الحكام العرب… بين الكرامة والخضوع

حجم الخط
0

يرى المهاتما غاندي أن قمة الشجاعة وأعلى أشكال النضال هو أن نقابل العنف باللاعنف، لكنه في الوقت نفسه يعتبر ألا شيء يجلب الخزي والعار والذل والهوان للإنسان أكثر من الخوف والجبن. وكان يعتقد أن من الأفضل للفرد اللجوء إلى العنف من أن يكون جبانا، أو بأن يسمح لأي مخلوق ان يمس كرامته. وفي الثقافة العربية هنالك أكثر من تعريف لمعنى الكرامة، ولكن جميعها تصب في بحر عزة النفس وإبائها وشموخها وشرفها ورفضها للذل والهوان بأي شكل من الاشكال. كما قال عبد الرحيم محمود الشاعر الفلسطيني الذي استشهد في معركة الشجرة في 13 حزيران/يونيو عام 1948:
سأحمل روحي على راحتي .. وألقي بها في مهاوي الردى
فإمّا حياة تسرّ الصديق .. وإمّا مماتٌ يغيظ العدى
ونفسُ الشريف لها غايتان.. ورود المنايا ونيلُ المنى
وهنا أتوجه بسؤال للزعماء العرب إذا ما كانوا يدركون معنى الكرامة وهل تربوا على ممارستها أو نهلوا من منابعها. هل استوعبوا بأن الحريـة تحتـاج فقط الى عقلٍ يدرك معنى الكرامة.. وهل تعلموا أن الكرامة هي أعلى القيم الاسلامية، بل البعض يقول ان كرامة الإنسان في الإسلام تحمل روح القداسة، لأن مصدرها هو الله تعالى حيث يقول في سورة الإسراء: ‘ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا’.
فما هو مفهوم الكرامة لديكم أيها الزعماء؟ هل أنتم من الذين يحافظون على كرامتهم أكثر من حفاظهم على حياتهم.. أم أنتم من الذين يضحون بكرامتهم في سبيل الجلوس على كراسيهم من أجل الاستمرارية في الحكم. وهل تعتبرون أن كرامة شعوبكم وحماية الأوطان هي امتداد وجزء لا يتجزأ من كرامتكم؟
لو نظرنا لقيادات العالم العربي اليوم لرأيناها عاجزة عن حماية مصالح أوطانها الاستراتيجية أو توفير حياة كريمة لمواطنيها.. وأن هناك تخبطا في قرارتها، فمنها من سارع الى التنازل عن مخزون بلاده من السلاح الكيماوي الرادع، ومنها من تردد بقبول عضوية مجلس الأمن وذلك بعد أن سعى جاهداً للحصول عليها.. ومنها من يعتبر ان قطاعاً كبيراً من أبناء شعبه إرهابيون. فهناك قيادات تناور وأخرى تهادن وأخرى تقتل وتشرد مواطنيها، وأخرى تجزئ وطنها وأخرى تنسق أمنيا مع عدوها وتساهم باقتلاع شعبها من أرضه…الخ
في عام 2012 انفقت دول مجلس التعاون الخليجي على أمنها وتسليح جيوشها نحو 91 مليار دولار، وهذا يعادل أكثر من ستة أضعاف ما أنفقته اسرائيل وعشرة أضعاف ما أنفقته ايران، ورغم هذه الميزانيات الضخمة فان قيادات دول الخليج العربية ما زالت تستجدي الغرب لحماية أمنها واستمرارها في الحكم.. بل الأدهى من ذلك أن بعضها كما قيل تستجدي اسرائيل لتحميها من إيران. من الواضح أنها غير قادرة على حماية عروشها، بل هي مرعوبة وتتخبط في سياساتها. فيا ترى ما سبب هذا العجز والهوان؟… هل قامت هذه القيادات فعلا بتطوير استراتيجية دفاعية تتمحور حول كرامة المواطن، بتعليمه وخلق بنية تحتية توفر له عوامل النجاح وتساعد على انخراطه في مجتمعه وفشلت!.. أو هل نفذت استراتيجية دفاعية موحدة ينضوي تحتها، بل تنصهر فيها جيوش المجلس الستة في منظومة حربية متكاملة وفشلت! لا، بل تبنت استراتيجية دفاعية تتمحور حول سلخ المواطن من منظومة صنع القرار وترويضه على الانصياع لأولي الأمر.. وتبنت استراتيجية دفاعية ركائزها شراء وتكديس الأسلحة ومناورات تكتيكية.. بل انها ربطت أمنها وكرامتها بسياسات جبر الخواطر.. وباللهاث حول تصنيفها من الدول العشر الأوائل أو العشرين أو الثلاثين على حسب مدخول الفرد.. والابتهاج باختــــيار أحد القـــــادة ضمن الشخصيات العشر الأوائل الأكثر تأثيرا في العالم. فلو سلمـــــنا جدلا أن هذا صحيح ولو سلمنا أيضا على الأقل وحسب الموقف الرسمي أن القضية الفلســــطينية، خاصة القدس والمَسجـــِدُ الأَقصى تتصدر سلم أولوياته فلماذا نعجز عن حلها؟ ونستذكر هنا خطاب الشاعر الفلسطيني عبدالرحيم محمود قبل حوالي 80 سنه امام الأمير سعود ولي عهد السعودية آنذاك قال فيه:
يا ذا الأَميرِ أَمامَ عَينِكَ شاعِرٌ ضُمَّت عَلى الشَكوى المَريرَةِ أَضلُعُهْ
المَسجِدُ الأَقصى أجئتَ تَزورُهُ أَم جِئتَ مِن قَبلِ الضَياعِ تُوَدِّعُهْ
فلو أمعنا قليلا بسياسات إسرائيل وإيران وتركيا وقدراتها على فرض سياسة الأمر الواقع، وسألنا أنفسنا عن القاسم المشترك بين هذه الدول الثلاث، لوجدنا أن الاجابة بسيطة إذ أنها تتميز ببعد النظر ورؤية مستقبليه واضحة.. وقد أثبتت قياداتها كفاءة عالية في ادارة شؤونها والتعامل المرن مع الظروف المستجدة. ولو سألنا عن القاسم المشترك بين قيادات الدول العربية لوجدنا أن الاجابة بسيطة تتلخص بانعدام رؤية مستقبلية، وايضا ان بعض هذه القيادات تمثل طابورا خامسا، لا بل أدوات لتنفيذ رؤى لقوى معاديه كالغرب واسرائيل. ولوجدنا ايضا ان هناك تخبطا اداريا وفسادا ماليا ناهيك عن احتكار كامل من مجموعة صغيرة لعملية صنع القرار. ولوجدنا أن القرارات تتخذ معظم الأحيان على أساس من المعايير العشوائية وغير واضحة المعالم، التي بدورها تسبب الاحباط عند المواطن وتمنع انخراطه في بناء اقتصاد منتج مستدامن فيكرس جُل طاقاته بتنشيط الاقتصاد الريعى قصير الامد وغير المستدام.
لقد تمكنت إسرائيل منذ إنشائها من تطبيق سياسة الأمر الواقع وفرضت على الدول العربية تقديم التنازلات مرة تلو الأخرى. سياسة الأمر الواقع التى تنهجها إسرائيل تتمثل في تجذير سرطان الاستيطان وتوسيع المستوطنات وتهويد القدس.
الجميع يعلم أن إسرائيل استخدمت اتفاقية أوسلو لنهب المزيد من الأراضي الفلسطينية، وأن المفاوضات العبثية تمكن إسرائيل من بناء المزيد من المستوطنات والاستيلاء على معظم موارد الضفة الغربية المائية. وهكذا تفرض اسرائيل واقعا جديدا، مما يرغم السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس على تقديم المزيد من التنازلات، متسترة خلف مقولة ان السياسة هي فن الممكن، وهذا بدوره يجعل اسرائيل تتمادى في عجرفتها وتعنتها ومطالبها التعجيزية، كيهودية الدولة وحق السيطرة على مناطق الغور ومن ثم تجر السلطة الفلسطينية للتنازل وهكذا دواليك.
فهل تستطيع السلطة الفلسطينية مقاومة فرض سياسة الأمر الواقع وعدم تقديم تنازلات جديدة؟ أنا أرى أنها لن تستطيع، وذلك لعدم وجود رؤية جامعة لكل الفلسطينيين ولاستمرار الصراعات الفئوية التكتيكية وتغليبها على المصالح الوطنية الاستراتيجية. وأيضا لغياب أو لعدم تفعيل العمق الاستراتيجي العربي والاسلامي بشكل بناء، وفق رؤية شاملة حيث لم يبق غير النحيب والشجب ومطالبة المجتمع الدولي بالضغط.. ففي افتتاحية احدى الصحف العربية بمناسبة زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للمنطقة نقرأ..’أدانت المملكة قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بناء 1500 وحدة استيطانية جديدة في مدينة القدس المحتلة، وأكد مجلس وزراء المملكة، خلال مناقشته، مستجدات الأحداث وتطوراتها في المنطقة والعالم، والجهود العربية والدولية بشأنها، ان هذه القرارات ‘تشكل عائقا أمام السلام وانتهاكا صارخا لقرارات الشرعية الدولية، كما تشكل اعتداء سافرا على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني’، مجددا مطالبة المملكة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل ووقف تماديها في انتهاك القوانين الدولية، وسعيها المستمر لتغيير الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة’. أهكذا تؤكل الكتف يا حكام العرب؟
لقد أثبت قادة تركيا وإيران كفاءة نادرة في ادارة شؤون بلدهما مقارنة مع أداء قادة البلدان العربية المجاوره كالعراق وسوريا. فالعراق معرض لكارثة بيئية حتماً ستقضي على قطاعه الزراعي وذلك بعد أن عجزت حكومة المالكي من الحفاظ على حقوق العراق المائية. هنالك أصوات تدعو الجامعة العربية لإيجاد الحلول اللازمة لإنقاذ العراق وللضغط على تركيا لإبرام اتفاقية تضمن للعراق حقوقه المائية. في 2011 رفضت الحكومة العراقية التوقيع على اتفاقية اقتصادية مع تركيا حتى تضمن لها حصة مائية محددة. ويعتبر العراق أن مشاريع السدود المائية التي تقيمها تركيا السبب الرئيسي وراء شح مياه دجلة والفرات، لكن تركيا تنفي ذلك وتؤكد أن المشكلة هي في تزايد ظاهرة الاحتباس الحراري. فواضح للعيان أن إستراتيجية القيادة العراقية تتمحور حول الشجب والضغط والرفض، لكن بوجود مشروع لتقسيم العراق يضطلع بتنفيذه طابور خامس ذكي وبسبب حالة الوهن في عمقه الاستراتيجي العربي أشك في نجاح هذه المحاولات. والمجال هنا ضيق لتسليط الضوء على عجز قيادات عربية أخرى كتهاون القيادة المصرية في ادارة مصالحها المائية الإستراتيجية الخô وعن نجاح وكفاءة ومرونة القيادة الايرانية في ادارة الملف النووي وتوسيع نفوذها الاقليمي.
هنا أنا لا ادعو القادة العرب لأن يلقوا بأنفسهم وبشعوبهم الى التهلكة وإنما ادعوهم الى تبني رؤية حية واعية وصادقة وغير معقدة يكون عنوانها الأول والأخير كرامة المواطن لقداسة كرامة الانسان عند الله وذلك أضعف الايمان. إن الاستبداد والقمع وغياب العدالة والحرية يسلخ الشعوب عن حكامها مما يؤدي الى ضعف البنية الداخلية للأوطان ويجعلها عرضه للأخطار الخارجية. المواطن بحاجة الى بنية تشريعية تحتضن العدالة وقضاء مستقل ومتمكن يقوم بمحاربة الفساد وكذلك لإعلام حر ناضج محصن من التحكم السياسي والأمني في آلياته ورجال دين صادقين ومخلصين عندها فقط تستطيع شعوبنا وقياداتها حماية اوطانها والعيش بكرامة.

‘ استاذ جامعي في الولايات المتحدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية