لم يكن غرق لبنان في شبر ماء بعد الشتوة الأولى، التي جاءت متأخرة اكثر من شهر على موعدها، سوى مؤشر على الانهيار الشامل الذي تعانيه مؤسسات الدولة. فلبنان لم يخرج من حربه الأهلية عبر اتفاق الطائف، الا ليدخل في الحرب الاقليمية. ودخول لبنان في هذه الحرب اتخذ شكله العنفي منذ اغتيال الحريري عام 2005. فهذا الاغتيال وما استتبعه من حملة قتل واغتيالات كان تعبيرا عن انهيار توازنات تسوية الطائف السياسية بين جناحيها السعودي من جهة والسوري الايراني من جهة ثانية.
اليوم، ووسط بحيرات الدم السورية، تستعد الحرب الاقليمية كي تتحول حربا اهلية من جديد. وكل من لا يرى مؤشرات هذا السيناريو المرعب، يكون كمن يضع رأسه في الرمل. مؤشرات هذا التحول ليست من مسؤولية القوى الاقليمية وحدها، بل هي مسؤولية القوى الطائفية اللبنانية التي رأت في الحرب السورية، وتحولاتها وتوازناتها، مناسبة لتعديل ميزان القوى الداخلي والانقضاض على السلطة، واعادة توزيع مغانمها، عبر احداث انقلاب يطيح بنية اتفاق الطائف الهشة.
لم يكن اتفاق الطائف سوى تعبير عن قرار دولي اقليمي بانهاء بؤرة الحرب في لبنان، وقد تمّ ذلك عبر تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية من جهة، وتقاسم الصلاحيات بين مجلسي الوزراء والنواب من جهة ثانية. اي تقليص دور المارونية السياسية، عبر تقاسم للسلطة بين السنية السياسية والشيعية السياسية.
بدا هذا التقاسم مستقرا في ظل توافق وظيفي بين النظامين السوري والسعودي، اقتضى ان تتولى السنية السياسية الاقتصاد، وتهتم الشيعية السياسية بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، على ان تترك القرارات السياسية الكبرى للراعي السوري.
لم يصمد اتفاق الطائف الا عبر تهميش قوى المارونية السياسية بشكل جذري، جعلها حتى بعد الخروج السوري من لبنان، مجرد لاعب هامشي، لتستقر الطابة في ملعب التوازن/ الصراع بين الشيعية السياسية والسنية السياسية.
من هنا جاء اغتيال الحريري بمثابة اعلان حرب. فلبنان يعيش منذ ثمانية اعوام حربا اهلية غير معلنة، يشكل اللاتوازن في القوة العسكرية ميزتها الأساسية.
فحزب الله، ليس مجرد قوة عسكرية كبرى تلعب دورا محددا في الصراع مع العدو الاسرائيلي، بل هو ايضا جزء من منظومة الصراع الاقليمية التي تمتد من طهران الى دمشق. كما ان دوره السياسي والعسكري الداخلي اخذ في التعاظم والبروز بعيد انسحاب جيش النظام السوري، ليتحول الى قوة ردع في مواجهة خصومه المحليين والاقليميين.
الحرب الأهلية الخافتة التي أشارت اليها الاغتيالات، (الملاحظ ان الاغتيالات توقفت بعد اتفاق الدوحة، الذي اعطى الشيعية السياسية حق الفيتو على جميع قرارات السلطة التنفيذية عبر الثلث المعطّل الشهير)، بدأت مع اشتعال النار السورية، والقراءات المتناقضة لها، تتحول ببطء الى حرب صاخبة، في اماكن محددة (طرابلس بشكل رئيسي)، تُبقي النار مستعرة الى ان يحين موعد الانفجار.
الاتفاق الامريكي الايراني، الذي يقوم بتهدئة اللعبة دوليا، لا يعني انه سينعكس تهدئة داخلية لبنانية ، بل قد يقرأه الطائفيون اللبنانيون على انه اعطاء للضوء الأخضر بهدف اعادة رسم التوازنات اللبنانية من جديد، على قاعدة تصريف فائض القوة العسكرية التي يتمتع بها حزب الله في التوازنات السياسية.
اشارات هذا التصريف بدأت عبر التلويح بالفراغ، نتيجة رفض السنية السياسية القبول بشرط الثلث المعطّل في الحكومة التي صار تأليفها شبه مستحيل.
لبنان امام مأزق الفراغ الذي سيتجلى عند العجز عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية، في تلك اللحظة، وامام استحالة تشكيل حكومة جديدة سيكون لبنان في فراغ سياسي شامل. لن تتكرر تجربة الحكومتين البائستين اللتين تصارعتا بعد نهاية عهد امين الجميل، وانتهى صراعهما بحسم عسكري تولاه الجيش السوري. بل اغلب الظن اننا سنكون امام فوضى شاملة لن ينفع معها فائض القوة العسكرية في حسم الصراع ودفعه الى تسوية تعيد انتاج الصيغة اللبنانية. بل سنكون امام ما يشبه الانقلاب الفاشل، الذي سيطيح بما تبقى من المؤسسات، مُدخلا لبنان في مجهول التفتت.
شيء يدعو الى الخوف فعلا. لأن اهم عناصر هذا الانسداد السياسي هو اضطرار المحلل الى اللجوء الى تحليل طائفي، علما ان البنى الطائفية حين تتحول الى قوى سياسية لا تكون سوى صانعة للحروب الأهلية والمآسي.
خوف وخجل، لأن السياسة في لبنان، بقيت اسيرة تكوين هذا البلد الصغير، سياسة قائمة على بنى عهد المتصرفية، حيث لم يكن الحكم الذاتي سوى قناع لتقاسم السلطة بين الطوائف، التي تعلمت ان وسيلتها الوحيدة للبقاء هو الاخلاص لاسيادها والتبعية لهم.
الطوائف لا تتعلم من التاريخ، ولا تتعظ بالتجارب. وهي تقوم بتكرار المكرر، لأنها لا تملك سوى سلاح واحد اسمه الخوف من الآخر واخافته في الآن نفسه.
لقد نجح النظام الاستبدادي البعثي في توحيش سورية، كان رده على صرخة الحرية التي اطلقها اطفال درعا هو القتل وتشويه الجثث. وقام اصدقاء النظام الايرانيين واللبنانيين والعراقيين برفده بمدد طائفي. بينما قام اعداؤه الاقليميون بصب زيت احقادهم الاصولية والطائفية على الشعب السوري. نجح الطرفان في اغتيال المعنى، او هذا ما يعتقدانه.
هذا التوحيش ينعكس اليوم على لبنان عبر افتراض وهمي بأنه من الممكن دخول غابة الحسم السياسي والمسلح من اجل تحقيق اهداف سياسية.
ليس مستغربا ان تلجأ الطوائف الى افتراضات وهمية، فهي تكوينيا ليست سوى تركيبة وهمية، نبتت على اغصان الانحطاط العثماني، وتتعملق اليوم على اغصان الانحطاط العربي.
الى اين يقودنا هذا التحليل؟
هل نبقى في العتمة الطائفية ام نبحث عن ضوء ما؟
انا اعرف ان هناك الألوف بل عشرات الألوف من اللبنانيين واللبنانيات، الذين يشعرون بالعار لأنهم يصمتون امام وحش الطوائف الذي يهدد وجودهم ووطنهم، لكنني اعرف ايضا ان هذه الألوف لا تستطيع ان تنتقل الى لاعب يمنع هذا التلاعب بالمصير اللبناني الا اذا توحدت حول خطاب ديموقراطي علماني يفرض وجوده.
هذا هو التحدي الذي نواجهه منذ انهيار الحركة الوطنية اللبنانية واندثار جبهة المقاومة الوطنية.
وهو تحدٍ صار عدم تقديم جواب له انتحاراً.