اولمرت يريد إفهام الجميع بأن اخلاء عمونة ليس إلا مقدمة في الطريق الذي سيسلكه في إقرار حدود دولة اسرائيل المستقبلية
روح شارون خيمت علي الاحداث الاخيرةاولمرت يريد إفهام الجميع بأن اخلاء عمونة ليس إلا مقدمة في الطريق الذي سيسلكه في إقرار حدود دولة اسرائيل المستقبلية علي وزن اسم أحد الأفلام المعروفة بالاثارة، يمكن أن نصف الأحداث التي جرت في منتصف هذا الاسبوع باسم 24 ساعة من سُكر الاحاسيس . ففي مساء يوم الثلاثاء الماضي عرض علينا حزب كديما قائمة بأسماء خمسين من مرشحيه لانتخابات الكنيست القادمة، كانت قائمة تصلح لكل شيء، وفي الوقت الذي كانت تُقبل فيه التهاني والتبريكات بين الاعضاء واحتفال المقربين بقوة وتقدم هذا الحزب، وبينما كانت بعض الاصوات الخافتة تهمس خلسة بما تتناقله بعض الأخبار حول القدرة علي الحصول علي مقاعد في الكنيست القادمة أكثر مما يوجد من يشغل هذه المقاعد من النواب الأكفاء الذين سيضعهم الحزب في حال فوزه بهذه المقاعد التي تتحدث عنها استطلاعات الرأي في الاسابيع الأخيرة، والتي يمكن وصفها بـ وُلد نجم جديد ، فما أن انتهي ذلك اليوم إلا وبدأ فجر اليوم التالي يطل علينا والذي يمكن وصفه بأنه المواجهة العنيفة الاولي بين سلطة الدولة وبين مثيري الفوضي الذين يخرقون القانون . فقد شاهدنا الآلاف من رجال الأمن في مواجهة الآلاف من مثيري الفوضي المتطرفين ومن بين هؤلاء اعضاء كنيست ممن قاموا بصب الزيت علي النار الي أن تمكنت قوات الأمن من هدم تسعة مباني في بؤرة عمونة الاستيطانية بعد أن دفعت ثمن ذلك 220 من المصابين.وليس علي غرار ما حدث اثناء اخلاء مستوطنات غوش قطيف، فهم لم يُقبلوا بعضهم بعضا، ولم يتعانقوا عناق محبة ولم يبكِ أحدهم علي كتف الآخر. بل شاهدنا عنفا ودماء هذه المرة.كان هناك من وصف الأحداث التي وقعت في عمونة بأنها نهاية التسامح وأن القانون هو القانون ولا بد من فرض سلطته ، بل كانت هناك تلميحات تشير بوضوح الي أن هذه ستكون مقدمة لما سيحدث في مواقع استيطانية غير قانونية اخري سيأتي دورها للاخلاء، والتي ستتضافر جهود وقوي قوقاز ارض اسرائيل وفتيان التلال لمنع الدولة واجهزتها من القيام باخلائهم بعد أن يفوز حزب كديما في الانتخابات القادمة ويشكل حكومة جديدة.تسالي يحيموفيتش أغضبت اولمرت بعد ان نُقل علي لسانها انها وصفته بقولها انه يقوم بهذه المناورات لكي يثبت لنا بأنه زعيم وقائد ، حيث عبر عن ذلك بقوله في اجتماع مغلق مع بعضهم ماذا كانت ستقول لو لم أقم باخلاء عمونة؟ .مما لا شك فيه أننا نواجه عمليات تحريض فظيعة، لذلك فقد نُقل عن اولمرت قوله هذا الاسبوع خلال مناقشات داخلية لقد فهمت وقدرت حدود الصراع المستقبلي . توقيت تنفيذ قرار المحكمة بخصوص اخلاء عمونة لم يكن مثاليا بالنسبة لاولمرت، فهو الاسبوع الذي فازت فيه حماس في الانتخابات التشريعية في السلطة الفلسطينية، وهو يأتي قبل نحو شهر من الانتخابات الاسرائيلية للكنيست.لكن اولمرت يبرر ذلك بقوله الذي يراه المراقبون علي أنه مقنع، فهو يقول ان اخلاء عمونة والحزم الذي نفذت به قوات الأمن هذا الاخلاء سيكون جيدا لاسرائيل في عملية اقناع العالم الخارجي بسياسة ومواقف اسرائيل. فالمستشارة الالمانية التي كانت تزور اسرائيل، وكذلك زيارة مسؤولين اوروبيين لاسرائيل، يدعم ذلك. بل ان الرئيس المصري حسني مبارك يؤيد ضمنيا الشروط الثلاثة التي أعلن عنها اولمرت كشروط لازمة وضرورية التحقق من اجل الموافقة علي التفاوض مع الفلسطينيين، وهي: تخلي حماس التام عن سلاحها، والغاء برنامجها السياسي والاعتراف بوجود دولة اسرائيل، والالتزام التام بقبول وتنفيذ كل الاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية. ويجب أن لا نُفاجأ اذا قرر اهود اولمرت هذا الشهر دفع مبلغ 250 مليون شيكل للسلطة الفلسطينية (من اموال الضرائب) اذا تسلم ضمانات كافية بأن هذه الاموال لن تقع تحت أيدي حركة حماس.لقد أدخل اولمرت قدميه في حذاء سلفه مؤسس حزب كديما، وأصبح الرئيس الفعلي لهذه الحرب بعد أن تسلم مقاليد المنصب الوزاري حسب القانون كقائم بأعمال رئيس الوزراء. فقد فعل ذلك مُظهرا حالة ونوعا من الشعور بالثقة الكبيرة. الانتقادات التي تنصب عليه من خصومه حول مسألة اختياره شخصيات القائمة المرشحة للانتخابات مما هب ودب من رفاقه وحلقة المقربين منه، لا تعجبه، بل انها تثير غضبه، ويؤكد أن 37 منهم علي الأقل كان قد اتُفق علي ترشيحهم من قبل الزعيم السابق شارون. حزب كديما بوصفه حزبا بلا مؤسسات حزبية ولا فروع ولا لجنة مركزية ولا لجنة حزبية موسعة، فانه يعمل بوصفه لجنة منظِمة وهو تعبير يُحدث في نفوس الناخبين كراهية مستمدة من الماضي، مع أن الكثير من الاسرائيليين يرون فيها طريقاً للهروب القانوني من فساد التكتلات والكولسة الحزبية والاتفاقات السوداء التي يُتقن اعضاء المراكز الحزبية القيام بها، لا سيما ما يرافق الانتخابات الداخلية التي تجريها هذه المراكز.وحقيقة ان بعض الاسماء التي جري ترتيبها في هذه القائمة هي من الاسماء المعروفة والتي لها تاريخ حزبي وسياسي في الدولة علي اختلاف مشاربها، إلا أن القائمة ايضا تشتمل علي اسماء غير معروفة للجميع مع انها اسماء من تلك التي يقول عنها البعض أين هم هؤلاء الناس الذين لم نعد نسمع عنهم شيئا منذ وقت طويل؟ .ومع أن روح شارون تخيم علي الأحداث، والتي واكبت تنفيذ عملية اخلاء عمونة (أي انها تمت وفق سياسة شارون)، إلا أن البعض يقول إنه لو كان شارون هو المسؤول فانه لم يكن لينتهج مثل هذا النهج، وانه كان سيجد طريقة اخري لتنفيذ هذا الاخلاء، بل انه قد يجد نفسه قادرا علي تأجيل هذه العملية الي ما بعد الانتهاء من الانتخابات القادمة. لكن قرار اولمرت بالتنفيذ يقصد ايضا إفهام الجميع بأن القائم بأعمال رئيس الحكومة الاسرائيلية والذي سيكون هو من سيشكل الحكومة القادمة، يريد أن يثبت للجميع أنه صاحب سياسة خاصة به وأنه سيدير حكومة جديدة وفقا لما يراه من اسلوب لادارة هذه الحكومة المستقبلية دون أن يدخل في حذاء أحد، وأنه يريد أن يُفهم الآخرين أن ما يفكر به من خلال هذه العملية هو الكيفية التي يراها لتحديد حدود الدولة مستقبلا، أي ان الاخلاء الحالي والمستقبلي سيضع اسرائيل في رقعة من الارض يحدها الجدار الذي أُقيم في الضفة الغربية بحيث تكون حدود الدولة الفلسطينية خلف هذا الجدار ولو كخطة مرحلية، وأن تكون بذلك الدولة الاسرائيلية دولة ذات اغلبية يهودية حتي لو تم تنفيذ هذا الامر مصحوبا بالمصادمات العنيفة مع المتطرفين.حتي هذه اللحظة فان اولمرت يحمل علامة تجارية مميزة تقول إنه قد وُلد قائد ، وإنه لم يقع في أي خطأ.خمسون يوما تبقت حتي الانتخابات، اعتبارا من اليوم الذي تقدم فيه قائمة المرشحين الي لجنة الانتخابات وحتي يوم الذهاب الي صناديق الاقتراع. وهي ليست اياماً قليلة. وهذه الايام مناسبة بقدر ما يستطيع للعمل علي مأسسة الحزب وأن ينشر برنامجه السياسي والاجتماعي علي نحو أفضل وأشمل. فكل حزب من الاحزاب كان في بدايته حزبا جديدا، ومصيره لم يكن يحدد في فرحة الانتصار في الانتخابات، بل في نتائج الامتحان النهائي الخاص بزعامته.يوئيل ماركوسمعلق دائم في الصحيفة(هآرتس) 3/2/2006ّ