الرياض ـ من محمد المشهوري: عبدالباقي يوسف روائي كردي سوري شهير اعتاد منه المتلقي على روعة الأسلوب، وجمال اللغة، ورهافة الحس الذي ينقلك من عالمك الواقعي إلى مخيال الرواية، وعبق واقعها المصنوع بين كلماتها باحتراف وإتقان.
إقليم كردستان وعائلية الألم الكردي المشترك لعل ما يجذب النظر إلى الرواية من حيث سبب خلقها الإبداعي هو : الثورة السورية التي ألجأت العديد من السوريين إلى اللجوء لبلدان أخرى؛ هربا من ويلات الحرب هناك. والمبدع الحقيقي هو من يخلق من المرض علاجا، يستسقي به الكاتب الشفاء قبل المتلقي. جاءت رواية (هولير حبيبتي)، مولودة من هذا الرحم -في إقليم كردستان- الذي يثبت من خلاله الراوي أن المحنة مشتركة بين الكاتب وشخصيات روايته، والمتلقي المستشعر للواقع المر الذي يعيشونه.
بدأت الرواية بالتمهيد للأحداث بلغة شعرية عالية ـ من غير إطالة – وذكر ما مرت به البلاد العربية ومنها سورية من ثورات ومظاهرات، فكانت -الأحداث- نكسة الحياة العابرة التي لم يكن يعلم أحد أنها ستؤدي إلى هذا المصير المتخضب بالدماء. أما فأل الحياة كان لقاء (هولير) التي بدأت تسرد سيرتها. هذا النمط الحكائي مسوغ مقبول جدا في الفكرة العامة حول الرواية؛ فاللاجئون يحسون بالحزن والمرارة، مما استدعى وجود ما يسليهم ويصبرهم؛ فجاءت (هولير) المدينة لتقوم بهذا العمل على أكمل وجه، فهي ‘عروسة الأمل’ كما وصف الروائي في عمله.’
من طقوس الرواية
قالت: عندما رست سفينة نوح على الجودي، كان عهدي بأبناء آدم الثاني، بعد الطوفان بات نوح هو أب الناس جميعاً، لأنهم تناسلوا من صلبه. زحف الناس يومها إلى ربوعي واتخذوا من كهوفي مخابئ ومآمن لهم.
إذا أعدتك إلى ستين ألف سنة ماضية، سترى معي كما لو أنه حدث في رأس السنة الكوردية الماضية أن الناس قطنوا هنا في كهف شاندر.
قال: متى كان ميلاد السنة الكوردية ؟
قالت: كان ذلك سنة سبعة آلاف قبل ميلاد المسيح، الناس بشكل عام كانوا يتوافدون إلى كل مدن هذه المنطقة الخصبة التي كانوا يسمونها أرض الكورد.
في عصر حضارة مابين النهرين كانت أرض كوردستان، أعني ‘كوردواري’ لكن لأخفف عليك شيئاً وأنا أدرك أنك لن تستوعب مني كثيراً إذا حدّثتك بأصيل لغتك، لأن اللهجات توالت، وميزت طوائف الكورد عن بعضها، وعبرت عن خصائص كل طائفة.
قال: كم لغة تعرفين سيدتي ؟
ضحكت وقالت: قل كم لغة لا تعرفين.. لا أظن أن هناك لغات لم يعلمني إياها الملوك، ولم تعلمني إياها الغزوات التي تعرضتُ إليها، كنتُ أتحدث كل تلك اللغات بطلاقة، لكن لا أخفيك أن أحب اللغات إلى قلبي هي اللغة الكوردية، كما أن أحب الأسماء إلى نفسي هه ولير.
أشعر بجمالية الحروف عندما يناديني به الناس، إن كل حرف من حروف هذا الإسم تسري في عروقه كريات دماء كورديتي.
كانت هذه البقاع تجذب وتغري الناس لدخولها أكثر من أي بقاع أخرى في رحابة أرض الرب.
في العهد العباسي، عادت هذه الأرض لتشهد أمجاد الإمارات الكوردية لأنهم أصبحوا مسلمين موالين ، يؤازرون دين الإسلام، فكانت إمارة عيشاني، وإمارة روادي، وإمارة شدادي، وإمارة مرواني، وإمارة عنازي.
ثم ابتسمت وقالت: إمارة هزباني.
وأردفت تقول ببسمة: هذه الإمارة الكوردية لي معها ذكريات طيبة لأنها كانت تخصني، وهي تذكرني بأميريها: عيسى بن موسى الهزباني، وأبو الحسن بن موسسكي الهزباني.
خيم صمت عليهما استغرق زهاء نصف ساعة من عمر اللقاء، ثم ما لبثت أن كسرت زجاجته وهي تقول: أخذتُ من كل شخص من أولئك شيئاً لبني قومي، وهذا ما أفادهم كثيراً ، وألحق بهم الهول كثيراً.
أفادهم لأنهم تحولوا إلى خلاصة من الرحمة ، وآذاهم لأن طيبهم فاض بهم عن حدوده الدنيا.
إن وجود هذه الثنائية في النص من أشد عوامل الجذب للمتلقي، سيما المتلقي الذي لا يحب أن يبقى في قالب شعوري واحد طوال أحداث الرواية، كما أن حالة الإباء التي خلقها الكاتب في روايته كانت عامل دفع مهما في الحدث الصاعد نحو العقدة، للخروج من الحزن والتشاؤم، حتى إذا ما وصل إلى العقدة يظهر الأمل مسيطرا على الحكاية في الحدث النازل، من أجل الوصول إلى النهاية المنتظرة للأمل بهدوء مقنع.