ما خلا فلسطين… ديمقراطيات بلاد بوش علي قدم وساق!

حجم الخط
0

ما خلا فلسطين… ديمقراطيات بلاد بوش علي قدم وساق!

صبحي حديديما خلا فلسطين… ديمقراطيات بلاد بوش علي قدم وساق!البروفيسور فؤاد عجمي، الأمريكي اللبناني الأصل وأستاذ الدراسات الشرق ـ أوسطية في جامعة جونز هوبكنز، متفائل علي نحو مطلق بما يفعله الرئيس الأمريكي في العالم العربي منذ غزو العراق، حتي أنه لا يتردد في إطلاق تسمية بلاد بوش Bush Country علي تلك الأصقاع الممتدّة من المحيط إلي الخليج، بل ويتبني كناية أخري صاغها صديقه الكويتي: جورج بوش أطلق تسونامي في هذه المنطقة ! وفي محاضرة بعنوان خريف الأوتوقراطيين ، ألقاها في معهد هوفر ثمّ نشرتها فصلية Foreign Aairs، قال عجمي: أن توغل في قلب العالم العربي، كما فعلتُ مؤخراً طيلة أربعة اسابيع في قطر والكويت والاردن والعراق، يعني أن تسافر في بلاد بوش. لقد التقيت بأناس من كلّ البلدان العربية تقريباً، وأصغيت إلي نقاش كبير حول إمكانية الحرية والتحرر ، قبل أن يجزم علي النحو الدراماتيكي المألوف بأنّ الربيع الذي يعيشه العالم العربي شبيه بـ ربيع الشعوب الذي عاشته أوروبا بعد ثورة 1848، التي اندلعت في فرنسا ثمّ انتقلت إلي مختلف أصقاع اوروبا انتقال النار في الهشيم!هذا التفاؤل المطلق الذي خيّم علي مزاج البروفيسور أواسط العام الماضي كان، علي الأرجح، نابعاً من تقديراته لحال الربيع العربي بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وعلي أعتاب تقرير ميليس الأول، وقبيل الانتخابات التشريعية في مصر والعراق، وتصويت البرلمان الكويتي علي منح النساء حقّ الترشيح والانتخاب. وكان، بالطبع، تفاؤل ما قبل النكسات التي توالت علي أكثر من صعيد، حين لاح أنّ البروفيسور ينفخ في قربة مثقوبة وهو يناشد إدارة بوش أن تراهن بالمطلق علي ربيع العرب. وكان، كذلك، قبل أن يتضح لكلّ ذي بصيرة أنّ البيت الأبيض لم يتخلّ تماماً، ولعلّه لم يتخلّ إلا قليلاً فقط، عن السياسات القديمة في التعاطي مع الحكام وليس مع الشعوب، وفي ترجيح كفة الإستقرار الذي تضمنه الأنظمة علي كفة الفوضي البناءة التي قد تخلقها الشعوب في صراعها من أجل الحرّية وإسقاط الإستبداد… وكان هذا قبل الفوز الكاسح الذي أنجزنه حماس في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية! لا البروفيسور يبدو سعيداً بهذه الإنتخابات الحرّة النزيهة الفريدة التي لا سابقة لها في تاريخ العرب المعاصر، ولا جورج بوش صاحب الديمقراطية التسونامية علي يقين من أنّ هذا هو طراز الإعصار الذي يريد إطلاقه في أرجاء العالم العربي. رُفعت الأقلام، وجفّت الصحف! وأقصي ما أنعم به بوش علي الشعب الفلسطيني، بعد إقرار سيّد البيت الأبيض بأنّ التصويت كان سليماً ديمقراطياً بشهادة زميله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، هو تجريد النتيجة من أيّ محتوي سياسي: لقد صوّتوا ضدّ فساد السلطة، وليس لصالح حماس ! وأمّا البروفيسور فهو في حيص بيص، أعانه الله، لأنّ تسعة أعشار الأرصاد السياسية التي أذاعها جاءت الأيام بنقيضها: في العراق، وفي لبنان، وفي مصر، وفي فلسطين…نتذكر، في السياقات ذاتها، أنّ اهتداءه إلي إمكانية الديمقراطية العربية مسألة طارئة تماماً علي تفكيره، هو الذي كان يبشّر بالعكس علي طول الخطّ! إنه صاحب القول الشهير: الديمقراطية ستظلّ دائماً قضية خاسرة في العالم العربي، وعلي العرب نسيان موضوع الديمقراطية لأنهم ليسوا جديرين بها، وهي ليست مرغوبة هناك علي أية حال . وصاحب القول الآخر الذي لا يقلّ شهرة: أنا لم أكن أبداً إلي جانب إجراء انتخابات ديمقراطية في أي قطر عربي أو إسلامي، لأنّ المعركة تكون دائماً بين الدولة في جانب، والأصوليين في جانب آخر . ومع ذلك، في وسع المرء أن يمنح البروفيسور فضيلة الشكّ، عملاً بالحكمة الشائعة: جلّ مَن لا يخطئ، في انتظار تبرير ما يجعله اليوم واثقاً من ديمقراطيات بوش في مصر والعراق والكويت والسعودية ولبنان ومعظم بلاد بوش هذه، وحائر في ديمقراطية واحدة وحيدة تستعصي علي أرصاده السياسية، أي الانتخابات الفلسطينية.كتاب عجمي الشهير قصر أحلام العرب ، 1998، يستعير عبارة العنوان من ت. إ. لورانس (أو لورانس العرب في التسمية الأكثر شيوعاً ومغزي)، ومن كتابه الأشهر أعمدة الحكمة السبعة . وفي الأصل (أي قبل نحو ثمانية عقود!) كتب لورانس يصف طموحه الهادف إلي صناعة أمّة جديدة ، وإلي منح عشرين مليوناً من الساميين الركائز التي يشيدون عليها قصر أحلام مستلهم، يحتوي أفكارهم الوطنية . وساعة تأليف الكتاب، عندما كان القرن يجرّ أذياله الأخيرة، اعتبر عجمي أن العرب لم يكونوا بحاجة إلي رجل مثل ت. إ. لورانس لكي يحثهم علي تشييد قصر خاص بأحلامهم: في المتاريس كما في الأكاديميات، وفي مدن العالم العربي الرئيسية ـ بيروت، بغداد، دمشق، القاهرة ـ بني العرب قصر الأحلام الخاص بهم، وأرادوا أن يكون صرحاً فكرياً للقومية العلمانية والحداثة .ولكن أني لهم ذلك والرياح جرت وتجري بما لا تشتهي سفن العرب!هذه أمّة تبدأ طورها القومي في مطلع القرن التاسع عشر تارة، وفي عشرينات وثلاثينات القرن العشرين طوراً. عالمها القديم الكلياني ينقطع عام 1967 (ولكننا لا ندري من أين بدأ: من الفرس البارثيين والساسانيين، أم من المكدونيين والرومان والبيزنطيين والفرس مرة أخري، أم من المغول والصليبيين والأتراك السلاجقة والأتراك العثمانيين والتركمان، أم من الاستعمار الفرنسي والبريطاني والإسباني والإيطالي…). وهذه أمّة استهلكت جميع أساطيرها لتعيش الآن علي الفوضي. والمجتمع، سواء في معناه التجريدي أو في مستوياته التاريخية العيانية، يغيب تماماً عن هذه الأمّة التي يضعها البروفيسور علي مشرحته العجيبة. ليس ثمة بشر وشعب وطبقات وصراعات وعالم ودول إمبريالية وتاريخ كولونيالي. حتي الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982 يضنّ عليه عجمي بوصف الغزو ، ولا يستخدم في تسميته سوي مفردة واحدة: الحملة !وفي الفصل المعنون القدّيسون والدنيوي ، والذي يخصصه عجمي لمصر والمصريين، يبرهن عجمي أنّ البروفيسور ذا الاصل العربي هو وحده القادر علي التحلّي بشجاعة القول إن أنور السادات وقاتله خالد الاسطنبولي كما يسمّيه، وليس الإسلامبولي كما هي الكنية الحقيقية، هما وجهان لعملة مصرية واحدة: الأول توأم للثاني. كيف؟ هنا فلسفة عجمي في تركيب هذه التوأمة: إن تاريخ مصر، وهويتها تحديداً، علي قدر من السيولة يكفي لاستيعاب الحاكم المراوغ الذي ابتلع كبرياءه بقصد التعامل مع اسرائيل والولايات المتحدة، وكذلك لاستيعاب القاتل الذي روّعه الثمن الثقافي المدفوع لقاء الصفقة. وبمعني ما، السادات والإسطنبولي توأمان .ولأن البروفيسور تمرّس طويلاً في تقنيات اللعب الأكاديمي، فإنه يتكئ علي الكثير من المداميك السوسيولوجية ليقول إن خالد الإسطنبولي (الإسلامبولي) هو بكل المعاني ابن ثورة الضباط الأحرار التي قادها جمال عبد الناصر عام 1952، ووالده اختار له هذا الاسم تيمناً باسم الابن البكر للرئيس. حين وقعت هزيمة 1967 كان الفتي في العاشرة من العمر، و كانت ثورة عبد الناصر قد تكشفت عن الكثير من الصخب والعنف والوهم، وحياة الاسطنبولي لم تكن سوي مرآة لدوّامة البلد .ورغم أن فؤاد عجمي يقتبس حقيقة أن خالد الإسلامبولي لم يكن أصولياً بالولادة، أي أن خياراته العقائدية لم تولد معه كما تولد العلامة الفارقة، فإنه يغمغم كثيراً دون أن يشدد علي حقيقة أخري طبيعية واجتماعية ـ سياسية، مفادها أن صعود الحركات الأصولية لم يأت من فراغ لينتهي إلي فراغ، وأنه سيرورة تجرّ وراءها خلفية تاريخية معقدة، مثلما تندفع إلي الأمام بتأثير محرك أكبر راهن هو عجز البرامج السياسية للأنظمة العربية، ومحرّك أصغر موروث هو التعطيل الكولونيالي والعطالة الذاتية علي المستوي الثقافي والحضاري حيثما نهض برنامج اسلامي. كذلك يتجاهل البروفيسور أن الولادة العقائدية لأمثال الإسلامبولي لم تكن قيصرية، بل طبيعية ومنطقية وتاريخية.والحال أنّ ما يُسمّي بـ صعود الأصولية الإسلامية عبر صناديق الإقتراع، كما في مثال الجزائر وفلسطين ومصر، لا يبدو شبيهاً في المنطوق الغربي بصعود القوي الإسلامية في انتخابات العراق مثلاً، أو حصراً ربما، وهي المفارقة الصارخة التي تكذّب ما تصنّفه رطانة المصطلح السياسي في باب يقين التكهن ، حيث كانت قيادة حماس نفسها في عداد مَن باغتتهم نتيجة الإنتخابات المفاجئة. وهي، كذلك، مفارقة تذكّر بأن الماضي القريب يظل أشبه بالحاضر الراهن ما دامت نتائجه لا تكذّب الماضي، وما دام صندوق الإقتراع يتيح للمقترع أن يعاقب أهل الماضي دون أن يكون واثقاً تماماً من فضائل اهل المستقبل. وهكذا، دونما غوص في تفاصيل التاريخ القريب لوأد التجربة الإقتراعية الأولي في الجزائر، ثمّ ما أعقبها من إراقة دماء وتخريب هياكل اجتماعية وسياسية واقتصادية، واستبدال الخطاب الأصولي لأمثال عباسي مدني بالسلاح الأبيض لإرهاب أعمي لا يجيد فنون الخطاب قدر إجادته ذبح الأبرياء، يظلّ من الثابت أن انتخابات الإسلاميين هذه الأيام لا تجبّ عواقب انتخابات تلك الأيام.الأرجح أنّ خطّ التفكير الرسمي الأمريكي ما يزال يعتمد المقولة العتيقة التي تري أنّ الأصولية المعتدلة خرافة غير موجودة. هذه هي نظرية إدوارد شيرلي، الذي ذهب إلي حدّ لوم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لأنه كان يأمل في فتح حوار مع المسلمين الراغبين في الإلتزام بقواعد الشعوب المتمدنة ، والذي تساءل في المقابل: ماذا استفاد مهدي بازركان، رئيس الوزراء الأسبق في إيران، من الحوار مع مستشار الأمن القومي زبغنيو بريجنسكي سنة 1979، في الجزائر بالذات، للمفارقة؟ لقد ساهم اللقاء في تسريع سقوطه، هو ونفر المعتدلين علي اختلاف مشاربهم، وكانوا سيسقطون عاجلاً أم آجلاً في كل حال، والثورة الإيرانية لم تنقلب إلي ثورة يعاقبة لأنّ الولايات المتحدة فشلت في إقامة صلات وثيقة مع المعتدلين.معضلة هذا الخطّ هو البحث عن تلك الصيغة السحرية الوسيطة بين معادلة السيطرة علي صندوق الإقتراع خارج أيّ تكهن عقلاني، ومعادلة السيطرة علي الشارع الشعبي الذي لا يتحرّك دائماً وفق القوانين الحسابية المألوفة، ومعادلة إخضاع الديمقراطية التسونامية لمقتضيات المصالح والسياسات العليا للدول راعية الأعاصير. الارجح أنّ هذا ما يحدث اليوم في تقييم فوز حماس : كيف ولماذا تمكنت الحركة من اجتياح أيقونة الديمقراطية، أي صندوق الإقتراع، علي هذا النحو غير المنتظَر أبداً؟ وكيف ولماذا فشلت فتح ـ التاريخية العلمانية العرفاتية… ـ حتي في الحفاظ علي حجمها السياسي كما كانت تؤكده الحسابات؟ وهل يكفي أن تكون بعض قيادات فتح فاسدة لكي ينزل بها الشارع الفلسطيني كلّ هذا العقاب الشديد؟ أم أنّ المحاسبة علي الفساد هي، أوّلاً، عقاب علي فساد السياسات قبل فساد الذمم؟ وكيف ولماذا يتوجب أن تتحوّل حماس ، أو تنقلب بالأحري، من غول ، أصولي ، إرهابي ، متشدد …، إلي فريق يعاقبة قادر علي الإنخراط في لعبة سياسية من أيّ نوع، مع الغرب أوّلاً… ومع إسرائيل أوّلاً وآخراً!ليس عجيباً أن تنتهي الإجابات علي معظم الأسئلة السالفة إلي نقيض ما بشّرت به الإدارة الأمريكية من أعاصير ديمقراطية، أي إلي نقض المبدأ الديمقراطي ذاته، وبالتالي العودة بأرصاد أمثال فؤاد عجمي إلي الدرجة صفر: حيث التكهن يقول إنّ كلّ شيء وارد!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية