أم الدنيا أم هم الدنيا؟

حجم الخط
3

في كل مرة يحط بي المطاف في القاهرة تكون زيارة المتحف المصري حاضرة بقوة بصورة لا يطمئن معها البال إلا عند إنجازها.
هذه الزيارة الدائمة باتت جزءًا عضوياً من وجودي في القاهرة، ليس فقط لأنني من عشاق التاريخ، بل أيضاً لتقديري لبراعة المصريين القدامى وفراعنتهم الذين قدموا ببذخهم على ذاتهم مدارس نوعية في الهندسة والتصنيع والتحنيط، وقائمة لا تنتهي من مفاتن الرسم والنقش والنحت والنقل والتركيب، ناهيكم عن عالم واسع من الخيال، عجائب البناء والحلي وطقوس الدفن في زمن لم يعرف المعدات الثقيلة ووسائل النقل ووسائط التقانة وثورة المعلومات والمعلوماتية وعجائب العلوم التي تسكن حياتنا.
هذه الزيارة المتكررة ولّدت في خاطري ما أسميه ومن باب الطرفة صداقة من طرف واحد بيني وبين توت عنخ آمون، الملك الفرعوني الشاب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، ليس فقط في حياته، بل أيضاً في مماته ولآلاف السنين وصولاً إلى اكتشاف العلماء مؤخراً لأسرار وفاته.
حبي لتوت عنخ آمون جاء بعد أن قضيت سنوات طوال وأنا أسعى وخلال بحثي الخاص بشهادة الدكتوراه لصناعة محرك صغير لا يزيد في أبعاده إلا بقليل عن عرض شعرة آدمية، لتفاجئني عبقرية من عملوا بإمرة المليك الشاب قبل آلاف السنين لإنتاج حلي لم تزد سوى بعض الشيء في أبعادها عما فعلته أنا بتجاربي بعد ثلاثة آلاف عام، باستخدام أقوى الوسائل التقنية وأحسن المختبرات في كلية إمبريال للعلوم والتكنولوجيا والطب في لندن.
ومع هذا فإن زيارتي المزمنة للمتحف المصري عادة ما تجمع بين الفرح والحزن. فرح للقائي بما أحب وبمن أحب أن أرى، وحزني على حال أم الدنيا. فأصحاب حضارات متعاقبة امتلكت ناصية الحكم والعلم والأدب والفن والهندسة والطب والفلك لا يعقل أن يعيش أبناؤهم وأحفادهم وأنسالهم اليوم وبعد هذا الإرث بهذه الحال.
اكتظاظ بشري هائل وسكنٌ بين القبور وعيشّ على النفايات وضنكٌ ناتجٌ عن ارتفاع معدلات البطالة ونسب الفقر، عوامل كلها أتعبت الحبيبة مصر فحمّلتها هم الدنيا وبؤسها.
والمتابع لمجريات الحال اليوم في مصر والمتتبع لصعوبة المخاض الذي تعيشه وسط احتدام سجالاتها وتصارع سياسييها يخشى على مستقبلها ومستقبل أهلها الطيبين المعطائين الوطنيين، الذين ذادوا عن شرف الأمة عندما أحجم البعض وشحنوا عروقنا بالوطنية والانتماء عندما تردد البعض الآخر، بل قدموا باللحن والقصة والقصيدة والسينما أنصع محطات التاريخ.
لست مصرياً لكنني عربي عروبي أغار على أم الدنيا كما أغار على فلسطين، وأرقب جدل الشاشات وصراع الفضائيات وعراك النقاشات خائفا تماماً، كما خفت على صديقي توت عنخ آمون في أوج التحول السياسي المصري.. خفت من أن يحترق والمتحف المصري أو ينهب تماماً كما نهبت بغداد ومتحفها فشكلت غصة لن تموت وجرحاً غائراً في صدورنا.
أخاف على القاهرة تماماً كما أخاف على القدس وبغداد وطرابلس وصنعاء وتونس وكل عاصمة برز أنينها بينما يقبع المحتل نائماً متفرجاً مرتاحاً في تل أبيب… الكل يحترق وهو يزدهر!
سؤالي الآن لإخوتي المتجادلين في مصر: قبل أشهر نجا توت عنخ آمون من محاولة اغتياله بعدما أُنقذ المتحف المصري بإعجوبة من السلب والحرق.. فهل تنجو مصر؟ أم تحترق ونحترق معها جميعاً؟

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية