التشكيلي عاصم فرمان… شظايا الذاكرة

حجم الخط
2

بدأ الفنان العراقي عاصم فرمان أول حضوره في بغداد عام 1970 ليتخرج فيها من معهد الفنون الجميلة (فن الكرافيك) عام 1978 ملتحقاً في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد ثم أكمل الماجستير في (فن الرسم) عام 1989 والدكتوراه في (تاريخ الفنون التشكيلية) عام 1999 بعدها واصل العمل التدريسي في الكلية نفسها حتى عام 2003 لينتقل من بغداد الى كلية الفنون بجامعة الحديدة باليمن (2003ـ2006) ثم الى الاردن في جامعة عمان الأهلية /كلية الآداب والفنون 2009 ليعود الى اليمن استاذاً مشاركاً في جامعة الحديدة.
والى جانب العمل التدريسي شارك في العديد من المعارض الفنية داخل العراق وخارجه وقد نال عدة جوائز عراقية وعربية منها جائزة فن الكرافيك في بينالي بغداد الثالث عام 2002و جائزة وتكريم ملتقى التشكيلين العرب في القاهرة عام 2012 و جائزة الأوسكار البرونزيه في ملتقى فنانين الشرق الأوسط عام 2012، ولازال الى يومنا هذا يواصل عطائه الفني الباذخ..
أنجز عاصم فرمان العديد من اللوحات التشكيلية المتميزة وهو في كل ما قدمه يعكس المناخ العراقي حيث لم يكن بعيداً عن مأساوية الواقع المجتمعي بكل ظروفه وتداعياته حتى جاء عنوان أعماله التشكيلية الجديدة (شظايا الذاكرة) كي يدلل على وقع الألم جرّاء ما حدث في العراق وما يحدث ،متمسكاً بثرائه الفني وأصالة التراث العراقي حيث يعمد الى مزاوجة التراث بالحداثة في اشتغالاته التشكيلية ويسعى الى ايجاد وسمة مغايرة ومنهج خاص تخطه قدرته الابداعية ونضجه في استحداث الموضوعات المندمجة مع حركة الابداع التشكيلي عربياً وعالمياً مما حدا به الى اختزال ارثه المزاوج بين الماضي والحاضر في عمله (شظايا الذاكرة) الذي يبدو متشابهاً من حيث الاطار الشكلي الا انه يختلف من حيث اشتغاله التفصيلي الدقيق وتوزيع دلالاته بين (التعبيرية، والرمزية) فتأكيد الفنان على تيمة الوجه يكشف اولاً عن انصهار ملامح الوجع وتجمعها في مركز الذاكرة والتي فيما بعد تتحول الى تجسيد عياني مرئي عبر تقسمات الوجه، اذ (بالمسح البصري للشكل ندرك أن الدال أو الحامل المادي هو الشكل الكلي للعمل المتمثل بالوجه السائد على سطح العمل والذي بدوره يجمع بين الدال والمدلول للصورة الذهنية كحامل ومحمول في وقت واحد، فالعمل قائم على إشتغال مفردة واحدة كعلامة كبرى مهيمنة محملة بشفرات وإشارات كبنيات أساسية في معمار الشكل الكلي(، ومن جهة اخرى يكشف عن غربة الفنان واغترابه معاً حيث الوجه يتسع ليصبح الرحم الذي يحتوي الشكل (لاغياً بذلك فكرة المكان، فالمكان هو اتساع الفراغ والانسان هو المحفز الاساسي لقيمة تواجد الفراغ) ،فمن خلال تيمة الوجه استطاع عاصم فرمان مخاطبة الوعي الانساني الساعي نحو الجمال..
رغم تأكيد الفنان على تيمة الوجه الا انه لم يقتصر على الطابع التجسيدي في اعماله (شظايا الذاكرة) بل اشتغل على جوانب اخرى تجريدية عبر هدم الشكل الهندسي واعتمال الخط المنفلت والايهام الحسي ،حيث يغدو الجسد ـفي لوحات اخرى ـ مختبئ خلف الخطوط المتداخلة الكثيفة التي تستدعي جهداً تأويلياً ومتابعة دقيقة، بالاضافة الى مقدرته في توزيع الالوان المستفادة من الاجراء الغرافيكي بشكل يعكس تفاوت الوجع وتداخل الايقونات وتناسبها ضمن العمل المنفرد كي يهيئ المتلقي للنفاذ الى عمق العمل التشكيلي ككل ومتابعة تحولاته التعبيرية والرمزية، وبذا حقق الفنان عاصم فرمان تجاوباً كبيراً في لوحاته بين التخيل والواقع وعكس أفق تصوراته بوضوح ودقة تنساب مع مقومات العمل الفني الابداعي.
ان الحالة الشعورية الفردية للفنان باتت هي الاخرى منعكسة في اعماله (شظايا الذاكرة) مقاربة مع بواكير نتاجه التشكيلي ،فتحول التيمة كما انه يعد مواكبة لسير العمل الفني وانفتاحه على حاضنات فنية ونقدية عربية وعالمية الا انه من جهة اخرى يعد مؤشراً لتراكم الوجع لدى الفنان وهذا الامر يتأكد لو قُرأ نتاجه في أفق سيرته الذاتية وما تزدحم به من احداث، فكما ان الفنان لم يبتعد عن الواقع المجتمعي كذلك لم يغادر سيرته الذاتية والعمل على تضمين اهم مفاصلها في لوحاته التشكيلية المعبرة، فتواشج البعد الذاتي مع البعد الفني في اغلب اعمال عاصم فرمان يكشف عن عمق التجربة ونفاذ الرؤيا لذا نجده يقدم عملاً محملاً بتعبئة جمالية وقيمية عالية المستوى رغم تجاذباته مع الخطاب المأساوي، كما ان تراكم التجربة الفنية وتآزرها مع الجانب النقدي ساهم الى حد كبير في تعزيز الملمح الابداعي في اعمال عاصم فرمان ،فإضافة الى اشتغالاته الفنية فهو يتمترس خلف المجال النقدي بوصفه ناقداً اكاديمياً له اسهامات بحثية شارك بها في مؤتمرات عدّة داخل العراق وخارجه ..

كاتب من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية