القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: رحيل الشاعر أحمد فؤاد نجم عن عالمنا يمثل خسارة أكيدة لشعر العامية المصرية، رغم انقطاع الرجل عن الكتابة قبل سنوات طويلة من رحيله. غير أن نجم ليس ظاهرة شعرية فحسب بل هو ملمح على عصر بكامله، بما ينطوي عليه ذلك من تحولات سياسية ومجتمعية مؤثرة، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على النص الشعري في عمومه وعلى قصيدة العامية بشكل خاص.
كان نجم جزءا من مشهد اليسار المصري وأصابه ما أصاب اليسار من سجن وإقصاء، غير أن نجم ورفيقه الشيخ إمام عيسى كانا الأكثر خطورة، حيث استطاع نجم، بشعريته التي صنعت في أفران العامة وفي قلوب الدهماء وبسطاء الناس، أن يخترق الكثير من الحجب ويحطم الكثير مما تعارف على أنه من الممنوعات في قدح السلطة ورموزها في الداخل والخارج، وكانت حنجرة المغني والملحن الفريد الشيخ إمام عيسى نموذجا للوعي الثوري المبكر الذي يذكرنا بتجارب مشابهة في تاريخنا الحديث على رأسها تجربة المغني التشيلي الأشهر فيكتور جارا الذي أعدمه رجالات الانقلاب في تشيلي بعد أن بتر أصابعه التي عزفت ألحانا صارت صوتا لمن لا صوت لهم.
فكيف يرى المثقفون والشعراء في مصر ظاهرة نجم كشاعر وما الذي يمثله في تلك المعادلة الصعبة بين السياسة والفن على السواء، وكيف يرون موقعه في الحركة التأسيسية لقصيدة العامية وكذلك موقفه السياسي الذي كان جزءا من اجتهاده الشعري العميق المؤثر.
هنا عدد من تلك الشهادات التي أدلى بها عدد من الكتاب والشعراء المصريين من مختلف الأجيال حول تلك التجربة.
شعرية تناسخ الدور
جمال القصاص
احترم تجربة أحمد فؤاد نجم الشعرية وأقدرها، وأعتقد انه لعب دور المحرض السياسي شعريا بامتياز، والمدهش في هذا الشاعر أنه جعل من شعره سلاحا، توحد بهذا الدور، والتصق من خلاله نجم بالفضاء الشعبي والجماهيري بعفوية وتلقائية شديدين. إنه دور الخط الواحد والبعد الواحد، يصعد ويهبط، يتوتر ويخفت، بحسب زخم الحراك السياسي والاجتماعي على أرض الواقع، لذلك أرى أن شعرية نجم، هي شعرية تناسخ الدور، مع تغيير في بعض الرتوش اللغوية، التي تفرضها وتستدعيها أحيانا طبيعة النص، وأيضا طبيعة المصادفة الفنية، والتي تعتمد في شعر نجم على لغة الإيصال المباشرة، وهي لغة لا لبس فيها، كل غايتها أن يصل النص للقارىء بسهولة وسلاسة، وتنجح في أن تستثيرة سياسيا واجتماعيا، لكنها في المقابل تخفق كثيرا في استثارته جماليا وفنيا. وهو ما يعكس نوعا من الثنائية، يبن الفعل الثوري بكل تبدياته من التمرد والتحريض والاحتجاج، وبين طرائق تشكله فنيا على مستوى اللغة والعلاقات الجمالية التي يفرزها النص، ويؤسس لها بتراكم الخبرة وتنوع المعرفة والتجربة.
‘ شاعر
شاعر الألم المصري الجوال
صلاح اللقاني
بوفاة الشاعر أحمد فؤاد نجم الذي نزل خبره كالصاعقة على محبيه، تنطوي ظاهرة شعرية مصرية وإنسانية شديدة الخصوصية. صاغت هذه الظاهرة ظروف عدة أدى اكتمالها إلى تجلي تلك الحالة الفريدة حيث الشاعر يتقدم الصفوف حاملا في كلماته وجدان شعب بأكمله يسعى للخروج من سجن الاستبداد والقهر والاغتراب، فجمع في ذاته ذوات أخرى مصرية تمكن أن يهضمها جميعا بمعدة عفية وعفوية ومتدفقة. لقد جمع في داخله عبد الله النديم وبيرم التونسي وصلاح جاهين وخرج مع رفيق نضاله الموسيقي الضرير الشيخ إمام يفضحون جثة الواقع التي تعفنت، ويبشرون بصباح جديد، تعود فيه مصر للمصريين، ويعود فيها فقراء الوطن لتقدم الصفوف، ونيل نصيبهم العادل من رغيف الوطن الذي خبزوه بعرقهم ودموعهم. لم يكن أحمد فؤاد نجم جاهلا، رغم أنه لم يتلق تعليما منظما، ولم يفتقر للرؤية السديدة سياسيا وشعريا واجتماعيا. تلقى تعليمه من جامعة الحياة المفتوحة، وتشرب النماذج العليا في شعر العامية ممن سبقوه، ونهل من الشعر الشعبي الذي يتردد على ألسنة العامل والفلاح، وأتاحت له تجربة السجن لقاء كبار مثقفي مصر لقاء مباشرا، صقل وعيه وأرهف حاسته. وكانت له قدرة لا تبارى في الوصول إلى المفردة الشعبية المكتنزة بالدلالة، والحافلة بالمعنى، والغنية بالموسيقى. وسيكون من الجهل العميم، والخطل النقدي، اعتبار أحمد فؤاد نجم كاتب شعارات سياسية موزونة ومقفاة، دون الالتفات إلى معجمه الشعري الخاص، وتشكيلاته الدرامية، وقدرته الخارقة على الوصول للناس، وحضوره الدائم في لحظات مصر المصيرية، دون أن يملك ضرا ولا نفعا لأحد حتى يجد من يفرضه على وجدان الناس. ومن الخطل الفكري والجمالي النظر للكتابة الشعرية التي تعبر عن ضمير الجماعة نظرة أدنى من تلك التي تتغنى بآلام الفرد المعزول، الذي يغني وحدته وأنانيته. ولنتذكر أننا ننتمي لجيل شعري طالما سخر من ظاهرة أمل دنقل، انتصارا لطلاسم كتابية سقط معظمها من ذاكرة الكتابة العربية إلا عند أصلاء التجربة، والموهوبين منهم. إن المأتى السريع لشعر أحمد فؤاد نجم جزء من عبقرية توحد الألم الفردي مع ألم الجماعة. وإن موسيقاه موسيقى شعبية تخرج للتو من فرن التجربة الإنسانية لتصل إلى متلقيها ساخنة، وطازجة، وبنكهتها الحريفة. إنه شاعر الألم المصري الجوال، ومغني الثورة، وديك الفجر الذي يبشر بانقشاع الظلام .
‘ شاعر
بعيدا عن شقشقة الشعراء
قريبا من روح الناس
مسعود شومان
‘أنا مش فاهم حاجه صراحه .. لما القاتل يا خد جايزه .. كده من دون تلبيخ وقباحه .. يبقي .. يا إما اللجنه دى بايظه .. أو لا مؤاخذه .. رئيسها حمار، كنا نقول لبعضنا نحن معشر الشعراء الذين يلهثون وراء الصور الشعرية إن هذا النوع من الشعر يُنسى بعد سماعه وإنه يرتكز على قيم شفاهية لا كتابية ولم يحدث ما قلناه، وظللنا نجري وراء تكثير الدوال والرؤى النظرية باتجاه طموح محموم لتجاوز المباشرة والخروج من أسر الأباء وتجربتهم التي لم تكن بالفعل تجربتنا، لكن نجم رغم الاختلاف مع توجهه ظل علامة في تاريخ النضال بالشعر، ربما اختلف بعض النقاد والشعراء حول حجم شاعريته، لكنهم أجمعوا على تميز شخصيته وخصوصيتها، لأن شخصيته لصيقة بشعره واتجاهاته، لا انفصام بينهما، فإذا كان يحلو لبعض النقاد التعامل مع النص الشعري بوصفه ذاتا لها استقلالها عن شخصية كاتبه، فإن ذلك مع حالة نجم سيكون مخاطرة نقدية، وبالرغم من الجدل الذى دار حول تجربته، فقد أجمع العامة على محبة ما يقول وما يكتب، فحين تدنو منه ومن أشعاره لن تشعر بمسافة بين الإنسان وما يكتب، كما أنه لا يحب شقشقة المثقفين الذين يسبحون في أودية بعيدا عن الناس وإيماناتهم فهو على حد قول الشاعر الفرنسي’لويس أراغون’:’إن فيه قوة تسقط الأسوار’ويتأكد هذا القول مع بينما إطلاق’علي الراعي’عليه الشاعر البندقية، لكنه كان فى كل الأحوال كان منتميا للناس رافضا حياة المثقف الذى يعيش فى برجه العاجى بعيدا عن أهل البلد: ‘يعيش المثقف على مقهى ريش .. يعيش يعيش يعيش.. محفلط مزفلط كتير كلام.. عديم الممارسه.. عدو الزحام.. بكام كلمة فاضيه.. وكام اصطلاح.. يفبرك حلول المشاكل قوام.. يعيش المثقف.. يعيش يعيش يعيش.. يعيش أهل بلدي’، هكذا يعرف نجم هدفه كرصاصة تذهب مباشرة إلى جسد القضية، لذا فقد تركت بعض أشعاره مكانها الشعرى لتقوم مقام الشعار، أليس ذلك من أدوار الشعر، سؤال قد يشتبك معه الكثيرون ممن يحبسون الشعر في دوره الجمالي فحسب، وهل نستطيع هنا أن نفصل الشعر عن الشاعر، أن نضع حدا بين الحياتي والفني عبر رحلة المعاناة، بداية من الطفولة، مرورا بالنضال والصعلكة، وليس انتهاء بالسجون التي أكلت وشربت من روح وجسد هذا الشاعر، والمجابهات التي دخلها كتابة، وحديثا، ونضالا لا يلين ولا ينقطع كأنك أمام شاب لم تنطفئ في روحه جذوة الثورة أبدا، إنه ذلك الكتاب الذي يمكن استعادته كلما أردنا التأريخ للمكابدة والنضال؛ طفولة مشردة، وشباب مقموع، وشعر محاصر، وكتابة لا تلقى محبة ومتابعة النقاد، فقد كان النقاد فى واد والشعراء في واد، ونجم فى واد، يكتب غير آبه بالنقاد، كل ما كان يعنيه أن تصل كلماته (الأشعار ـ الأغاني ـ الأزجال) إلى الناس ويكون لها فعلها على الأرض، لذا فقد امتطى صهوة التراث والمأثور الشعبي دون قصد الاستلهام أو التوشية، لكن استلهاماته تأتي من صندوق الخبرة الحياتية، فهي ليست خبرة قرائية أو نزوعا نحو استدعاء عناصر الفولكلور ليصبح شعبيا، فالعناصر تأتي ببساطة كأنها شعر الناس .
‘ شاعر وباحث في الأدب الشعبي
شعر خارج المظلة
عاطف عبد العزيز
في عام 1974 شاهدت الثنائي نجم وإمام للمرة الأولى، كان ذلك في حفل غنائي أقامته إحدى الأسر الطلابية بكلية التربية الفنية بالزمالك، وما زلت حتى الآن أذكر تلك الصدمة التي تلقيتها آنذاك وأنا أسمع واحدة من أغانيهما المشتركة، ربما كان اسمها ‘على المحطة’، إذ كانت الأغنية تصور فيما تصور مشهدا حسيا صريحا لرجال يتحرشون بفتاة ترتدي الميني جوب داخل وسيلة نقل عامة. الصدمة لم تكن أبدًا في المشهد، بل كانت في اللغة الخشنة الجارحة التي اختارها أحمد فؤاد نجم لرسم ذلك المشهد، ساعيا من خلالها إلى خلخلة المفاهيم المستقرة عن الأخلاق داخل المجتمع، وإثارة الوعي بذلك الحائط السميك الذي ظل قائما بين السلوك الاجتماعي والرغبات السرية لدى البرجوازية المصرية.
وعلى أية حال، فقد وسمت تلك اللغة الجارحة اليقظة حضوره العام، ليصبح مجرد التماس مع نجم، سواء كان ذلك على المستوى الإنساني أو الشعري، فرصة لمواجهة المسكوت عنه ومحاصرة الوعي الزائف الذي لا يكف بطبيعته عن التمدد داخل الإنسان المعاصر بحكم وقوعه تحت وطأة آلة الإعلام الجهنمية وما تضخه من ثقافة الاستهلاك.
تبدو أهمية نجم القصوى إذن في صيرورته – مع الوقت- ممثلا للضمير العام وربما بوصلته أيضا، اللافت هنا أن هذه الأهمية وتلك المكانة كانتا تتعززان يوما بعد يوم، وعاما بعد عام على خلفية (التحولات/الانقلابات) الاجتماعية والسياسية الضخمة التي طرأت على الواقع المصري والعربي عبر العقود الخمسة الأخيرة، وما خلفته من ارتباكات فكرية وخلط للأوراق وتداخل في الخطوط، بينما بقي نجم قادرا طوال الوقت على إيجاد الموضع السليم لقدمه والحفاظ على المسافة بين منطلقاته الفكرية والواقع المتجدد.
إن تجربة أحمد فؤاد نجم التي لا يمكن فصل الشعري فيها عن الإنساني، تبدو الآن وكأنها أوسع من مخيلة النقد بأدواته الكليلة، ربما ذلك لأن نجم نفسه بات أكبر من كونه مجرد شاعر.
‘ شاعر
شاعر يجرح الذوق العام
سمير درويش
القصائد التي خلفها أحمد فؤاد نجم تنتمي إلى شعر المقاومة الذي يرتبط باللحظة التي كتب فيها وعنها، زمانيًا ومكانيًا، دون الاهتمام بجماليات الشعر، كصنع صورة مفارقة، أو تركيب لغوي لافت- وإن لم يخل من ذلك-، بل نجده على العكس يستخدم الدارج والمشاع من مفردات اللغة، حتى وإن بدت جارحة للذوق العام. يكتب أحمد فؤاد نجم وفي ذهنه إثارة جماهيره من العامة ودفعها لاتخاذ موقف سياسي ما، غالبا ما يكون ضد السلطة القائمة، أية سلطة جاءت على مصر طوال أكثر من ستين عاما، كتب خلالها الشعر المقاوم، فسجله مليء بالقصائد التي تهاجم جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، وحتى محمد مرسي. نجم نموذج لمناضل الفقراء، وظف شعره من أجل هذا الهدف ودفع الثمن غاليًا سجنًا وتشريدًا سنوات طويلة من عمره، حتى هيئته الخارجية ببنيانه الجسماني الهزيل وجلبابه يشيان بذلك، هو بشكل ما امتداد لعبد الله النديم شاعر الثورة العرابية، وهما معًا يشكلان خطًا مميزًا ومتميزًا في حركة شعر العامية المصرية، الذي يوازي خط فؤاد حداد وجاهين والأبنودي الذين أولوا اهتمامًا بتطوير جماليات شعر العامية، باعتباره رديف قصيدة الفصحى، وإن تأخرت في تطورها قليلاً، واعتمدت تركيبات أكثر سهولة. قصائد نجم سهلة وسلسة، وأسلوبه بسيط يعتمد الصوت العالي، والصدام المباشر، والسخرية اللاذعة، شائع وعادي في أحيان، وسهل ممتنع في أخرى، هذه التركيبة جعلت كثيرين من الهواة يقلدون شعره في قصائد سياسية وينسبونها إليه رغبة في تمرير موقف ما من قضية معينة، فنجم صادق لدى العامة وجماهيره العريضة، وصلب عنيد لا يهاب، يقول كلمته واضحة دون اعتبار للنتائج، ويكفي مثلاً أنه صاحب قصيدة ‘بيان هام’ التي تمثل فيها الرئيس الأسبق أنور السادات بشكل ساخر، وهو يلقي بيانا للأمة، في عز سطوة السادات، مقلدا أسلوبه الأبوي الريفي، ولهجته الأريحية، وقد حوكم عسكريا وحكم عليه لقاء قصيدته تلك. ستبقى قصائد نجم باعتبارها شعارا سياسيا يتم استدعاؤها كلما لزم الأمر، وأظن أن الأمر سيلزم كثيرا في المستقبل القريب، بل والبعيد، في أمة تعاني من أزمات جمة لا يبدو لها انفراجا في الأفق.
‘ شاعر ورئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة
عن القفص والعصفور …
عن أحمد فؤاد نجم !
عبد الرحيم طايع
الموت، في النهاية، يحدث غير أن الناس لا يصدقونه مهما كان ثابتا ومستمرا ونافذا، يتعاظم تكذيب الحقيقة الأزلية حين تلف الأكفان جسدا حفظت ملامحه الناس وجل حركاته وإشاراته واعتادته كما اعتادت الطعام والشراب والنوم وممارسة الحياة، وحين تصعد إلى السماء روح أثرت الأرواح بأثرها البالغ فيها وغيرت العقول من فيوضاتها الألمعية تغييرا كبيرا ؛ كان موت أحمد فؤاد نجم حالة واضحة من حالات الموت غير المصدق على الرغم من مرض الرجل وكبر سنه وتوقفه الطويل عن الكتابة قبل الوفاة !
في السنوات الأخيرة التي سبقت رحيله، برز أحمد فؤاد نجم بروزا هائلا على الساحة الإعلامية المصرية (هو الذي كان أقرب إلى المنشور السري إلى ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير) ؛ فانفجار الأرض ببركان الغضب الشعبي هو اللحظة التي مهد لها شعره الغزير تماما كما لم يهد لها شعر شاعر آخر (ربما أستثني الراحل الكبير فؤاد حداد لكن لهذا حديث مغاير)، ثورة يناير كما لو كانت ثورة نجم نفسه، وقد شارك، في حر شمس وسط القاهرة قبلها (بينما قدماه لا تساعدانه على الوقوف)، في عديد من الوقفات الاحتجاجية مع حركات ككفاية ومع تيار اليسار المصري الذي عاش ومات ينتمي إليه بقوة ومجموع المثقفين الثوريين ممن كان يطمئن إليهم ويأنس بهم ويسامرهم … هذه الوقفات بالمناسبة، كانت، مع فعاليات شبيهة أخرى وعناصر داعمة، بمثابة اختمار العجين الثوري !
شعر نجم الذي كان الشباب يتغنون به في الميادين؛ هو الشعر الذي خطته الميادين نفسها بيديه، فلم يكن سوى ابن الحارة المصرية التي تفضي إلى شارع يفضي إلى ميدان يلم عشاق الوطن الشجعان :
الجدع جدع
والجبان جبان
بينا يا جدع
ننزل الميدان
………….
لقد تنزهت قصيدته السياسية عن الوقوع في الفخاخ التقليدية الممجوجة بمرور الوقت ؛ فومضت وميضا مختلفا ميزها عن غيرها، ونجت من نسبتها إلى المناسبات والظروف، بل حفرت لنفسها مكانا فذا بين أبناء جيله وما تلاه من أجيال، صار هم بعضها الأكبر، أي تلك الأجيال التي تلته، ألا تقع هي في مصيدته!
كان نجم متسقا مع نفسه تماما، آراؤه السياسية في الغرف المغلقة، هي ما يقوله على شاشات الفضائيات، وقد كانت القنوات الفضائية تتهافت عليه إذ خرجت للنور ؛ كمادة شيقة جذابة ببساطة مظهره وجرأته وتلقائيته وخفة روحه !
نجم، في الأول والآخر، رحلة إنسانية وإبداعية شديدة الثراء، وحالة مصرية صافية خليصة ندر أن نعثر، في جملة تقلباتها الحياتية، على نظير لها، وحكاية قفص لم يكن بابه ينفتح للعصفور إلا وينغلق، بصرير عال، في وجهه … لكن لا يبالي (مع أن الطبيعي أن ييأس ويصيبه السأم والزهق والكلول) :
وكل يوم في حبك
تزيد الممنوعات
وكل يوم باحبك
أكتر من اللي فات !
………….
وداعا للجسد النحيل الذي لم تبد عليه الراحة فيما عاش كثيرا ولو هنيهة، وإنما ظهر عليه دائما أنه يسعى بالناس إلى إدراكها ونيلها، كأفضل ما يكون المجاهد في سبيل وطن عزيز حر، وسيلته إلى بلوغه جميل الشعر!
‘ شاعر
نجم كحقيقة وجودية
سعد القرش
أربعة اعتبرتهم من ‘حقائق الوجود’ ولكنهم يخذلونني واحدا بعد الآخر، محمد عبد الوهاب، نجيب محفوظ، أحمد فؤاد نجم، محمد حسنين هيكل. في ما بعد، حين يذهب الحزن على رحيل ‘ظاهرة’ يتداخل في شخص وإنجاز صاحبها الفن والشعر والسياسية، سيطرح عدد من الأسئلة حول الأسباب الحقيقية لفض الشراكة بين نجم والشيخ إمام، وعلاقة ذلك، على مستوى آخر لا علاقة له بهما، بتحول الثائر إلى سياسي، من النقاء الثوري الفني إلى التجربة التي تلوث صاحبها وتفرق الأصدقاء. لم أجد في بيته مكتبة، ولكني كنت أندهش لقوة ذاكرة نجم، الذي يستشهد بالمتنبي وبيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين، وكانه يقرأ من كتاب، فمتى قرأ وحفظ هذه الدواوين؟ وهو الذي كنت تستطيع ان تجده في مكانين في الوقت نفسه. من الأسئلة التي ستطرح أيضا وتحتاج إلى تفسير نفسي.. لماذا نسبت أشعار آخرين، والتي غناها الشيخ إمام، إلى نجم، ومنها ‘اتجمعوا العشاق’ لزين العابدين فؤاد، و’يا مصر قومي وشدي الحيل’ لنجيب شهاب الدين. ويرتبط بذلك، إذا مددنا الخيط إلى آخره، قصائد نشرت في نهاية حكم مبارك ونسبها أصحابها لنجم الذي قال إن كتابها يحتمون باسمه. ذاكرة نجم لا يقل أهمية عن شعره وسيرته، وربما نرى كتابا يجمع صاحبه حكايات نجم عن ظرفاء جيله وفنانيه ومثقفيه وسياسييه وسجانيه، وستكون هذه النوادر جزءا مهما من ذاكرة مصر المعاصرة
‘روائي وصحافي
شاعر الذاكرة الجمعية
أسامة عرابي
أحمد فؤاد نجم ظاهرة شعرية فريدة واستثنائية في آن.. عُرفت دوما بالتزامها الوطني والإنساني، مدركة أن الشاعر ليس ابن اللغة فحسب، بل التاريخ والواقع أيضا.. ومن ثم فهو منتمٍ إلى أحد فريقيْن: إما أنه طامح إلى التغيير والتحول الثورييْن، وإما أنه مسهم في تكريس الواقع الرديء وتدجين الإنسان.
لذا آمن منذ البدء بحيوية وجود قضية للشعر تمنحه معناه وحضوره، وأن الإنسان ذات يتعين أن تقوم على الحرية تعبيرا عن قلق داخلي،وعن مخزون روحي ثر، محتفظا بطفولته الدائمة في استدعاء ثراء اليومي.من هنا؛ جاء شعره ردا فنيا بليغا على هزيمة الخامس من يونيه عام 1967التي سعت إلى إجهاض حركة التحرر الوطني، والسيطرة على النفط والأسواق العربية، وعلى مخططات الحل السلمي التي مثَّلها قرار مجلس الأمن في 22 نوفمبر1967 ومشروع روجرز الذي كان يرمي إلى إحداث تخلخل في الأوضاع العربية على نحو يسمح بتحرك أردني ضد المقاومة الفلسطينية بدعم أميركي- إسرائيلي. لهذا جاء شعره صادرا دوما عن وعي حاد بتاريخيته، وجدله مع اللحظة الآنية، برهاناتها السياسية والاجتماعية، ومساءلة الذاكرة الجماعية؛ باحثا عن الحقيقة الثاوية في قلب الأشياء البسيطة، عامدا إلى اكتشاف مغزى الحياة، وإغنائها بالدور المسؤول. الأمر الذي جعله أشد انحيازا إلى تراث الأغنية السياسية الوطنية كما عرفناه لدى سيد درويش وبديع خيري وبيرم التونسي ومن إليهم؛ بفضل ما توافر لإبداعه من تمكن وحرفية ولمحات فتية وقدرة تعبيرية وبساطة مُعجزة تصنع ذلك التواصل الحي الذي يستنفر المتلقي ويدفعه إلى التساؤل والتفاعل.. صانعا من مفردة الوطن قيمة إنسانية قادرة على خلق جماليتها الخاصة،ومخاطبة الناس والزمن والأحلام، مرتحلة مع الأنا المتكثرة، دافعة المواطن العادي إلى التفكير بالمخيلة..والإيمان بأن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، وأن من حقهم أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم.. ومن ثم؛ التمرد على صنمية السلعة، مستعيدا الفعل الجمعي تجاه الفردية الليبرالية. لذلك خلق ‘أبو النجوم’ بشعره حالة من الحيوية الثورية القادرة على التصدي لجهاز الدولة القمعي، كاسرا الركود السياسي الذي أحاط بالمحروسة قبل ثورة 25 يناير2011، داعيا الجماهير الشعبية إلى انتزاع الحق في المشاركة الديمقراطية، والتحرر من طغيان الهشاشة اليومية. لا شك أن أبا النجوم سيخلِّف فراغا كبيرا في حياتنا العامة، وسنفتقد حضوره الآسر، وقاموسه المتفرد في العشق، ونحت المفردة شديدة الخصوصية والجمال.
‘كاتب وناقد
كان يغني مصر
أمل جمال
عندما انطلقت أغنية ‘يا بلح زغلول’ لسيد درويش كانت أغنية مضادة.عاد بسببها سعد زغلول من المنفى. وعندما كتب بيرم التونسي لأم كلثوم (يا جمال يا مثال الوطنية… أجمل أعيادنا المصرية… بنجاتك يوم المنشية) كانت شاهدة على عصرها. تدلل على جزء من تاريخنا السياسي (محاولة اغتيال الإخوان المسلمين لجمال عبد الناصر). ما الذي يجعل مثل هذا الشعر مضادا للنسيان، إلا انه يمثل جزءا من وجدان الشعب. خرج منه، وخاطبه، فتمسك به. وصار إضافة لوعيه الجمعي.
من هنا خرج أحمد فؤاد نجم بشعره. من نفس الطين ونفس الوجع، وبالعامية السهلة الجارحة التي ينحتها من حكمة أجداده. وبالسخرية المعجونة بمرارة الواقع وألم المسكوت عنه اختار أن يعبر منها. فكان صوت الفقراء والمهمشين والأيقونة التي تضيىء ضد الظلم. لتنتقل الشرارة منه إلى ذويها صوتا فصوتا لتهدر وتهدم جزءا من جدار الخوف. وتغنيها الجماهير مع الشيخ إمام رفيق دربه الذي أخرج شعرأحمد فؤاد نجم. من جلسات الشعر المحدودة. وندوات الجامعات، إلى كل طوائف الشعب لتغنيها وتزيد من دائرة تأثيرها المتناغم مع وجدان الشعب الذي وجد ضالته فيها.
كتب أحمد فؤاد نجم قصائده المضادة ولم يشغله أن يدفع ثمن اختياره، من جرح الهزيمة عام 67 كتب (الحمد لله خبطنا تحت باطاطنا، يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار) وسجن حتى وفاة عبد الناصر ورغم ذلك نعاه بقصيدة (السكة مفروشة تيجان الفل والنرجس… والقبة صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس). لأن عبد الناصر انحاز للفقراء الذي ينتمي إليهم، كما نعى جيفارا في قصيدة (جيفارا مات).
ثم جاءت حقبة السادات التي كتب فيها العديد من القصائد التي ألهبت حماس الشعب وكان وقودها طلاب الجامعات وعمال المصانع في الأحداث السياسية المتواترة في السبعينات كانتفاضة الجوع في يناير 1977 ومعاهدة كامب ديفيد التي كان ضدها ثم سياسة الانفتاح وتزايد الهيمنة الأمريكية.
نجد العديد من القصائد القنابل التي تتفجر وتفجر ما حولها بشجاعة. يكتب نجم (الخواجة الأمريكاني) ويغني نجم ثم تغني الناس. يكتب (بقرة حاحا النطاحة) و(قصيدة البتاع) وغيرها ويدخل السجن في عهد السادات ويخرج ليكمل دربه الذي اختاره، منحازا للفقراء والمظلومين فيكتب في عهد مبارك عددا من القصائد منها (كل سنة وأنت حاكم واحنا محكومين ….واحنا مظلومين ô واحنا متهانين) وغيرها من القصائد الرافضة لنظام التوريث لجما ل مبارك. (جمالك مبارك … سوزانك سوزانا …. يا محلا حصارك لمصر اللي جالنا). ثم كانت الثورة التي كانت حلمه وتتويج جهاده ولو يكف نضاله في الميدان وخارجه بين جموع الثوار عاشقا لمصر حاميا لحلمه فكانت القصائد التي تفضح الإخوان تهاجمهم وتقصم ظهرهم حتى آخر يوم في حياته. كتب وغنينا نحن من بعده وسيغني أبناؤنا من بعدنا لأن نجم لو يكن يكتب شعرا بل كان يكتب مصر.
‘ شاعرة ومترجمة