الروائي الجزائري عبد العزيز غرمول: العالم لا يشعر بألم الإرهاب وخطورته إلا حين يمس دولة في حجم الولايات المتحدة
الروائي الجزائري عبد العزيز غرمول: العالم لا يشعر بألم الإرهاب وخطورته إلا حين يمس دولة في حجم الولايات المتحدةالجزائر ـ القدس العربي : عبد العزيز غرمول كاتب قصة ورواية من جيل السبعينات ولكنه بدأ نشر أعماله في التسعينات تقريبا، وعندما نطلع علي مجموعاته القصصية التي صدرت تقريبا في فترة واحدة رسول المطر سماء الجزائر البيضاء نعرف لماذا تأخر نشر أعماله إلي غاية ما بعد 88 الفترة التي انتقلت فيها الجزائر من النمط الأحادي للتعددية، فكأنما نصوص غرمول كانت بعيدة عن موجة الخطاب الاشتراكي الذي كان قوي الحضور علي الساحة الأدبية، ويفرض علي الأدباء صفة التقدمية أو الرجعية علي من يشاء، ولربما لو نشر غرمول نصوصه في السبعينات لعد من منطلق تحرره التام من الايديولوجيا المباشرة إلي بورجوازي رجعي متخلف، ومؤخرا أصدر رواية بعنوان زعيم الأقلية الساحقة ثم تلاها بأخري عام 11 سبتمبر وكانت له تجربة مع الرواية في بداية التسعينات من خلال مقامة ليلية هنا حوار في مسار الكاتب وتجربته. لنبدأ من البداية، كيف جئت لعالم الكتابة؟ هل كنت تتصور نفسك ستكتب في يوم من الايام..؟ جئت عالم الكتابة من الصمت، أو بكلمة أدق من اللا تعبير. في طفولتي التي عشتها بامتلاء واكتفاء، عشتها وحيدا تقريبا بأقل ما يمكن من أصدقاء وأتراب، ولكن بأكثر ما يمكن من كتب ومعلومات. كانت مكتبة والدي التي تضم مفاتيح التراث العربي الإسلامي هي صديقتي التي بدأت علي مدارجها دخول هذا العالم المعقد والمتناقض. لقد تربيت في عائلة من نوع خاص كانت بنفس القدر منخرطة في اهتمامات الناس ومشاغلهم وعواطفهم، بقدر ما كانت متعالية في فقهها وتقاليدها الصارمة التي تشبه التقاليد البرجوازية أكثر مما تنتمي للبيئة الفلاحية التي كنا نعيش في وسطها. كان والدي الفقيه هو مركز القرية ومرجعها، كان الطالب والإمام والقاضي والمفتي، وكان بيتنا بلا أبواب كما يقال، لا يرد سائلا ولا زائرا… وكنت في ذلك العالم المؤثث بالناس والأفكار والصلوات والأحداث بعيدا ومنعزلا بطبيعتي… كنت في العاشرة من العمر عندما رأيت حزنا عميقا في عيني أبي. كانت هزيمة 67 ذات تأثير كاسح في بيتنا. كان الناس يتساءلون في رحبة بيتنا عما حدث. كان والدي الملتصق بجهاز الراديو الشبيه بصندوق جواهر، قد كف عن الكلام، كان يلتقط الأخبار من إذاعات العالم بصمت وحزن غريبين لم أفهم منه في تلك السن المبكرة سوي أن كارثة وقعت علي مقربة من بيتنا، ولأول وآخر مرة بعد أيام قليلة قرأ والدي أمام بعض زواره قصيدة شعرية رأيت دموعه ودموع المستمعين تبرق كسيوف بين أجفانهم…أحسست في تلك السن المبكرة أن الشعر له قوة خارقة تستطيع أن تعصر البرق من عيون الرجال… وحين كنت أنفرد رغم أنفي بمكتبة والدي مع ألف ليلة وليلة وكتاب الأغاني وفتوحات الواقدي، وغيرها… كان يفتنني تقاطع نثرها الطويل والمعقد مع مقاطع شعرية بسيطة ومعبرة… كان أترابي حينها يلعبون في الشارع المقابل وأنا مفروض علي أن أبقي في البيت بين صلاتي الظهر والعصر للقيلولة، لكن أقل ما أفعله في حياتي هو النوم. لا تنس أنني في السابعة من العمر كنت أحفظ نصف القرآن واستظهره علي ظهر قلب أمام والدي مرة في الشهر علي الأقل، وقبل أن ألتحق بالمدرسة الحكومية كنت أعرف كل العمليات الحسابية وقواعد النحو والصرف وبعض المعلومات العلمية، حتي أن مدير المدرسة في ذلك الوقت قرر وأنا في السنة الرابعة أن يلحقني مباشرة بالسنة السادسة لاجتياز الامتحان.كنت حينها أكتب ما يشبه الشعر المقفي وليس الموزون في الحقيقة علي طريقة الشعر الشعبي تقريبا. لم يكن أحد يعرف ويسمع ما أكتب سوي أمي، كانت أمي رحمها الله هي قارئي الأول. لكنني في الخامسة عشرة حدث شيء خطير في حياتي غير مجري حياتي جذريا، كان حلم أمي أن أصبح طبيبا كي أداوي أوجاعها الدائمة، لكن جريدة النصر وكانت إحدي كبريات الجرائد الوطنية نشرت لي خاطرة مرفوعة إلي المرأة الجزائرية في عيدها يوم 8 مارس.. كنت في الخامسة عشرة من عمري وكان هذا يعتبر انجازا غير مسبوق حتي أنني تحولت في عيون زملائي وأساتذتي إلي عبقري صغير!.. وكان ذلك إيذانا بميلاد الكاتب في حياتي. لقد نطقت أخيراً، وعبرت عن شيء غير مسبوق في حياتي، وأكثر من ذلك لم يثر غضب والدي الذي كان همه أن أقرأ وأنجح لأنه كان يريدني مهندسا في تخصص ما. لقد ابتسم أخيرا، وفهمت أن الكتابة هي قدري…لا أعرف فعل شيء آخر في حياتي … حينما أقرأ سير بعض الكتاب وأجدهم يعرفون مهنا أخري أشعر بالغيرة، فأنا باستثناء الكتابة لم أجرب عملا آخر… وحين دخلت عالم الصحافة وأنا في الثانية والعشرين من العمر لم تترك لي فرصة لتجريب عمل آخر سوي التدرب اليومي علي الكتابة. بدأت طريقك الأدبي بكتابة القصة القصيرة؟ ونشرت مجموعاتك متأخرا فيما بعد؟ لماذا كانت هكذا بداية؟ وماذا عنت لك القصة حينها، وسيلة سهلة للتعبير؟ أم تجربة جديدة في السرد؟ أعتقد أن القصة هي أصعب فن نثري ذلك أنها في كثافة القصيدة وتفاصيل الرواية. القصة القصيرة التي يستسهلها الكثير من الكتاب من النادر أن نجح فيها كاتب إلا إذا كان في عبقرية خورخي لويس بورخيس أو يوسف إدريس لقد جربها الكثير من كبار الكتاب من بينهم نجيب محفوظ وغارسيا ماركيز لكنهما أخفقا في الكثير من تلك القصص.بالنسبة لي القصة تمنحني فرصة تجريب أدوات وأشكال تعبير مستحدثة دوما. إنها بمثابة مجمع فنون تمتزج فيه اللغة مع اللون مع الإيقاع مع الزمان والمكان والإنسان.. إنها كثافة مطلقة تعبر عن لحظة كثيفة بالمطلق، وهذا بالذات ما تتساهل معه الرواية بشكل ما. إنني أنصح دوما أصدقائي بعدم نشر قصصهم بسرعة، ذلك أن القصة القصيرة لا تكتب دفعة واحدة كما يظن بعض المبتدئين، ولكنها تكتب وتنقح علي مراحل، حتي لا يجد الكاتب ما يضيفه أو يصححه. لقد قلت دائما، حين تكتب قصة قصيرة أنت مضطر إلي محو كلمات بعدد رواية. نشرت أول رواية في منشورات جماعة المعني بعنوان /مقامة ليلية/ ماذا تقول لنا عن هذه التجربة؟ خاصة وأن هناك من لاحظ وجود تقاطعات مع رواية رشيد بوجدرة /ألف وعام من الحنين/ تشابه في الأسماء مقامة/منامة وحتي في بعض التفاصيل والأحداث، فريق التصوير الأمريكي الذي يأتي للمنطقة ما رأيك؟ لا يوجد هناك أي تقاطع مع رواية رشيد بوجدرة، إذا لاحظت تاريخ كتابة روايتي كانت قبل ترجمة ألف وعام من الحنين، وعالم روايتي مختلف تمـــاما، فأنا أتحـــدث عن قرية تكاد تكون نموذج قري الجزائر بعد الاستقلال، وما تمخضت عنه الثورة التحريرية من فشل في إدارة زمن الاستقلال، عالم رشيد بوجدرة عالم بعيد تماما عن ذلك، ولا يكفي أن يبدو هذا التشابه بين مقامة ومنامة ولأنهما علي وزن واحد كي تتهمني بأنني تأثرت بهذه الرواية أو تلك. ولمعلوماتك لم أشرع في قراءة رشيد بوجدرة جديا إلا بعد منتصف الثمانينيات، كان يبدو لي غير متحكم في لغة الرواية بالعربية، خاصة بعد صدور روايتيه التفكك والمرث بكل تلك الأخطاء المطبعية ورداءة الطباعة. أحب دائما الكتب الجميلة واللغة الجميلة والأحداث التي تبهرني وتقطع أنفاسي عند القراءة. أفضل الروايات الكاملة اذا صح التعبير. ولكنني فشلت في تحقيق ذلك في روايتي الأولي. كانت لدي رسالة أريد تبليغها وهذا يتنافي مع متعة السرد بالطريقة التي استعملتها، أي التجميع القصصي لأحداث تلتقي بنوع من التداخل غير المحسوب روائيا. مقامة ليلية هي مقامة السرد الموجه ربما فقد بنيت الكثير من أحداثها علي وقائع عشتها، وكان بإمكاني أن أعيد كتابتها وإضافة بعض الأحداث واللمسات التقنية لكنني لم أفعل لأنني ببساطة كنت مقتنعا أن الشكل الروائي الذي كتبت به هو شكلها. وقد كان هذا رأي الكثير من القراء الذين ناقشوني حولها. نشرت بعد صمت طويل رواية جديدة بعنوان زعيم الأقلية الساحقة هل تستطيع أن تتحدث لنا عن ملابسات وظروف وأسباب كتابة هذا العمل الروائي خاصة في السياق الجزائري الراهن؟ أم أن الأمر لا علاقة له بالظرف تماما؟ لا توجد هناك ظروف ولا ملابسات. هناك نص روائي أصبح جاهزا للنشر فتم نشره. قبل ذلك لم أكن راغبا في نشر عمل غير مقتنع به، كما أن ظروف النشر لم تكن تسمح بنشر عمل من هذا النوع خاصة وأنني كما تعرف لا أنشر في أي مكان، وقد اضطررت سابقا للنشر علي حسابي لأنني لا أجد دار نشر بالعربية تحترم الكتاب كما أريد أنا.لا بد أن أشكر هنا صديقي عبد العزيز بوباكير الذي رشح هذا الكتاب لدار القصبة وألح علي نشره. حين قرأه وهو للأسف يقرؤني دائما بإعجاب، اعتبره رواية لا مثيل لها بين الروايات الجزائرية، وتحمس كثيرا لنشرها، ولولاه ربما لما تحمست نهائيا لنشرها. لدي حاليا بعض الروايات تنام في أدراج مكتبي أعرف مسبقا أنها تمس ببعض الأطراف والأحداث لا تزال نيئة ولذلك أجلت نشرها.كما تعرف زعيم الأقلية الساحقة ليس موضوعها الديكتاتور كما توهم بعض النقاد وإنما موضوعها اللصوصية والزيف والاستيلاء علي السلطة بتزييف السلطة في حد ذاتها. إنها بشكل ما هذا الكذب العام والاعتداء علي النظام الاجتماعي والأخلاق والقانون، أي عكس ما يرسخه الديكتاتور، وبالتالي هذا الموضوع ليس مستهلكا كما قلت مرة في الرواية الأمريكية اللاتينية، إنها أقرب لمعاكسة الميكيافلية بمفهومها الحديث وهو ما لم تتطرق له الرواية العربية ولا العالمية حتي الآن.لقد كتبت هذا العمل الروائي كي أقول ببساطة إن الشطار والمشعوذين هم الذين يتحكمون في حياتنا من وراء الستار صنــعوا علي هامش حياتنا حياة ليلــــية سرية في الأماكن المعتمة يديرون من خلالها حياتنا النهارية حياة السذج والمغلوبين. هل تعتبر شخصية هذا الزعيم حديثاً عن الماضي أم تنبؤاً بالمستقبل أم استقراء للحاضر؟ بهذا المعني هي تأتي من التاريخ، تاريخ الشطار والعيارين في التراث العربي الإسلامي، ولهم تاريخ كثيف تضج به الكتب القديمة، وتنطبق علي حياتنا التي هي في جزء منها تدار من وراء ظهورنا في أقبية الليل والسرية من طرف المافيا واللصوص الصغار والأقليات المتحكمة في ثرواتنا. وهي بذلك تذهب إلي المستقبل لأن هذه الممارسات ستؤدي حتما إلي تصدع جدار النظام الاجتماعي وظهور هذا النوع من الفيروسات التي ستتناهش طمأنينتنا وأرزاقنا. زعيم الأقلية الساحقة ليست رواية الديكتاتور، إنها رواية المتماهي به، صنيعه ونده وفي نفس الوقت صنوه. إنه الحكم العربي الحالي حيث الرؤساء لا يديرون سوي جمهوريات النهار أما ممالك الليل فهي تدار من طرف أقليات ساحقة، أقليات نهمة مسيطرة متحكمة في أرواح وأموال الشعوب.لقد قلت في حوار سابق إن هذه الرواية تقرع أجراس اليقظة لأولئك الذين لا يعرفون بعد من يحكمهم حقيقة. إن شخصية الزعيم تجد ظلها في التراث العربي القديم بشكل مباشر إذا امتزجت صورة الطاغية بصورة الشاطر في التراث العربي تعطي صورة الزعيم كما صورته في الرواية، وأعتقد أنه شبيه بالكثير من الحكام العرب الذين يحكموننا في النهار كالملائكة ويتحولون في الليل إلي شياطين. في نفس الفترة تقريبا نشرت رواية عام 11 سبتمبر وكان العنوان إلي حد بعيد مخادعاً؟ الأحداث كلها مخادعة في هذه الرواية وليس العنوان فقط. إنها رواية الزيف والاحتيال علي التاريخ.. رواية العملاء المزدوجين والتاريخ المزدوج والأحداث المتوازية المزدوجة… إن ما أدينه بصوت عال هو هذه الازدواجية التي جعلت من حياتنا جحيما لا نعرف فيه العدو من الصديق… وكانت أحداث 11 سبتمبر وما ترتب عنها، وتداعياتها السياسة والعسكرية وحتي التاريخية نموذج هذه الازدواجية.إن عام 11 سبتمبر هي رواية الحدث كما ينبئ به الحاضر. لا وجود للتاريخ هنا إلا كنقطة تكرار لا تنتهي، كما لا يوجد مستقبل فيها، إنها تبدأ من الذاكرة وتنتهي في الذاكرة. لقد أردت القول اننا من مواليد الذاكرة نتكرر فيها منذ القرن السادس عشر، نتعامل بازدواجية وبدون إفصاح عن رغبتنا ولا رؤيتنا السليمة لأنفسنا. ما مرت به الجزائر لا يتوقف عند هذا الحدث الأمريكي إنه صنيعه بشكل من الأشكال، إنه تتمة له، فالإرهاب هو نفسه في كل مكان، لكن العالم لا يشعر بألمه وخطورته إلا حين يمس دولة في حجم الولايات المتحدة.دعني أذكرك هنا أن تاريخ 11 سبتمبر أصبح مثل التاريخ المسيحي أو الهجري به يؤرخ الإنسان المعاصر لعمره إذا كان عاصر أو شارك أو جاء قبل أو بعد هذا التاريخ، لكنه ماذا يعني بالنسبة لنا، مجرد مرحلة من مراحل اجتزناها بمئتي ألف قتيل وعشرين مليار دولار خسائر مادية، فكان هذا التاريخ حدا فاصلا للزيف والازدواجية. ما هو تصورك للرواية؟ كيف تفكر فيها؟ وتمارسها؟ لا أفكر في الرواية، في الغالب هي التي تفكر في، هي التي تدفعني إلي كتابتها، فهي حين تأتي كأمطار الصيف قوية وعابرة، وعلي أن أجد الوقت الكافي لالتقاط شآبيبها. لحظة الكتابة عندي هي من أصعب اللحظات أنا أفضل القراءة علي الكتابة وحين أجد بين يدي كتابا جديدا ممتعا في الغالب لا أكتب. ذلك أنني أعاني كثيرا ولا أرضي مهما فعلت علي ما أكتب لذلك حالما انهي عملا أسلمه لبعض أصدقائي كي يخلصوني من مسؤوليته.الرواية تسكن الإنسان زمنا طويلا بقدر طول مدة كتابتها، وهي تتحول أحيانا كعشيقة مستهلكة مملة وثقيلة، لذلك أتعب كثيرا في كتابتها، وما يجعلني أعاني أكثر هو حالات الانقطاع التي تحدث خلال العمل فتجعلني أبتعد عن مناخاتها وأجوائها إلي حد أنني أفقد خيط السرد أو لغته وكثيرا ما أتخلي عن العمل في منتصفه.الآن، أنا أعمل علي رواية جديدة لا أعرف مصيرها، لكنها تمتزج بحياتي إلي حد التعب. التقاه: بشير مفتي0