ماذا يريدون في طرابلس!

حجم الخط
0

إن كنت ترى أعمدة الدخان الأسود الكثيف تتصاعد من المباني السكنية المتلاصقة، وتسمع طلقات القناصة ورشقات القذائف الصاروخية والمتفجرات، وتشاهد عربات الجيش تسير مسرعة وحائرة، بينما الأطفال والنساء يحتمون بها ويتراكضون وراءها خوفا وهلعا، وإن كنت تجد نفسك ترقب منطقة تجسد واقع مدينة، وتصور حال بلد، وتعبر عن واقع إقليمي مرير، يترنح سياسيا ويتفجر طائفيا ومذهبيا، فإعلم أنك في مدينة طرابلس، وبالتحديد بين جبل محسن وباب التبانة.
في طرابلس إبتدأت الجولة الثامنة عشرة من جولات الإقتتال والتناحر، معلنة المرة تلو الأخرى حالة الإنكشاف الشامل المخيف لبلد يقاسي من ذاته ومن غيره، ومؤكدة على أن هيبة الدولة اللبنانية أو كما يريدها السياسيون والحزبيون والمنظرون قد غدت مسألة فيها وجهة نظر، وقد ينجح فاعلو الخير من قيادات ووجهاء ومشايخ طرابلس في تهدئة لا لجم قادة المحاور المتناحرة، وقد يفلحون في وقف اطلاق النار لا محاصرته وإجتثاثه كما فعلوا عشرات المرات، لكنهم برأيي لن يمنعوا المرة التاسعة عشرة من أن تصبح واقعا داميا يوما ما، ولن يوقفوا عدادات الموت من أن تتدحرج بين الحارات والأزقة.
قد تفهم بواعث الاحتقان الطائفي البغيض في مدينة زركشت بسنيتها وعلويتها، ووقفت كلبنان الواقف على ارجل التنوع والتعايش والتوافق، تنقصه ركيزة النأي بالنفس عما ينفجر من حوله، لتصبح فريسة الأزمة السورية المتصاعدة، وكأن المتناحرين يرغبون في استيراد صراع سوري مميت بإمتياز، فتنجرف طرابلس وما وراءها على درب حمص وحماة ودرعا، أو كأن بعضهم يسعون لإسقاط النظام السوري من بنايات وشوارع طرابلس، أما البعض الآخر فقد إختار تمجيد وتقديس حكام دمشق بأهازيج البنادق وورود الدم اللبناني المسكين.
لست أدري ماذا يريد أبطال الحرب وأشاوس التنازع في طرابلس، وكيف يمكن لجرحهم النازف الملتهب أن يبرأ وينغلق، فهل يرغبون تدويلا وتفتيتا لمدينتهم الواحدة، أو يصبح الحل على الطريقة المصرية، بأن يتقدم الجيش اللبناني إستجابة لنداءات المدنيين وصرخات الأبرياء، فيطبق على مدينة طرابلس ويعتقل ويلاحق كافة القيادات والرموز المتصارعة، ويعلن خارطة مستقبل لطرابلس، تتضمن دستورا واستفتاء واستحقاقات طرابلسية صرفة! أم نذهب إلى المستشفى الإسرائيلي الذي يقبع فيه رئيس الوزراء الأسبق ارئيل شارون، ونحاول أن نخرجه من غيبوبته لنسأله وهو مهندس الجدران العنصرية الفاصلة، نسأله عن أفضل الطرق والابتكارات لتشييد جدار فاصل عازل وشاهق، يحجب سماء جبل محسن عن فضاء باب التبانة، أم نطير مهرولين الى ايرلندا الشمالية، ونسألهم كيف أنهوا حربا اهلية مذهبية امتدت لأكثر من ثلاثين عاما بين الكاثوليك والبروتستانت، سقط خلالها آلاف القتلى والمصابين، فننجز إتفاقا لطرابلس كإتفاق بلفاست، ويحتفل اللبنانيون بأحد ايام الاسبوع في وطنهم كإتفاق الجمعة العظيمة في ايرلندا الشمالية!.
مهما تصاعدت وتجددت ملامح التأزم في طرابلس، ومهما سقط من الابرياء الذين لم يحالفهم الحظ اللبناني عندما كانوا هدفا لصاروخٍ أو غنيمة لقناص، أو الذين قضوا وهم يحاربون لتحقيق غاية في مخيلتهم، أو مأجورون لقوى سياسية ومذهبية فقدت بوصلتها الوطنية والاخلاقية، ومهما بقي لبنان مسرحا وبقيت طرابلس مرآة لعاصفة سورية لا تبقِ ولا تذر، ستبقى طرابلس المدينة الفيحاء التي امتزج فيها الحاضر بالتاريخ، وسيبقى لبنان يخاطب ساكنيه بأن الحل لمشكلاته لا بد وأن يكون لبنانيا قبل كل شيء !.
م. زيد عيسى العتوم
الاردن-اربد
جامعة اليرموك
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية