قد لا يكون مشروع الدستور المصري الجديد مثاليا، لكنه ـ في كل حال ـ أفضل ألف مرة من نسخة دستور 2012 المعروفة سياسيا باسم ‘دستور الإخوان’.
وكاتب السطور ينتمي لمدرسة تقدم الفصوص على النصوص، اي الجوهر على المظهر، والمضمون على اللفظ، فقد تكون لدينا أفضل النصوص، لكنها لا تحمي حقوقا، ولا تصوغ التقدم بالضرورة، وقد كان لدينا دستور 1971، وكان من أكمل النصوص الدستورية، وأكثرها ضمانا للحقوق، لكن الحياة مشت في اتجاه آخر، وجرى الانقلاب الكامل على مشروع النهوض الذي كان يمثله الدستور، وتحولت نصوص الدستور إلى مواد ميتة، ودخلت مصر في حالة انحطاط تاريخي طويل المدى، وجرى تجريف البلد مع وأد نهضته، وإلى أن قامت انتفاضات الروح الثورية، وعلى موجات تعاقبت من 25 يناير 2011 إلى 30 يونيو 2013، ولا تزال مصر الجديدة في البرزخ، اي في الممر الضيق من الموت إلى الحياة هذه المرة، وهو ما يفسر انتشار دواعي الضيق والحيرة، التي قد لا يكون الدستور الجديد مخرجا أكيدا منها، اللهم إلا إذا تطور وعي المجتمع بقضية الثورة، ونجحت الثورة المغدورة في فك عقدتها، ووصلت طلائعها إلى مقاعد السلطان، ‘فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن’، ويزع بالسلطة الثورية ما لا يزع بالدستور الديمقراطي .
ولو كانت القصة في حرب النصوص، فما من نظر عاقل يرى فضيلة في دستور 2012 تفوق النسخة المعدلة جذريا في 2013، بل العكس هو الصحيح على طول الخط، ومن أول انضباط الصياغة اللغوية والقانونية، فقد كانت نسخة دستور 2012 غاية في الركاكة، وسيطرت عليها نزعات تجريب بدائية في التفكير، وخلط مريع في المعاني، ومن أول الديباجة إلى مواد الهوية، وإلى صورة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإلى حد بدا معه النص كموضوع إنشاء لفظي غاية في الارتباك والتلعثم. فيما جاء نص دستور 2013 منضبطا ودالا من الوجهة القانونية والوجهة اللغوية معا، ربما باستثناء مواد ظلت كما كانت في نسخة 2012، وغلب عليها طابع الإنشاء اللفظي، وبدت كما لو كانت فقرات مقتطعة من كتاب التربية الوطنية المقرر في مرحلة التعليم الابتدائي، وباستثناء هذه الحشائش الضارة في حديقة النص الدستوري، فقد جاءت صياغة الديباجة قاطعة في تأكيد وحدة تاريخ وثورات مصر، وفي تأكيد اتصال موجات الثورة المصرية الأخيرة، وإبراز وشائج العروة الوثقى بثورة (25 يناير ـ 30 يونيو) على حد الصياغة الواردة في صدر الدستور، وبدت مواد الهوية ناصعة في صياغاتها، فالهوية القومية جرت صياغتها على نحو حاسم، وانتصرت لمعنى ‘مصر العربية’ بغير لبس ولا تأويل، ولصالح حقيقة أن ‘الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها’، والهوية الحضارية للبلد محسومة قانونا، ونص المادة الثانية من الدستور قاطع في أن ‘الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع’. وتفسير مبادئ الشريعة جرى تخليصه من المادة 219 الشهيرة في دستور 2012، التي كانت فضيحة علمية ودينية كبرى، وجرى التأكيد بالمقابل ـ وفي الديباجة الملزمة ـ على أن ‘المرجع في تفسير مبادئ الشريعة هو ما تضمنه مجموع أحكام المحكمة الدستورية العليا في هذا الشأن’، اي أننا صرنا بصدد صياغة سليمة منضبطة قانونيا ودينيا. فمبادئ الشريعة هي القطعيات لا الظنيات، والشريعة أمر إلهي ونبوي موحى به، أما الفقه فأمر بشري متجدد ومتطور ومتغير، ولا يدخل في صميم الإيمان ولا المبادئ ولا الثوابت، وليس في الإسلام سلطة دينية ولا دولة دينية، وهو ما التزم به نص دستور 2013، وأزال تعبيرات ملتبسة كادت تجعل الأزهر الشريف سلطة دينية في نص دستور 2012. فيما ضمن الدستور الجديد استقلالا كاملا للأزهر، وعدم جواز عزل شيخ الأزهر الذي تختاره هيئة كبار العلماء، وجعل الأزهر المستقل ‘المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية’. وكان الدستور الجديد دقيقا في وصف الدولة المنشودة بأنها ‘دولة ديمقراطية حديثة حكومتها مدنية’، وفي تأكيد الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وفي أبواب ‘المقومات الأساسية للمجتمع’ و’الحقوق والحريات والواجبات العامة’ و’سيادة القانون’، في هذه الأبواب بالذات، بدا الانحياز حاسما للحريات الشخصية والمدنية والقانونية والسياسية، ولمبادئ المساواة، وحقوق الاعتقاد المطلقة، ومع إعطاء الأولوية للأديان السماوية بطبائع النظام العام، وتكريس مبدأ المساواة من دون تفرقة، وتقرير حقوق إنشاء الأحزاب والنقابات والجمعيات بمجرد الإخطار، وتقرير حقوق التظاهر والإضراب السلمي، والأهم: في تقرير حقوق اقتصادية واجتماعية بصورة ملزمة للدولة، خاصة في تقرير مبدأ الضرائب التصاعدية على الدخول، والتزام الدولة بتقرير حد أقصى للأجور، وفي الالتزام بنشر مظلة التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي للكافة، وفي حماية أموال التأمينات والمعاشات، وفي مشاركة العاملين بنصف عضوية مجالس إدارة الشركات والهيئات العامة، ومشاركة صغار الفلاحين والحرفيين بثمانين في المئة من عضوية مجالس الجمعيات الزراعية والحرفية، وفي التركيز على التزام الدولة بضمان التعليم المجاني عالي الجودة، وفي ضمان العلاج عالى الجودة، وفي إلزام الدولة ـ لأول مرة ـ بتخصيص نسب حد أدنى من ناتجها القومي الإجمالي لصالح التعليم والصحة والبحث العلمي، فقد ألزم الدستور بتخصيص نسبة 4′ على الأقل من الناتج القومى للتعليم قبل الجامعي، وتخصيص نسبة 2′ على الأقل من الناتج القومي للتعليم العالي، وتخصيص نسبة 3′ من الناتج القومي للصحة، وتخصيص نسبة 1′ من الناتج القومي تزاد تدريجيا لصالح البحث العلمي، وهو ما يساوي خمسة أضعاف النسبة المخصصة الآن. وفي باب ‘نظام الحكم’، لم يختلف الأمر كثيرا عن أحكام دستور 2012، اللهم إلا في إلغاء ‘مجلس الشورى’، وهو تصرف رشيد، يهدم البدعة التي أنشأها الرئيس السادات في أواخر حكمه، وحافظ عليها حكم الإخوان لغير ضرورة تشريعية، فقد كان ‘مجلس الشورى’ أشبه بزائدة دودية تشريعية، ومجالا لإهدار المال العام، وسكنا مصطنعا لإيواء المحاسيب في الثلث المعين بقرار رئيس الجمهورية، مع أنه كان مجرد تكئة لتعطيل إصدار التشريعات، ويزور صورة البلد كدولة بسيطة متجانسة مندمجة، لا تحتاج إلى غرفة برلمان ثانية، قد تكون مطلوبة في النظم الفيدرالية. وقد بدا نص الدستور الجديد دقيقا في صياغة توازن السلطة التنفيذية بين الرئيس ورئيس مجلس الوزراء، وسد تماما ثغرات ازدواج الجنسية المحتمل في الترشيحات للمناصب العامة، واستحدث نصوصا تتيح للبرلمان حق سحب الثقة من رئيس الجمهورية، والدعوة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، إضافة لنصوص تتيح محاكمة الرئيس بتهم انتهاك أحكام الدستور أو الخيانة العظمى أو أية جناية أخرى، فضلا عن ضمان الدستور الجديد استقلالا كاملا للسلطة القضائية وسلطة النائب العام، وكل هذه ـ وغيرها ـ من فضائل الدستور الجديد، الذي قد تنسب له رذائل من نوع التحصين المشدد للمؤسسة العسكرية، وجواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في حالة استثنائية وحيدة، وقد كان التحصين ذاته موجودا في نص دستور 2012، وربما بفارق إضافي هذه المرة تحول إلى مادة في باب الأحكام الانتقالية، تقيد حق رئيس الجمهورية في تعيين وزير الدفاع باشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والمادة سارية لثماني سنوات من الآن، وقد تكون ثمة وجاهة في الاعتراض على التحصين الزائد للجيش، وهو ما لم يكن واردا أبدا في دستور 1971، واستحدثه الإخوان في دستورهم، الذي كان أساسا للتعديلات في نسخة 2013 .
يبقى، أن النصوص قد لا تكون مهمة في ذاتها، وأن الحرب الحقيقية على الدستور باتت وشيكة، وهي حرب سياسية لا دستورية، قرر الإخوان مقاطعتها مبكرا، ربما لأنهم يدركون أن النتيجة محسومة، وأن أغلبية كبرى سوف توافق على الدستور في الاستفتاء، وربما لا يكون ذلك هو المهم، فالأهم ـ في ما نظن ـ هو نسبة الإقبال الشعبي على استفتاء الدستور، وقد كانت نسبة الإقبال على استفتاء دستور الإخوان في حدود 30′ ممن لهم حق التصويت، وكانت نسبة الموافقة أقل من 20′ ممن لهم حق التصويت، اي أقل من ثلثى المشاركين، وكانت نسبة المقاطعة في حدود 70’، ونظن أن الإخوان سوف يحاولون تقليل نسبة المشاركة، بإثارة أجواء من الفزع العام، وهو ما لا يبدو مؤكدا في نتائجه، والسبب ظاهر في التراجع المذهل لتأثير الإخوان شعبيا، وهو ما قد يحملنا على توقع نسبة مشاركة غير مسبوقة في الاستفتاء على الدستور الجديد .
‘ كاتب مصري