة، ومن خلال الدخول عربيا في العراق محاولين تأييد مقتدى الصدر ودعوته.
ورغم ذلك فان الاحتمالين الاول والثاني الذي يتحدث عنهما بعض المحللين السياسيين، اللذين يسعى اليهما منذ الان بعض الساسة، وهما تحالف النجيفي المالكي او النجيفي التحالف الشيعي، لن يتحققا عمليا وذلك لاسباب عدة اولها تراجع شعبية المالكي لادنى مستوياتها، اما بالنسبة للنجيفي فمركز فوزة السابق كان مدينة نينوى التي تمتاز بحجم سكاني كبير وفيها اغلبية ضباط الجيش العراقي السابق، الذين صوتوا في الانتخابات السابقة للنجيفي لانه ابن مدينتهم ولانه متحالف مع علاوي الذي لديه شعبية كبيرة لدى اغلبية ضباط الجيش السابق. اما الان فان شعبيته تراجعت في نينوى لادنى مستوياتها لعدة اسباب منها انه تقرب من المالكي غير المقبول في الموصل وثانيا لانه بدأ يبتعد عن حليفة علاوي المقبول موصليا جدا، واخيرا بسبب تردي الاوضاع الخدمية والامنية في مدينة الموصل، خاصة ان اخاه اثيل النجيفي من يدير المحافظة منذ سنوات ولم يستطيع ان يغير الواقع المرير للمدينة، لذا فقد يصدم النجيفي بنتائج الانتخابات القادمة وقد يصدم معه الحلفاء المنتظريين له وهذه النتائج لا يتوقعها السياسي ولكن ممكن ان يتوقعها الخبير العلمي.
ان الرأي العام العراقي وصل الى اعلى درجات الرفض والتطرف، الا ان محاولات الاكراه السياسي من خلال فرض رؤى وقوانين مجحفة واعلام سائد مروج للطائفية السياسية تغير النتائج الشعبية قد زادت الضغط على الجماهير، وهذا قد يؤدي الى ثورة شعبية قادمة بدأت بوادرها تظهر من خلال الكثير من المؤشرات الجماهيرية، فلاول مرة ومنذ عشر سنوات على رحيل النظام السابق يظهر لنا عبر وسائل الاعلام المرئية، كربلائيين من مدينة كربلاء المركز الشيعي العالمي لشيعة العالم، وليس العراق فحسب، ناقمين على الحكومة، وهم يهتفون بحياة الرئيس الراحل صدام حسين، تعبيرا عن سخطهم على الواقع المزري وتحديا للسلطة الحالية. ومن المؤشرات الاخرى والمهمة التي ظهرت خلال الشعائر الحسينية واثناء المشاركة فيها، هتاف المشاركين بشعارات مناوئة للسلطة والفساد ومضادة للحكومة وكانت شعارتهم مشابهة في مضمونها لشعارات المتظاهرين في ساحات الاعتصام في محافظة الانبار، ويبدو ان هناك رأيا عاما عراقيا موحدا بدا يظهر في كل مناطق العراق بدون استثناء، وان هذا
الرأي العام ان لم يحقق اهدافه من خلال الانتخابات القادمة فسوف يأخذ حقة بطريقة اخرى، وقد اتنبأ لكم بثورة شعبية عراقية قادمة غير معلومة العواقب.

‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية