‘جنيف 2’ ولد ميتا وثمن مشاركة الإسلاميين الإبتعاد عن ‘القاعدة’

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’ ‘الفشل الذريع للسياسة الأمريكية والبريطانية فيما يتعلق بسوريا حدث قبل عشرة أيام عندما قامت الجبهة الإسلامية، وهي جماعة سنية مدعومة من السعودية، بالسيطرة على مقار المجلس الأعلى للثورة السورية في أطمة وباب الهوى على الجانب السوري من الحدود مع تركيا، مما أدى إلى سحب الثقة من الإئتلاف الوطني السوري والجيش الحر اللذان كانا حسبما تظاهرت الولايات المتحدة وبريطانيا وخلال السنوات الماضية في قلب المعارضة العسكرية والسياسية، وما تبقى الآن من مقاتلي الجيش الحر يتقاتلون فيما بينهم، وبعضهم غير مواقعه أو يكرسون كل ما لديهم من قوة للنجاة من الهجوم الذي تقوم به عليهم جماعات مرتبطة بالقاعدة’، هذا ما يقوله باتريك كوكبيرن في صحيفة ‘إندبندنت أون صاندي’ مشيرا إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا توقفتا عن تقديم الدعم من المعدات غير الفتاكة لمخازن باب الهوى بعد أن أيقنتا أبعاد الكارثة.
ويضيف الكاتب أن اللواء سليم إدريس، رئيس هيئة أركان الجيش الحرغادر تركيا لقطر (عاد فيما بعد) وقامت الحكومة التركية بإغلاق الجانب التركي من معبر باب الهوى الذي تسيطر عليه الجبهة الإسلامية.
ويقول الكاتب إن الجانب المعتدل من المعارضة السورية ليس له تأثير إلا القليل على الساحة السورية، و’مع ذلك لا تزال واشنطن ولندن تطالبهم للمشاركة في مؤتمر السلام في جنيف المقرر عقده في 22 كانون الثاني/يناير للتفاوض حول رحيل الأسد’.

ثمن كبير للدعم

ويرى كوكبيرن أن الغموض حول ما حدث في اطمة كبير لدرجة سيدفع فيها قادة الغرب الثمن السياسي الكبير ويجب أن يدفعوه بسبب الفشل في سياسته نحو سوريا.
ويذكر الكاتب أن الجيش الحر والمجلس الوطني السوري هم نفس الأطراف الذين ذهب الغرب معهم للحرب ورأوا فيهم بديلا عن نظام بشار الأسد ‘والنقاش الأخير يظهر كم كان الرأي العام محق في معارضته التدخل العسكري’.
ويتساءل الكاتب من هم الرابحون من هذا الوضع؟ ومن بينهم الأسد لأن المعارضة التي ثارت على نظامه الفاسد والديكتاتوري والشرس، أصبحت منقسمة وتسيطر عليها مظلة من الجماعات المرتبطة بـ’القاعدة’، الدولة الإسلامية في العراق والشام ‘داعش’، و’جبهة النصرة’، فيما تضم الجبهة 50 ألف مقاتل.
ويقول أن ‘السعوديين يرون ان هذا التحالف، قادر على مقاتلة التحالف المؤيد للأسد وكذا داعش، ويبدو أن معارضة السعودية للأخيرة قائم على فكرة استقلالية الجماعة الأخيرة عن التأثير السعودي أكثر من كونه قرفا من ممارسات داعش ضد الأقليات’.
ويقول إن الإتهامات بكون النظام السعودي وراء الجبهة الإسلامية من السهل إثباتها، فقبل عام تقريبا ظل السعوديون في الخلف عندما تعلق الأمر بدعم المعارضة المسلحة في سورية، حيث لعبت قطر الدور الأكبر بالإضافة لتركيا.
ويضيف الكاتب أنه يمكن تلخيص الدور السعودي من خلال المقابلة التي قدمها أحد قادة الجيش الحر، لداعش وهو صدام الجمال، قائد ‘لواء الله أكبر’، والذي كان قائدا كبيرا في شرق سورية، المنطقة التي كانت تحت سيطرة المقاتلين، حيث قال انهم كانوا يلتقون مع المتبرعين من قطر والسعودية الذين وصفهم ‘بالكفار’ إضافة للكفار من الدول الغربية، من أجل تأمين وصول السلاح والمال.
ويقول ان عملاء الإستخبارات الغربية عبروا عن مخاوفهم في اللقاءات الأخيرة من صعود القاعدة.
وتحدث الجمال عن لقاء استمر لثلاثة أيام مع مسؤولين أمنيين من السعودية وقطر والإمارات والأردن، ويبدو أن هذا اللقاء جاء بعد دخول السعوديين على الملف السوري وقرروا تسلمه.

الأمير بندر

ويقول الجمال إن قادة الجيش الحر بمن فيهم اللواء إدريس التقوا مع الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز، مسؤول الأمن القومي السعودي والذي طلب من قيادات الجيش الحر ‘التخطيط لعمليات ضد قوات الأسد وتقديم ما يحتاجونه من أسلحة ومال’.
ويبرر الجمال انشقاقه عن الجيش الحر بكون الأخير أصبح ‘بيدقا’ في يد القوى الأجنبية. ويفسر كوكبيرن التطورات هذه بأن ‘السعوديين قرروا لاحقا أن الجيش الحر لم يعد قادرا على خدمة مصالحهم، وعبروا عن إحباطهم من تراجع الأمريكيين عن ضرب النظام السوري، والمواجهة مع إيران، وقرروا استخدام مالهم اللامحدود كي يجمعوا تحالفا مثل الجبهة الإسلامية، التي ستقاتل النظام والقاعدة في نفس الوقت’.
ويرى الكاتب ‘واقعيا، من غير المحتمل أن تكون الأموال السعودية قادرة على إضعاف النظام السوري، ولكنها قد تكون كافية لاستمرار الحرب لسنوات قادمة’.
ويضيف ‘النظام القديم، أو ما يطلق عليهم بالمعتدلين تم تهميشهم، فقد قامت استراتيجيتهم منذ عام 2011 هي دفع الدول الغربية بالتدخل، وعندما لم يحدث هذا لم تكن لديهم استراتيجية بديلة’.
ويختم بالقول ‘لم يتبق لدى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلا محاولة احتواء الـ (فرنكشتاين الجهادي) الذي ساعدت في إنشائه في سورية ويهدد الآن استقرار العراق ولبنان، وقد تكون تركيا نادمة على فتح حدودها أمام الكثير من الجهاديين للعبور إلى سوريا، وقد تغلق أنقرة حدودها الممتدة على 500 ميل أو تقوم بمراقبة حدودها’ زاعما أن السياسة التركية تجاه العراق وسوريا ظلت عاجزة خلال الأعوام الثلاثة الماضية وفات الوقت على تصحيح أخطائها او إقناع نفسها بقرب رحيل الأسد.
ويرى الكاتب أن مؤتمر جنيف-2 ولد ميتا، ولكن ما يؤكده أن الجيش الحر، ورفاقهم من الجانب المدني لم يعودا يمثلان احدا في سوريا.
وفي الوقت الحالي، فالمعارضة السورية يسيطر عليها التيار المدعوم من السعودية من جهة و’القاعدة’ من جهة أخرى. كل هذا بسبب سوء وأخطاء السياسة الأمريكية والبريطانية التي لم تؤد إلا إلى تكرار درس أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي ‘وفي الوقت الذي يشعر فيه الجهاديون في سوريا أنهم باقون، فقد يبحثون عن أهداف قريبة منهم’ أي الغرب.

جبهات متغيرة

وعبر بيتر بيومونت في صحيفة ‘أوبزيرفر’ عن هذا الواقع حيث قال ان الإسلاميين في سوريا يغيرون طبيعة وخريطة النزاع.
ويقول الكاتب إن سيطرة الجبهة على باب الهوى حدث مهم لأنه ‘في الحرب السورية من يقوم بالسيطرة على المعابر مثل معبر باب الهوى أمر مهم’.
ولاحظ أن التطورات التي بدأت في 6 كانون الثاني / ديسمبرتؤشر إلى تصدعات عبر المراقبون منذ مدة عن مخاوفهم من حدوثها وتهدد بآثار ذات أبعاد بعيدة، حيث تتغير الجبهات وخطوط الصراع في سوريا.
ومثل بقية التقارير يتحدث عن الغموض والتشوش في تحديد ما حدث في باب الهوى وأطمة والذي دعا كل من واشنطن ولندن لتعليق المساعدات غير الفتاكة للمقاتلين.
ويشير الكاتب أن الجيش الحر واللواء إدريس حاولا التقليل من أهمية ما حدث لكن الهجمات تشير إلى تطور مثير للقلق، وهو ما اعترف بوجوده إدريس نفسه الذي وصف الوضع في الشمال بـ ‘المعقد’.
وجاء حديثه بعد تصريحات مماثلة قدمها لمحطة ‘بي بي أس’ عندما قال إن الجيش الحر يقاتل الجماعات الجهادية التي اتهمها بمحاولة السيطرة على المناطق التي ‘حررت’ من قبل، وأن هذه الجماعات لاتقاتل النظام. ويعلق الكاتب ‘في النظام الذي تتحرك فيه الموجة لصالح النظام ومنذ شهور، ومعه حليفه حزب الله الذي يقاتل على الأرض، فإن خريطة السيطرة والسلطة تتغير ليس بين النظام والمعارضة بل وبين فصائل الأخيرة نفسها المتحالف بعضها مع القاعدة التي تتلقى الدعم من الممولين في الخليج على حساب الجيش الحر’.
ويأتي التغير على ساحة المعركة في وقت يحذر فيه مسؤولو مكافحة الإرهاب في الغرب من قيام جبهة النصرة وداعش بإقامة مراكز سلطة في داخل سوريا مما يمثل تهديدا أكبر مما كانت القاعدة تمثله في السابق.
ونقل ما كتبه بريان فيشمان في مجلة مركز مكافحة الأرهاب في ويست بوينت- الأمريكية ناقش قائلا إن ‘جبهة النصرة وداعش لديهما مناطق آمنة في سورية أكثر مما كان للقاعدة في العراق. ولم يكن الجيش السوري قادرا على دخول مناطق في سورية ولشهور طويلة.. وتعني هذه المناطق الآمنة قدرتهما على التخفيف من حدة نبرتها الأيديولوجية والتركيز على التدريب والتحقق من الجهاديين الأجانب’.
ويرى فيشمان أن وضع القاعدة في سوريا أفضل منه في العراق ‘ليس لانها لا تواجه قوة عسكرية أمريكية بل لأنها تعلمت من دروس العراق حيث قامت بتهميش قطاع واسع من السكان’.

مؤتمر السلام

وقد أثر التحول في الخريطة على الأرض، على التحضيرات لمؤتمر جنيف، فسيطرة الجماعات الإسلامية على مناطق سيعقد من مسألة التمثيل في مؤتمر جنيف-2 خاصة إن عددا من الجماعات هذه رفضت المشاركة في المؤتمر.
فالمسألة ليست كما يقول فيشمان وغيره من المحللين تغيرا في الحظ كما يقول البعض بل اختلاف في الأجندة.
كما أن ظهور الجبهة الإسلامية التي يقدر عدد جنودها ـ على الورق- بعشرات الألوف وتضم الكثير من الألوية المؤثرة مثل ‘التوحيد’ و’أحرار الشام’ و’صقور الشام’ دعا البعض للقول إنها تنافس اوتشكل بديلا عن الجيش الحر، على الرغم من تأكيد واشنطن ولندن على أن الجيش الحر هو الجهة الرسمية الممثلة للثورة السورية، لكن هناك الكثير من الإشارات التي تؤشر لإمكانية تعامل الإدارة الأمريكية مع الوضع الجديد.
فمن جهة هناك تصريحات بهذا الإتجاه مثل ما قاله السفير السابق لواشنطن في سوريا، رايان كروكر الذي قال لـ ‘واشنطن بوست’ الإسبوع الماضي ‘علينا التحدث مع الأسد’ في قضايا تتعلق بمكافحة الإرهاب، أي ‘القاعدة’ في سوريا، مؤكدا على أهمية أن تكون المحادثات ‘بهدوء’ وسرية، وقال إن ‘الاسد وإن كان سيئا لكنه ليس أسوأ من القاعدة’.
وفي المربع الآخر، هناك توجه للحديث مع الجماعات ‘المعتدلة’ داخل الجبهة الإسلامية، ويقود هذه الجهود السفير الأمريكي في سوريا روبرت فورد والذي وصل للندن يوم الجمعة للتشاور مع داعمي المعارضة السورية بمن فيهم بريطانيا.
ونقلت وكالة أنباء ‘رويترز’ عن أحد قادة الجبهة قوله إنهم سيلتقون فورد في الأسبوع القادم للإتفاق على الأسلحة والتنسيق معهم خاصة في المناطق التي سيطروا عليها. وأعلنت لندن يوم الجمعة عن دعوة الجبهة الإسلامية للمشاركة في جنيف-2.
ومن بين المتشككين في استمرار بريطانيا دعم الجيش الحر جين كينمونت من المعهد الملكي المعروف بـ ‘تشاتام هاوس’ ‘أتحدث مع الكثيرين الذين يقولون إن تأثير الجهاديين مبالغ به بسبب استراتيجيتهم للسيطرة على المناطق القريبة من الحدود للتأكد من الحصول على الأسلحة، وبين الذين يقولون إن الجيش الحر قوي في داخل سوريا، لكن الأحداث الأخيرة هي نذير شؤم، وتقود للإحساس بأن بريطانيا تشعر بالضيق لأنها دعمت الجيش الحر بقوة’. وتقول إن هناك عددا من العوامل التي تتداخل فيما بينها في وقت واحد مما تجعل من عقد مؤتمر السلام أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا بما في ذلك الغضب السعودي من الإتفاق النووي الأخير بين أمريكا وإيران وتقول ‘حقق الأسد الكثير من التقدم، وقدم نفسه على أنه شريك في الغرب بالتخلص من أسلحته الكيماوية، ووعد بالإنتخابات، ومع زيادة القلق من صعود الجماعات الإسلامية وغياب المنظور حول تدخل أجنبي خارجي، ومن هنا تغيب كل المزايا التي ستساعد على التخلص منه’.
وكانت صحيفة ‘واشنطن بوست’ قد تحدثت يوم السبت الماضي عن استعداد أمريكي لتوسيع التحالف المعارض كي يضم الجماعات الإسلامية التي لا تقيم تحالفات مع القاعدة، وتوافق على دعم مؤتمر السلام القادم حسب مسؤول بارز.
وقال المسؤول الذي نقلت عنه الصحيفة إن الأمريكيين طلبوا من الجبهة إعادة العربات التي أخذها مقاتليها من مخازن الجيش الحر في أطمة.
وتقول الصحيفة إن ظهور الجبهة الإسلامية الشهر الماضي وضع الإدارة في وضع حرج حيث تحاول إبقاء الضغط العسكري على النظام قبل عقد المؤتمر والذي تأمل أن يؤدي إلى تنحي الأسد عن السلطة والإتفاق على حكومة إنتقالية.
وأشارت إلى زيارة فورد للندن التي قالت إنه قد يلتقي بممثلين عن الجبهة الإسلامية. ونقلت عن المسؤول الأمريكي قوله ‘لا مشكلة لدينا مع الجبهة الإسلامية’ـ ولكن الخطوات لشملها في المحادثات ‘يناقش’.
وبالإضافة لشرط عدم علاقتها مع القاعدة ترغب الإدارة بتأكيدات من قادة الجبهة وهي دعم قيادة الإئتلاف الوطني السوري ومؤتمر جنيف.
ويقول المسؤول ‘مهما حدث من ناحية إعادة تنظيم القيادة، فإننا نريد منهم إعادة ما أخذوه من معدات’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية