مسيحية القرون الوسطي وإسلام القرن الحادي والعشرين: بؤس البشر بين التيجان والعمائم
هويدا طهمسيحية القرون الوسطي وإسلام القرن الحادي والعشرين: بؤس البشر بين التيجان والعمائمأمام الأثر الإعلامي الذي أحدثته تصريحات بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر المسيئة للإسلام لا يمكنك الا التوقف أمام تلك الانفجارات التي لا يدفع صناعها ثمنها وإنما يدفعه (عوام الناس) بحسب تسمية (الشعوب) في قاموس ذوي التيجان البابوية والعمائم الإسلاموية، انقلبت الفضائيات العربية وحتي الأجنبية والجرائد والإذاعات رأسا علي عقب.. كل وسيلة إعلامية لا تسمعها أو تشاهدها أو تطلع عليها إلا وتشهد فيها حالة هياج بسبب تلك التصريحات، تتساءل.. كيف وصلت بالضبط تصريحات البابا المسيئة لنبي الإسلام (ص) إلي (عوام المسلمين)؟ وما مدي (فاعليتها) أصلا بالنسبة إلي المسيحي أو المسلم؟ كل هذا الهياج يجري بسبب مواقف دينية بينما يتساقط بشر هنا وهناك من أتباع هذا الدين أو ذاك جوعا ومرضا وفقرا، لا بسبب أنبياء رحلوا، وإنما لانفراد قلة بثروات الأرض، قلة ينتمي إليها بعض رجال الدين في هذا الدين أو ذاك.. هل هي صدفة؟عوام الناس.. أو الشعوب.. وصلتها (بعض) تصريحات البابا من نشرات الأخبار ومانشيتات الجرائد والتي بطبيعة الحال لا تنقل إلا أجزاء بعينها من أي تصريحات.. وتصريحات البابا قيلت في محاضرة أكاديمية نخبوية فوقية لا تهم إلا قلة من الناس.. ولو لم تنقل تلك (الأجزاء) لما كان لها هذا الحجم ولاقتصرت علي هؤلاء الذين أضاعوا وقتهم في سماعها. هكذا بكل تلك البساطة! فلنتذكر مثلا هياج المصريين ضد رواية وليمة لأعشاب البحر، والتي هاجت ضدها فئات لا تقرأ الرواية إن كانت تقرأ أي شيء أصلا، ولولا أن نقل لهم البعض أجزاء من تلك الرواية في مانشيتات جرائدهم لما علموا بها ولا هاجوا ضدها.. والرواية لم تنقص أو تزيد من قيمة الإسلام.. مرة ثانية.. هكذا ببساطة، هذا يعني أن (بعضهم) أراد لهذه الأجزاء تحديدا أن تحدث ذلك الأثر بالذات.. فمن ذا الذي يهتم بمحاضرة لرجل دين يرتدي تاجا مرصعا وملابس أثقل من وزنه ويذكر الدنيا بفولكلور القرون الوسطي؟ الإعلام كان طرفا أساسيا في صنع هياج شعبي ـ لو أنه وُجه ضد المستأثرين بخيرات الأرض لكان أكثر فائدة للشعوب الهائجة، لكن الإعلام ليس كائنا منفردا بذاته فوراؤه بشر.. يعرفون أن عوام المسلمين لا يحركهم كثيرا ما يشهدونه من ظلم القلة العالمية والمحلية لهم.. بينما تحركهم أي كلمة ضد نبيهم.. هكذا هي النفسية الاجتماعية للمسلم.. ومن يعرفها يعرف كيف (يستفيد) من تحريكها.. أما (الفائدة).. فهي بالتأكيد.. سياسية، مرة أخري إذن الدين والسياسة.فجأة يعود رجل من مسيحية القرون الوسطي المظلمة لينفخ في ظلام إسلام القرن الحادي والعشرين صانعا من شعوب تعدادها مئات الملايين دُميً بلا عقل يحركها بابوات ومشايخ، البابا بنديكت السادس عشر (كان هناك إذن خمسة عشر آخرون قبله!) قد يكون قارئا جيدا للتاريخ.. جيدا إلي درجة أن غرق فيه فصعب عليه أن تكون للقساوسة والبابوات ذوي التيجان الثقيلة دولة صغيرة الحجم كدولة الفاتيكان.. بينما كان أسلافهم يملكون الدول والبشر والأرض وما عليها، ربما.. نقول ربما.. راح يحلم بالدولة الدينية المسيحية المتوحشة القديمة، التي انتصر عليها العقل، لينطلق ذلك العقل الإنساني يبدع ويحسن من ظروف الحياة منذ لحظة الانتصار تلك وحتي الآن.. وإذا به بابا الفاتيكان (ربما) يحلم باستعادة دولة دينية كانت نكبة علي العالم، إذ أنه قبل أن يصرح تصريحاته ضد المسلمين ونبيهم (ص) (وهي التي ركز عليها الإعلام العربي بشدة مشبوهة) أدان العلمانية واستقلال العقل بقوله: إن عالما ينفرد فيه العقل بالإنسان بدون إيمان هو عالم يتحول فيه الدين إلي ثقافة هامشية ، هذا أدق وصف للحظة انتصار الحضارة علي هيمنة تعقيدات اللاعقلانية! رغم أنه وصفٌ قال به رجل حانق علي استقلال العقل، فانتصار العلمانية لا يعني (محو الدين)، ذلك غير ممكن أبدا لأن الدين (حدث وقع)، وإنما الانتصار الحقيقي هو وضعه في الإطار الذي تفرضه ضرورة تقدم البشر.. أن يكون (ثقافة) اجتماعية تاريخية.. وكونه بابا الفاتيكان يطمع ويطمح في إعادة اللاعقلانية إلي الصدارة في تسيير حياة البشر لا يعني أنه قادر علي ذلك.. فهي أصولية مسيحية أحلامها فولكلورية قد يكون لدي الأوروبيين ما يكفي من استقلال العقل للتصدي لها، وفي خضم الهياج الإعلامي العربي نقلت بعض التقارير الإخبارية في الفضائيات رأي رجل الشارع الأوروبي، مثقفا أو من عوام الناس، ومن تابعها قد يجد الإنسان الأوروبي العادي مسلحا بأكثر مما نظن بآليات وّرثها له أجداده.. الذين ناضلوا ضد تلك الدولة الدينية، ولن يقع إذن فريسة لأحلام البابا بتوسيع دولته الدينية.. حتي رغم ما يكنه الأوروبي في نفسه من قداسة للمسيح لا تتعدي حجمها التاريخي، وحتي لو أراد تحت وطأة الرأسمالية (عونا من الله والمسيح)، فهو يتعاطي الدين بحجمه المعنوي دون أن يخطر بباله استبداله بالحضارة، ولكن.. ولكن مشكلتنا حقا ليست هي حلم (البابوات الجدد) بإعادة الأوروبيين إلي لا عقلانية الكنائس.. المشكلة هنا في عالمنا العربي.. أننا لا نملك بعدْ من (استقلال العقل) ما يمكننا من التصدي لأصولية أخري.. يتسلح بها إسلام القرن الحادي والعشرين.. (رغم ما كان للإسلام أيام ازدهاره من سماحة وتعددية).. أصولية تمسك بتلابيب حياتنا وتؤخرنا.. تطرح علينا مشاريع مظلمة مبنية علي أوهام تاريخية، وتتجاهل ما توصلت إليه البشرية علي مدي قرون تسارعت فيها خطي البشر، نحو فاعلية استقلال العقل في تحسين ظروف الحياة، فإذا بها تهيج (عوام الناس) ضد تصريحات فولكلورية تصف النبي محمد(ص) بأنه: لم يجئ إلا بما هو سيئ .. فأي قارئ تاريخ يعرف أن كل نبي كان مصلحا في زمنه.. ويجمع البشر علي أنه ليس هناك من نبي سيئ، ما يعني أنها تصريحات بلا فاعلية أو معني.. تعبر عن حنين رجل دين مسيحي إلي دولة القرون الوسطي، دعوه يحلم، فهي أحلام لن نتصدي لها نحن بل ببساطة سيتصدي لها الأوروبيون ذاتهم.. أما نحن.. فحاجتنا ماسة إلي استقلالية حقيقية للعقل، تجعلنا قادرين علي إخراج الدين من حلبة السياسة ولعبة الدول، لكن المؤسف أن استجابة الناس لهياج المشايخ ضد البابا الحالم بأحلام لا فاعلية لها كانت أكبر من استجابتهم لأي معارض أو مفكر أو ثوري، يحاول عبثا لفت انتباههم إلي ضرورة الغضب ضد بلواهم الحقيقية، الخطورة إذن أن (بعض) المشايخ يحركوننا كالدمي، أثاروا الناس ضد كلمات لا قيمة لها قالها قسيس في محاضرة محدودة، لكنهم لا يحركون ساكنا ضد من ينهشون أرزاق وكرامة وحرية الناس في بلدانهم، بل ويتحالفون معهم ويتقاسمون معهم غنائم مغتصبة.. أي ثقة يستحقها منا هؤلاء؟ نحن في حاجة إلي (ترتيب ما) لتوفير طاقة الغضب وتحويلها إلي نوع من (الغضب المنظم العاقل) ضد العدو الحقيقي، ضد القلة من البشر التي تستأثر بخيرات الأرض وتترك (عوام الناس) يتساقطون جوعا وفقرا، نبيّنا الكريم نفسه(ص) لو عاد إلينا الآن فلعله يقول لنا: اعملوا لدنياكم! الدلائل العلمية في دراسة رؤساء الدول العربية بعد مبارك.. يكاد الرئيس علي عبد الله صالح أن يكون (نموذجا مثاليا) لدراسة علمية موضوعها حالة (الرئيس العربي)! للخروج منها بنتائج علمية كتلك التي يخرج بها علماء الاجتماع عندما يدرسون مثلا تجمعات النمل، لمعرفة كيف تعيش القبائل البدائية في حالة ما قبل الحضارة! في لقاء أجرته معه قناة الجزيرة قال صالح كلمات ليست كالكلمات! كلمات قد يعتبرها علماء الاجتماع من (الأدلة العلمية) علي أن المتفوه بها هو بالتأكيد رئيس دولة عربية، فمثلا لم نسمع شيراك أو بلير أو مستشار ألمانيا أو رئيس وزراء ياباني أو هندي يقول (انتخاباتي عُرس ديمقراطي)! فهذه الأعراس هي شاهد علمي علي أن (صاحب الفرح) هو رئيس عربي! كذلك (اتهم) صالح منافسيه بأن لا هم لهم إلا (الوصول إلي السلطة) والحقيقة أن شيراك وبلير وباقي رفاقه من الرؤساء خارج الدراسة، لم يسمع من أي منهم أبدا اتهامه منافسيه في الانتخابات بأنهم (حالمون بالسلطة)! لأن علماء الاجتماع يقولون إن (السلطة هي أصلا موضوع الانتخابات) عند التجمعات الانتخابية في مرحلة ما بعد الحضارة! وبالتالي فإن الرئيس الذي (يتهم) منافسيه معتبرها (تهمة) أنهم يريدون السلطة.. هو بالتأكيد رئيس عربي، ثم أن شيراك ورفاقه يخافون من الكذب لا لأنهم أطهار وإنما لأنهم يحاسبون عليه حساب الملكين في ديارهم، أما صالح فقد أقسم ذات صيف أنه لن يعيد ترشيح نفسه حتي لو (أجبر) علي ذلك.. لكن المسكين أجبر وأعاد ترشيح نفسه! وذلك خوفا علي البلاد ممن (يريدون السلطة ولو بالانتخابات!) كذبة الصيف هذه قد تكون في علوم الاجتماع دلالة أخري مؤكدة علي أنه رئيس عربي، كذلك قال إنه لو فاز منافسوه في الانتخابات فسوف يسلمهم السلطة عن طيب خاطر.. وبالطبع استنادا لمشروع الدراسة المشار إليها فإنه، رئيس عربي بالتأكيد من يتفوه بهذا الكلام: تسليم السلطة.. عن طيب خاطر؟!.. هراء عربي!كاتبة من مصر[email protected]