مؤتمر الحزب الحاكم الذي لم يكن صاحبه غائبا: الأكاذيب لا تخفف من وطأة المشاكل ولن تنجز مهمة التوريث المعقدة

حجم الخط
0

مؤتمر الحزب الحاكم الذي لم يكن صاحبه غائبا: الأكاذيب لا تخفف من وطأة المشاكل ولن تنجز مهمة التوريث المعقدة

محمد عبدالحكم ديابمؤتمر الحزب الحاكم الذي لم يكن صاحبه غائبا: الأكاذيب لا تخفف من وطأة المشاكل ولن تنجز مهمة التوريث المعقدةاختتم الحزب الحاكم في مصر أعمال مؤتمره الرابع أثناء كتابة هذه السطور، وكما توقع أغلب المحللين والمراقبين ُأنه نجح في نقل الوضع المصري المتردي من الأسوأ إلي الأكثر سوءا، ولم يخرج عن كونه مهرجانا لأكاذيب وكلام إنشائي، في محاولة للتغطية علي الجرائم التي تقترف يوميا في حق المواطنين.. وقصر النظر هو الذي يصور للأغبياء من السياسيين والحكام أن الأكاذيب وسيلة ناجعة للضحك علي العامة، وأنها كفيلة بإطالة عمرهم السياسي. والحقيقة التي نلمسها جميعا أن المواطن يرغب في تصديق ما يقال، وكل ما يهمه هو تطابق القول مع الفعل، وقيام الدولة بواجبها تجاه مواطنيها، إلا أن الواقع يقول لهم عكس ذلك. وفي الحالة المصرية عجز الإعلام وآلته الجبارة عن تجميل صورة شديدة القبح، أكل منها الزمان وشرب. وجلب عليها النقمة، وزاد من حدة موقف الشعب علي رفض الحكم الذي تعكسه، ورغم جهد الآلة الإعلامية الأمنية المزدوجة، ازداد الناس جرأة وصاروا أكثر استعدادا للتضحية، والمشكلة هي في أن الكذب تحول إلي سياسة وأسلوب حياة وأيديولوجية، فزاد من المخاطر المحدقة بالبلاد، وفتح الأبواب أمام احتمالات لا تبشر بخير. سياسة يديرها حسني مبارك، وأيديولوجية يعتنقها الرئيس الموازي ، وكان طبيعيا أن ينشيء لذلك جهازا متخصصا في إطلاق الأكاذيب، ومع معرفة من يشغلون المناصب العليا به يصدقونها، ويتعاملون معها كحقائق، ويطلبون من المواطنين الثقة في صحتها!!.ولم يأخذ كثير من المراقبين والمهتمين ما صدر من المؤتمر علي محمل الجد، خاصة عند سماع عبارات إنشائية وشعارات معادة ومقولات مكررة، عبرت عن ضحالة وجهالة من لاكوها وتفوهوا بها. وفقدت كلمات وعبارت كثيرة معانيها الحقيقية، وتحولت قاعات المؤتمر إلي صالات للتهريج وثقل الدم، وعندما يحدث هذا مع شعب لماح وسريع النكتة، يزداد السخط، حتي التهريج لم يكن متقنا بالصورة التي تبعث علي الضحك، وكان ثقل ظل رئيس الوزراء ومحاولته الاستظراف، واكتئاب جمال مبارك، الملازم له من سنوات، واصفرار نظرته وتوتر سحنته، كل هذا جعل العرض مثيرا للرثاء.. وكانت أكثر النكات سخفا هي تلك التي عبر عنها شعار الفكر الجديد.. إنطلاقة ثانية نحو المستقبل ، فالناس خبرت الفكر الجديد، منذ أن تولي النجل الرئاسة الموازية، واكتشفت أنه تهويمات هدفها التغطية علي اغتصاب الحكم ونهب الثروة واختطاف الدولة، جهارا نهارا دون سند من مبدأ أو قانون أو خلق، وعن الانطلاقة الأولي، خلال السنة الماضية، ففضلا عن أنها تكفلت باستكمال اتباع الاسلوب الغربي في مؤسسة الرئاسة، فإنها رسخت إنعزالية التوجه وأكدت عزلة الدور، ومن تابع الدور الذي قام به حسني مبارك ضد المقاومة اللبنانية، والصورة المزرية لموقفه المؤيد للآلة العسكرية الصهيونية والمساند لمهمتها في لبنان.. وحصاره للفلسطينيين والضغط عليهم، فهذا يكفي، وقد زاد العداء له فور أن اختار لنفسه موقعا يستكمل به الضلع الناقص في المربع السعودي الأردني الصهيوني. وكانت فترة ما بين الدورتين الأسوأ والأكثر بطشا، والأكثر في عدد ضحايا حوادث الإهمال المتعمد في وسائل النقل البحري والبري. هذا ما قدمت الإنطلاقة الأولي.ماذا نتوقع من الفكر الجديد والإنطلاقة الثانية نحو المستقبل؟ والفكر الجديد، هذا العام، لن يختلف عن سابقه، ولن يعني أكثر من استمرار التهويمات، وتعزيز عملية التغريب ، المطلوبة وتعميمها علي مجمل الوضع الإقليمي، خاصة في فلسطين ولبنان وسورية، والإنطلاقة الثانية المطلوبة مهمتها تبديد ما تبقي من رصيد وثروة، فلا تجد الأجيال القادمة إلا الأطلال والخراب. وكانت عمليات التدليس واضحة في نقد النجل للإدارة الأمريكية وعتاب الدولة الصهيونية، ليعطي الانطباع، بأنه علي خلاف مع واشنطن وتل أبيب!! وانكشف المستور عندما ذكر حسني مبارك ما تعود عليه، برسالته الواضحة إلي المسؤولين الصهاينة، وفيها ادعي بأنه لن يتورط في أي معركة، بحجة أنه زاهد في كسب الشعبية، وكأنه يمتلك شعبية أصلا!!. والرسالة واضحة افعلوا في المنطقة ما تشاؤون، وعربدوا فيها بما يحلو لكم ونحن لن نحرك ساكنا، أي أنه علي عهده معهم باق. وينتقل من هذا اللين مع الصهاينة إلي التشدد مع إيران، فأي موقف أو استعداد للاحتمالات التي قد تواجه الأمن الوطني يعتبره حسني مبارك توريطا!!. حتي لو كان في حجم قصاصة ورق تنقل امتعاضه مما تقوم به القوات الصهيونية في فلسطين ولبنان أو الصهيو أنجلو أمريكية في العراق. إن المستقر في الوجدان العام هو أن المؤتمر لم يكن أكثر من مهرجان لكلمات الزيف وخطابات الولاء وقصائد المديح في بروفة التتويج في مسيرة التوريث ، التي يعتقد البعض أنها اقتربت من محطتها النهائية. ومعها بدأ الإفصاح، بعد خمسة وعشرين عاما من رفض تعيين نائب الرئيس، عن إمكانية تعيين من يشغل المنصب، في محاولة شبه أخيرة لقياس رد الفعل إذا ما تم تعيين النجل نائبا للأب، وحسب ما لدينا من معلومات ُفإن هذا، في جانب منه، يعكس حيرة طفت علي السطح بعد تعثر سيناريوهات التوريث العديدة. ويأتي الإفصاح للتخفيف من قلق الأب وخوفه، من الاستعجال المسيطر علي النجل وجماعته، فمنصب نائب الرئيس يبقي النجل في معية الأب، ويكبح جماح المستعجلين، الذين يتصورهم أنهم سيغدرون به قبل أن تنتقل الرئاسة رسميا منه إلي النجل .لم يكن الإخراج بمستوي ما صرف علي شركات العلاقات العامة، التي أعدت المؤتمر، كان متدنيا للغاية، وجاء اعتمادهم الطريقة الأمريكية، وقيامها علي الإبهار الزائد، في مجتمع أغلبيته مطحونة ومحدودة الدخل، استفزازا للمشاعر. وكثير من مهرجانات مصر خرجت من رحم موالد آل البيت وأولياء الله، فالتعبير الأقرب لوصف ما تم هو المولد . والمهرجان غير المنظم والعشوائي يوصف عادة بأنه مولد وصاحبه غائب ، لكن هذا المولد كان له صاحبان، أحدهما آفل وراحل والآخر منتظر ومتربص، و مولد بنكهة أمريكية، ظهر بدائيا ومضحكا، وصفه أحدهم بأنه مَسْخَرة ، مادتها دفاع مستميت عن الاحتكار ورجال الأعمال، وتأكيد حقهم في النهب والسرقة، وتبرير تصرفاتهم.وعن الأرقام التي وردت في الأوراق المقدمة كانت متناقضة مع ما هو موجود علي أرض الواقع، فالأرقام التي ادعت ارتفاع معدل النمو نقضها الواقع، فكيف لهذا المعدل أن يرتفع ومستوي المعيشة في تدهور مستمر؟ وهل يستقيم ذلك مع ارتفاع نسبة التضخم، وزيادة عدد العاطلين، وانفلات الأسعار، واتساع الفجوة بين الفقر والغني، وانهيار الخدمات؟! ويستطيع الإنسان أن يلمس هذا واضحا في كافة المجالات، فظهور العشوائيات كان ثمرة دعم رجال الأْعمال والمحتكرين والأثرياء، ولو استمرت الحكومات تتحمل مسؤوليتها في بناء مساكن لمحدودي الدخل ما ظهرت عشوائيات الإسكان، المهددة للاستقرار الاجتماعي، ولو لم يخترع حسام بدراوي، عضو أمانة السياسات، بدعة العلاج الاستثماري ، علي حساب العلاج المجاني، ما انهارت المستشفيات العامة، وهو يقوم بمهمته الآن لإلغاء ما تبقي من مجانية في التعليم، وقد أطلق هذا المولد يد رجال الأعمال للاستثمار في التعليم الخاص، علي كافة المستويات، بداية من الحضانة وصولا إلي الجامعة، وانتشرت الجامعات الخاصة انتشار الطاعون، لمنع وحرمان غير القادرين من التعليم، تعميقا لنظرية الشبعانين ونظرية اللياقة الاجتماعية ، وهم يدعون أنهم ينقلون تجارب نظم تقدمت بهذا الأسلوب، مع أن مارغريت ثاتشر، أقوي رؤساء وزراء بريطانيا من المحافظين، كانت إبنة لبقال، وحل محلها جون ميجور، الذي بدأ حياته في سيرك، وانتقل للعمل، وعمره ستة عشر عاما، كساع ينقل الأوراق بين مكاتب الشركات المالية بحي المال الشهير السيتي ، وغيرهم كثير من ساسة ومشاهير العالم الغربي. وهنا بدا عبد الناصر محقا وهو يقول: إن شريعة الحق.. شريعة الله تأبي أن يكون الفقر إرثا والغني إرثا ، ومعني هذا لا يجب أن يكون الفقر مبررا لحرمان الإنسان من حق الحياة الكريمة، ومن فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والمشاركة السياسية.وضيق المساحة يحول دون التطرق إلي إهمال معالجة الانهيارات المتفشية في وسائط النقل، وحال السكك الحديدية المأساوي، في بلد هو الأقدم في استخدامها، منذ أكثر من مئة وخمسين عاما، بعد بريطانيا العظمي مباشرة، فتصفيتها مطلوبة لتقطيع أوصال مصر، وكانت، وما زالت، واحدة من أهم عناصر التماسك والتواصل الجغرافي بين أبنائها، وبيعها خردة لمحتكري الحديد ووكلاء شركات النقل الأمريكية والغربية والصهيونية، وتم مؤخرا إيقاف أكثر من أربعين في المئة من قاطراتها عن العمل بدعوي حماية الركاب!!، ويصنف هذا الخراب المستعجل تحت بند الإصلاح الاقتصادي ، ليأتي الإصلاح السياسي ليمكن المخربين من رقاب المواطنين، فهم الأشد عداء للحريات والديمقراطية والمساواة ودولة القانون. وداخل حزبهم لا يمارسون الانتخابات، والأب الذي اعتاد اختيار مسؤوليه وتعيينهم، فوض النجل بدوره لاختيار الأعضاء الجدد، وتعيين المسؤولين، ونتيجة لذلك لا يجرؤ احد من هؤلاء أن يخرج عن النص، أو يتوسم في نفسه القدرة علي تقديم اقتراح أو مشروع أو برنامج لمقاومة الفساد أو الرشوة أو النهب المنظم، أو محاربة الفقر، أو التصدي لمخطط تصفية الفقراء وقتلهم، بكل صنوف القتل وأدواته.. بنشر التلوث والأوبئة الفتاكة.. وبالإهمال المتعمد في العلاج والصحة، فما دام الأباطرة الجدد محصنين في قلاعهم، وحصونهم وقصورهم ومستوطناتهم، الممتدة من شواطئ البحر الأحمر وشرم الشيخ حتي نهاية الساحل الشمالي، علي البحر الأبيض، فليذهب الوطن والمواطن إلي الجحيم. وهذا هو أشد أنواع الانحطاط السياسي والأخلاقي، وهو شيء لم يمر بمصر من قبل. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية