عودة من المنفي: أسبوع في ملتقي الرياح! (2 من 2)
مقاه لبنانية ومغربية تنتشر في نواكشوط.. وصوت فيروز الدافيء يضفي مسحة بيروتية علي مدينة الصلاة في انتظار أن تكتمل التجربة من حقنا أن نتصالح مع التفاؤل بمواصلة البلاد مشوارها مع التاريخعودة من المنفي: أسبوع في ملتقي الرياح! (2 من 2)عبد الله حرمة اللهالطواف بمقبرة انواكشوطبعد الاطلاع عن قرب علي وضعية صاحبة الجلالة، قررت مع أخي الذي ينتظر التعيين قبل نفيي، بعد أن أكمل دراساته العليا في الاقتصاد، أن نطوف بمقبرة انواكشوط، حيث ترقد فطمة منذ فاتح آذار (مارس) من سنة 2001، لنتخلص بصعوبة فائقة من حركة المرور المزد حمة بانواكشوط صبيحة الجمعة الموالي. رغم أني قابلتها مرات في أحلامي الصاحية، كنت أنتظر الوقوف علي روضتها، لأعطيها من أخباري ما يسرها، علي أتمكن من اقناع ما تبقي من صحوي بأنها رحلت والي الأبد، خصوصا أن ابنتي تنتظرها بالهدايا والقبلات، بعد أن عجزت عن اقناعها بأن جدتها التي تكتسح صورها بيتنا، لن تعود أبدا! أحاسيس معقدة كان ينبغي فكها، ولو طال الانتظار. جدتي كذلك كانت في الانتظار في نفس الرياض، مع ترددي في اطلاعها علي ما آل اليه صدام، وهي التي غادرتنا ساعات بعد انطلاق عاصفة الصحراء، التي كانت تتوهمها بداية أكيد ة لبعث المهدي، واستعادة العرب لكرامتهم! رحم الله جدتي، لم تحب غير العرب، مع عجزي عن اعتبارها عنصرية! لقد كانت قومية من غير الأدلجة.وصلنا الي المقبرة، حيث فقهت احساسي بالغربة أثناء وصولي لانواكشوط، فالألواح المثبتة بخشبة علي الرياض، جعلتني احس أن أهل المدينة الذين عرفتهم لم يعودوا من هذا العالم، فقد نزحت أجسادهم الي الضاحية، بعد أن حلت أرواحهم بفردوس نأمله دون تعطش. لو لم أقابل بعض أفراد أسرتي، لقلت ان كل الذين عرفت قد زارهم ذلك المرابط غير بعيد من حبل الوريد.المهم، أني لم أوفق في السلام علي أمي، فقد حفر سيل الدموع بكل عجرفة ما تبقي من خدودي الكئيبة، أسناني اصطكت بتراص أحجم اللسان عن نطق التحية. أثناء هذا العجز الاعتباطي تذكرت آخر مرة رافقت فيها وحيدة جدتي لزيارتها، فبعد اثني عشر من الصمد، خاطبتني قائلة: لم يعد بقربها موضع شبر! ساعتها لم أفهم قصدها، لأني كنت مستعدا لمطارحة القدر كي لا تغيب، فأنا لم أتصور أبدا رحيلها قبلي! لكني اليوم، فهمت ما كانت تقصد، خصوصا أنها تبعد مترين عن لالة، التي انقطعت وهي توصيها علي وعلي صدام، ربما قلقا ليساريتي الموغلة في رفض كل انتماء قومي بمفهومه الضيق. كم هو مريح أن يبتلع الحلق سباخ العيون المثقلة بالهموم، في حضرة الأموات، الذين فهموا حقيقتنا الآدمية، التي تستوجب البكاء تماما كما تقر القبلة بدمويتها، حسب التعريف الهلامي لأمجد ناصر. هكذا عدت علي رسم خطاي، مخافة أن تلتهمني الأيادي الخشنة لحفاري القبور المتربصين علي جمر الفاقة، لجسد يواروه التراب، فهم صدقوني، لا يطيقون البطالة ! بعد هذه الأحداث، كان من حق الطفل ، الذي ما زلت، أن يقتطع لنفسه رقعــــة من زمنه القصــــير، لأصدقــائه المرحين.فقد أصبحوا ضباطا في الجيش، موظفين سامين، رجال أعمال ناجحين.. وكنت بالنسبة لهم المفلس المنشغل بالسياسة أو الثقافة، حسب اختلاف نزعاتهم، كنت ببساطة: من واصل بوفاء المشروع الأول للشلة ، فكثيرا ما نظرنا لحضور معتبر في مستقبل البلد، داخل الزنزانات وفي مدرجات الجامعة، لكن الطباع رسمت لاحقا مصير كل واحد منا، دون أن تنفصم عري اعلاننا المبدئي! فروابطنا كانت أقوي من كل العواصف الآنية: فالحب جمعنا والشعر غذانا بما فيه الكفاية، فرغم أجنحتنا المتكسرة ، جمعتنا بعد فراق حياة كسرد متقطع ، التي تلقفوا بنهم دل علي عزلتهم التي شكوها بالدموع… أخذ كل منا مكانه في سيارة أنجلز ، كما كنا نسميه، و الذي أصبح ضابطا في الجيش، يتولي مع آخرين حماية القصر الرئاسي، ليؤدينا الي منتجعه البدوي، بعيدا عن ضوضاء المدينة ودخانها الخانق، لنحط علي ديمومة حمراء، لتطفق أقداح لبن الابل في مغازلة مرارة لساني المتعود علي الأطباق المعلبة والسوائل المبسترة. كانت الأقداح مصطفة في تناسق أحال بياض اللبن الذي حوت يشبه الأضواء المنبطحة لحديقة متــــرامية الأطراف، في ليل بهيم. الجلسة كانت رائقة، أصـــواتنا كانت عالية، وضحكاتنا مجلجلة. في هذه الصحراء رافقنا طيلة السمر المتنبي، الذي بدا ساخرا من المحاولات المنظومة لتقفي جغرافية قصائده! وبعد أن أتي علي آخر رشفة من وقود سهرتنا شديد البياض، تأبط حقيـــبته الجلدية، وقال مودعا:..لا تحزنوا، فبغداد لن تموتستبقي كما أحببتها: قصيدة وكأسا وعنبالقد أدمنت احياء الموتستهبه لمن داس قرطاسي…ابتلع ريقه وأضاف: سأرسل عليهم الحمي..، فجأة خلع عمامته، ليصيح دون أن يرفع صوته: .. بعد النوم ملء الجفون ، اكتشفت جمال قصيدة النثر، ذوقوها علكم ترحمون، فالشعر لا يوحي علي المليون، بل يحياه الفرد من بين الملايين…عدنا الي المدينة المتأهبة لاقتحام معركة السحور، الذي ستدخل بعده في نوم هادئ ما بقيت الشمس في كبد السماء.في بيت أبي أخذت قسطا من الراحة كنت في أمس الحاجة اليه، لأستيقظ علي فطور تناولته لوحدي. زوجة أبي المنهمكة في اعداد الشاي، لم يفارقها مصحفها طيلة اقامتي، لقد أحرجتني بتلاوتها الخاشعة، فقد نسيت جزءا كبيرا من القرآن الذي حرص أبي علي تحفيظي اياه، وتذكرت ما قال لي معلمي بمسجد الشرفاء : حافظ علي ما تعلمت فالقرآن شاهد لك أو عليك. لكن وسيطي الذي لم يعرف طعم النوم منذ أن حل مكتبه بالقصر الداكن، أكد لي دعوتي الي القصر الرئاسي لحضور أول مؤتمر صحافي للرئيس الجديد. اذا ينبغي أن أتهيأ لولوج بناية، كان حراسها قد ضربوني رفقة بعض الزملاء، عندما حاولنا المشــــــاركة في تغطية مؤتمر صحافي للرئيس شـــــيراك أثناء زيــــــارة رسمية لموريتانيا.لكن المغامرة هذه المرة كانت مغرية، فلأول مرة في تاريخ الجمهورية القصير تستدعي الصحافة المستقلة لحضور مؤتمر صحافي رئاسي، دون أن يوزع عليها البروتوكول لائحة الأسئلة المسموح بطرحها! اللقاء دام أكثر من ساعتين بمد وجزر لم تكن صحافتنا الفتية قد تعودت علي مثله، لكنه أعاد لها جزءا من الثقة المفقودة، بوعيها الاعتبار الجديد الذي حظيت به، حيث تجلي ذلك من خــــلال عناوين الصحف الصادرة في اليوم الموالي، اذ بدت قادرة علي مواكبة هذا التحول بالنقد الايجابي والاشراك العادل لكل القوي الحية للبلد، بمسؤوليتها التاريخية في طمأنة الرأي العام أنها حاضرة و ينبغي أن تكون صفحاتها مسرحا لمعارك المرحلة الانتقالية بدل الشارع لهشاشة البني المؤسساتية لموريتانيا. بكلمة واحدة كانت الصحافة واعية لكل مسؤولياتها.طيلة مقامي لم أتوقف عن التفكير بطريقة أنقل بها الي العالم حقيقة هذه الثورة الديموقراطية القادمة من الجنوب، خصوصا بعد ما شاهدت الأمور عن قرب، ليتبدد الكثير من المخاوف والتحفظات، التي كنت قد اعتمدت في محاولة فك طلاسم هذه الصحوة المفاجئة، فالتلاحم القائم بين معارضة ولد الطائع وخالعيه، كان يوحي بعقلانية تنم عن استعداد الجميع لمواجهة المستقبل الديموقراطي، بحوار سياسي متزن ومسؤول، في انتظار أن يفصل الناخب عبر بطاقة انتخاب لم توفق أبدا في ايقاف ماكنة التزوير التي تعودت منح الحزب الحاكم أصواتا تفوق أصلا عدد سكان البلاد! مقاهٍ لبنانيةظاهرة جديدة تعرفها انواكشوط، انتشار المقاهي اللبنانية والمغربية، حيث تحتضن حتي ساعات متأخرة من الليل روادا يمثــــلون غالبية شرائح المجتــــمع، اذ لا نعدم علي هـــــذه الطاولات المتراصة كموقف السيارات، نقاشات تحاول عبثا أن تعلو علي صوت فـــــيروز الدافئ، الذي ينتهي به الأمر في كسب الجولة، مضفيا علي الأحياء السكنية للعاصمة مسحة بيروتية، تتجاوز اكليشــــات تجار القماش والأجساد! لكنها لم تفتــــأ أن توارت، تاركة مدينــة الصــــلاة ، تتهيأ لللحــــظات المقدســة قبل الامساك .مرة أخري يرن الهاتف، ليعلن لي أن رئيس الدولة في انتظاري بمكتبه، بعد ثلاث ساعات. صحيح أني سجلت بعض الانطباعات منذ أن حضرت مؤتمره الصحافي الأول، لكن هل يسع قسط من الوقت علي هامش أجندة مشحونة لقائد مثله أن أصب كل ما في جعبتي؟ المهم أن زاويتي التي أقلعت عن توقيعها منذ سنوات يمكن أن تخلد الي الراحة، ما دمت سأقابله دون أي وسيط، وسيسمعني خارج النشرات الصحافية التي يعد له معاونوه.لا داعي للتفكير كثيرا، فالوقت يضيق والأفكار تزدحم، والأجفان ترتجف من فرط السهر، من حسن حظي أني سأتجنب هذه المرة زحمة المرور، فبيت أبي يبعد عشرة أمتار فقط عن مكان الموعد.بعد أن اجتحت الحواجز الأمنية، مشيت طويلا لأصل مدخل مكاتب الرئاسة، التي قد تغيرت كثيرا، وبينما أنا غارق في تأمل البناية الجديدة برحابتها، وجدتني فجأة في قاعة الانتظار، بين مجموعة من رؤساء الأحزاب ورجال الأعمال، بعض الوزراء كان كذلك في الانتظار، من غرابة الموقف أن كل هذه الشخصيات التي تعج بها صالة الانتظار، لم يكن لها أبدا أن تتواجد في نفس المكان قبل الثالث من آب (أغســــطس)، الــــذي أعاد بي الي انواكشوط.في بعض الأحيان قد يصبح سب الدهر ضربا من التهور! فالطرق الي روما تبقي متعددة، ومنها ما هو آمن…بعد تجاذب أطراف الحديث مع الحضور، حول حرارة جو انواكشوط، تارة والتغيير الأخير، قاطعنا البروتوكول طالبا الاستعداد لمقابلة الرئيس. أودعت حقيبتي الحراس بعدما استللت من داخلها قلما ومفكرة صغيرة، عبرت البهو الفاصل بين القاعة والمكتب، فتح الباب، أظنني ألقيت التحية مرات، لطول المسافة، شيئا ما، الفاصلة بين الباب وطاولة عمل الرئيس، كان الصمت يعيد علي أسماعي صدي صوتي القادم من بعيد! أول ما أوحي الي هذا المكتب، أن ساكنه يضيق به، يريد مغادرته! فلم ألحظ وجود أي صورة عائلية، علي الجدران، المكتبة الخلفية كذلك غابت منها العناوين المقربة من الرئيس، الذي يؤكد من عرفوه علي شغفه الكبير بالقراءة. فالديكور قبل الخطاب، يدل فعلا أن الأمر يتعلق بفترة انتقالية. تناول الحديث الذي كان وديا، من بين أمور أخري: حرية الصحافة، ملف حقوق الانسان، دور موريتانيي الخارج في اثراء هذه التجربة بمشاركتهم الفعالة…بقدرته العالية علي الاصغاء، تخلصت من كل المخاوف، التي تهدد في نظري المرحلة العصيبة التي تعيشها البلاد. وعدني الرئيس بدراسة طلب اللقاء التشاوري الذي تقدمت به مع روبير مينار ، الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود ، أما بخصوص ملف حقوق الانسان، فقد كان قاطعا من خلال ارادته في تفادي أي تعتيم علي هذه الحيثيات، وعزمه علي تناولها واحدة تلو الأخري حسب معايير الأولوية والفعالية. من الناحية الرمزية اعتبرت هذا اللقاء نصرا لخطاب التغيير، ما دامت أعلي سلطة في البلاد تتبني نفس الطرح، الذي قدمت المعارضة الموريتانية من أجله كل غال ونفيس، طيلة عقد وبضع سنين. فهمت كذلك لماذا سارعت المعارضة في تبني هذه المرحلة ومنحها الدعم الكافي دون أبسط تردد.خرجت علي أمل العودة! وبينما كنت أهبط المصعد، معيدا تشغيل هاتفي الجوال، رن مرة أخري علي عادته منذ أن وصلت انواكشوط، كانت ابنة عمتي علي الخط، باكية، وكأن تنهدها بعد دموعها، يردد بقوة مرهبة: وا معتصماه . ترجلت وقالت: رحم علي عمك محمد. انقطعت المكالمة وتوالت رنات خط مشغول. كيف؟ كيف يرحل قبل أن يحضنني، كما تعود؟ بادرت مسرعا الي السيارة، لأتأكد أن هذيان مريم كان صحيحا، فالاذاعة الوطنية بثت لتوها نبأ رحيله، مقدمة التعازي باسم وزارة الداخلية لأحد رموز المقاومة السياسية ضد المستعمر… لمن لا يعرفه من قراء القدس: كان وسيما، بحضنه استوطن الود، وعلي جبهته استقر المجــد، ومن علي قامته بنت العمامة بيتا، عماده الكرم. كفه اليمني للجائعين كانت صحنا، وللأحفاد رطبا يطمئن الروح. وحده من بين كل من عرفت جسد: العم أحد الأبوين . لا مفر من المســـــؤولية، ينبغي أن آخذ الــــطائرة غدا باكرا، لأستلم ابنتي من الحضانة بالدائرة العشرين من باريس، لأن والدتها كانت قد تغيبت لسفر لا يقل أهمية هو الآخر.ودعت أبي عبر التليفون، وعانقت كل من حضر الي منزله، لآخذ طريق العودة. قبل الوصول الي سلم الطائرة، كنت أنفث بشراسة سيجارتي الأخيرة، قبل بداية سفر دام خمس ساعات، فاذا بشرطي عديم اللباقة، يأخذ علي استفزازي في ظهر المحرم! قلت لنفسي أهو غريب تجنس للتو؟ فمجتمعي الي حد قريب، كان يعتبر المرء فقيه نفسه ، لكن نبرته أبدت أنه علي الأقل موريتاني المولد. بهدوء لم أتعوده، ولباقة لم يستحقها، خاطبته: سيدي، عبدالله، فقيه نفسه، ومسافر، وعدة من أيام أخر، وان الله يحب أن تأتي رخصه، وتقبل الله صــومك، ومعذرة عن حظك من الجوع والعطش… لم أنم طيلة السفر الا ساعات معدودة، استلقيت علي مقعدي بالطائرة، لأستيقظ في الطابور لاشتراء تذكرة الميترو. الي بيتي وصلت رفقة أميرتي، التي أصغت بكل امتنان الي حديث رحلة بابا قبل أن تغرق في نوم هادئ علي صدري.وفي الصباح أثناء تحضيرها للالتحاق بالحضانة من جديد، مدت أصبعها نحو خريطة العالم في مدخل بيتنا، ناعتة خريطة موريتانيا: بلد بابا ، كم كنت سعيدا بهذه المفاجأة، فقبل سفري هذا لم تبد أبدا أي اهتمام بمثل هذه الأمور التي بدت لها معقدة!بعد خمسة أيام عدت من جديد الي موريتانيا، لأقابل الرئيس مـــــرة ثانية صحبة روبير مينار وزميل آخر، حيث أطلعنا الرئيس علي نواياه بخصوص اصلاح قطاع الصحافة، شــــاركنا كذلك في الأيام التفكيرية التي حضرتها كل القوي السياسية والاجتــــــــماعية، لتخرج بعد ثلاثة أيام من النقـــاش، بمذكرة، جردت كل مراحـــل الفتـــــرة الانتقالية، بوفاق كان الأول من نوعه في تاريخ البلاد. أما بخصوص حرية الصحافة، فقد تم تشكيل لجنة وطنية استشارية، عهد اليها بمهمة اعداد قانون جديد لحرية الصحافة، يلغي بصفة نهائية المصادرة، ويحضر لحرية فعلية لحقل الاعلام المرئي والمسموع. في انتظار خلاصة أعمال هذه اللجنة، فتحت وسائل الاعلام الرسمية أمام الأحزاب السياسية وباقي منظمات المجتمع المدني، بحرية شهد بها الجميع.في انتــــظار أن تكتــــمل هذه التجربة، من حقنا أن نتصالح مع التفاؤل، ريثما يكمل البلد مشوار ميعاده مع التاريخ.7