أكاد أجزم بأن الدستور الجديد سيمر.. ليس لأنه رائع أولأنه أفضل كثيراً من دستور الإخوان، بل لأنني أزعم أن السواد الأعظم من الشعب لم يعد يأبه كثيراً بـ’حدوتة’ الدستور تلك، ناهيك عن كون التجارب والسوابق تفيد بأن نتائج الاستفتاءات تأتي دائماً بالإيجاب، ربما لأسبابٍ في السيكولوجية الجماعية.
لقد مضت أيام الحماسة الأولى حين تحول أفراد المجتمع بقدرة قادرٍ بين عشيةٍ وضحاها من شعبٍ غير مسيسٍ البتة إلى فقهاء دستوريين، بل من الأدق أن نعمم فنقول ان فورة الحماسة العامة المحمولة على أجنحة احتمالاتٍ ووعودٍ لا حصر لها بمستقبلٍ واعدٍ سوف تتحسن فيه الأوضاع غداً قد ولت، ربما إلى غير رجعة، ما يسود الآن هو حالةٌ من الإحباط والملل وفراغ الصبر واستعجال الحلول التي تضع حداً للوضع المتردي اقتصادياً وأمنياً.
السؤال الذي يتعين علينا أن نطرحه على أنفسنا في ضوء تمرير هذا الدستور (أو أي دستورٍ سيتفق عليه في حال إجراء أية تعديلات) هو: ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا كمواطنين عاديين وما هي تداعياته على العملية السياسية برمتها؟
الأكيد في نظري أن ذلك سيؤدي إلى تبديد أية بقية باقية من الوهم في مقدرة هذه الوثيقة، الدستور، على تقديم أية حلول جذرية لأية مشكلةٍ أساسية ومحورية قامت من أجلها 25 يناير، بل أخشى أن أقول ان فترة ما بعد تمرير الدستور ستؤكد لمن كان لديه شك أن هدفاً من أهداف الثورة المعلنة في عفويةٍ شعبية ‘عيش، حرية، عدالة اجتماعية’ لم يتحقق.
أولاً، ما الدستور سوى وثيقة تضافرت على إصدارها مجموعة من الأشخاص من خلفياتٍ مختلفة ومتباينة، تتفاوت درجة تمثيلهم للثوار ولمفاهيم الثورة وأهدافها.. كثيرون منـــــهم إصلاحـــيون أو معادون لفكرة الثورة و’الخروج على الحاكم’.. هم في مجملهم قد يمثلون قطاعاتٍ شعبية عديدة وليس بالضرورة الثورة، والفرق شاسع… فهم يمثــــلون توازنات الضــعف وحالة الإرهاق والاهتراء الاجتماعي التي كانت تنهش هذا المجتمع، في حين أن الثورة كان من المفترض أن تتخطى تلك الحالة عبر من يمثلونها فقط ولا يمثلون سواها، وإذ لم يتوفر ذلك التنظيم الثوري أو الطليعي، أو سمه ما شئت سقطت الثورة في أيدي الأفضل تنظيماً وهم العسكر، ومن ثم الإخوان بالتعاون والتوالي، وكلاهما أبعد ما يكون عن الثورة.
وحدها الأيام المقبلة ستكشف ما يحمله ذلك النص الدستوري من احتمالاتٍ، وعلى الأغلب سيتحقق العديد من المخاوف في ما يتعلق بالمحاكمات العسكرية وغيرها، على ضوء الصراعات المستجدة التي سيفرضها شكل المجتمع وتوازنات القوة والمصالح فيه، وهي بالمناسبة لم تتغير كثيراً عما قبل 25 يناير.
يجوز أن الدستور سيؤسس أو يوفر شكلاً قانونياً للدولة، إلا أن المفاجأة التي ربما لم تعد مفاجأة، حيث بات الكثير يحدس بها، أن شيئاً جوهرياً فعلياً لم ولن يتغير على أساس هذا الدستور، فالتغيير أولاً وأخيراً يحدث على الأرض في صورة مكاسب وتقدم طبقاتٍ وفئات، وهو الأمر الذي لم يحسم حتى الآن، وعوضاً عن التغيير الفوري والثوري كذلك الذي أحدثته قوانين الإصلاح الزراعي كمثالٍ حادٍ وصارخ، أحيلت الاستحقاقات برمتها إلى عملية ‘إصلاحات’ و’تعديلاتٍ’ دستورية وبرلمان ‘سوف’ ينتخب وقوانين ‘سوف’ تناقش و’سوف’ يستفتى عليها و’ربما’ تمر، وحينذاك ‘سوف’ تتم تعديلات، أطال الله في أعماركم جميعاً.
تقوم الثورات لأسبابٍ اقتصادية – اجتماعية في الأساس، وليس لاختلافاتٍ أخلاقية تدور حول محور الهوية، حتى إن تم إقحام ذلك العنصر فما هو إلا دليل تأكيدٍ على ذلك التفسخ الاجتماعي والترهل الاقتصادي الذي تردينا إليهما، وقد سميت ذلك الصراع الذي لم يحسم، صراع المصالح والمعايش بـ’الصراع الغائب’.. ولما كانت نظرية ‘حاضنين بعض’ التي أتحفنا بها الدكتور مرسي للسلم الاجتماعي وتذويب الفوارق بين الطبقات وكنس المظالم تحت السجادة، لم تنجح، فلا أظن أن الدستور الجديد لو نص على كل الحقوق وكتب من خيوط الذهب لن يمنع ذلك الصراع الاجتماعي الاقتصادي من الاستعار.
أعلم بأن الناس سئمت، وأن أي شعبٍ لا يستطيع الاستمرار في حالة الفوران والتوتر تلك طويلاً، ولكنني أعلم أيضاً أن ما تحقق أو تغير خلال ما يقارب الثلاثة أعوام لا يذكر إذا ما قيس بالثورات الكبيرة في التاريخ: الفرنسية/الروسية/ الصينية/الايرانية… حتى مجلس الشورى الذي فرحنا بزواله ها هو السيد عمرو موسى يبشرنا برجوع ‘مجلس الشيوخ’ بعد عامين أو ثلاثة اعوام! ليس ذلك فحسب، بل إنه يتنبأ، بحسب جريدة ‘المصري اليوم’، بأن عمر ذلك الدستور سيقارب العشرة أعوام، أي أنه يشبه موديل سيارة جديدة متوسطة الجودة والسعر!
إن المتغير الأكبر على الأرض فعلياً هو كسر حالة الجمود التي سادت الشارع المصري طيلة حكم مبارك وانهيار شعبية الإخوان وجاذبيتهم كبديل مقبول للخروج من أزمات ذلك المجتمع، لذا فإني أجزم بأنه على الرغم من حالة السأم والترقب التي تسري بصفةٍ عامة في مصر، فإن التقلصات العنيفة التي رجت أحشاء مصر لن تلبث أن تتواصل ما أن يتبين لجموع الناس أن العملية الديمقراطية وحدها من دون مضمونٍ اجتماعي حقيقي أبطأ كثيراً من أن تحدث تلك التغييرات الثورية التي تحتاجها مصر.
الدساتير في حد ذاتها أمرٌ جيد، فهي قد تضع أطراً للممارسة السياسية وتنص على حماية الحريات، ولكنها لا تنطق ولا تنفذ نفسها، وإنما ينطق بها سكان من يعيشون في ظلها سلطةً ومحكومين، وفي حالة مصر فإن النص الدستوري لن يغير ولن يحسم… وحده الشارع المصري وصراع القوى على الساحة وتوازناتها سيحدد شكل المجتمع الجديد، لذا فمن يدري، ربما في أيامٍ كالتي نعيشها الآن نعود لنناقش دستور 2013 المعدل أو دستور 2014؟
‘ كاتب مصري