الزنازين

حجم الخط
0

الزّنازين .. الكتابة : مقابض أبواب الغيب
.. لها نشمّع أكبادنا .. ونوسّع
الهواء ليجاور المدى في رئاتنا .. من
المدائح إلى برك الدم إلى الشبابيك
المفتوحة على عذوبة قُبلٍ مسروقة ..
مصائرنا المعلّقة وأحلامنا المدوّية
الارتطام بالصباح .. الهذيان صرفا …
الشرود الملول .. واليقظة القانطة ..
الكتابة الآن معقودة كالمشانق على الشجر
في آخر القرى .. الكتابة كاللهاث
الفارغ بخطىً لا تصل .. الكتابة سلالم إلى
هاوية العدم .. لا تكون الكتابة في
القتل إلا جراحا يندلق منها القيح و
الصديد .. لا تكون الكتابة إلا هموم الجوع
والعطش والبرد .. لا تكون الكتابة إلا
حياة كاملة من القهر .. ألما يتكدّس و
يغطي ملامح وجوهنا .. يصبح البكاء كتابة و
الخجل من الثياب البالية كتابة و
لسع البرد في السلاميّات كتابة .. و
الحنين إلى الأطعمة التّرف كتابة .. و
انقطاع التبغ ونقص حليب الأطفال.. شحّ
الكهرباء مقابل وفرة العتمة والشموع
المغشوشة والظلام الذي ينسدل على
أرواحنا كتابة .. العطش والوقوف في
الطابور
لتحصل على مياه الشرب ثمّ الوقوف في
طابورٍ ليأتيك دورك في الاستحمام .. تكره
جيرانك لأنهم نشروا الغسيل .. تكره القطط
لأنها تستطيع الشرب من برك الماء في
الشوارع .. ويتصدّق عليك العالم
المتمدّن بأوعية لحفظ الماء ‘النقص في
الأوعية وليس الماء ! ‘ أليس هذا كتابة ؟!
الأحذية المهترئة ومحلات الألبسة
الأوربية المستعملة المتكاثفة كبيوض
السمك كتابة … البيوت المهدمة ‘ نصّ’
والحيوانات التي تآلفت مع أصوات القصف
‘تناصّ ‘.. الشوارع الفارغة .. المدن
الخالية إلا من خرابها والجثث المتحللة
بين الأزقة ..الجذورُ التي بقيت من
النبات المتفحم .. كلّ ذلك كتابة .. وأنا
في الكتابة أسرد التفاصيل ..
التفاصيل التي تتيح لي أن أداعب نملة
تحمل حبة قمح .. أوقع لها الحبة و
أكبّدها عناء معاودة حمل الحبة و
أراقبها بكلّ ساديّة .. أتشفى منها .. أريد
كائنا لصيقا بألمي ولا يسعني أن أتشارك
القهر إلا مع النمل .. التفاصيل ..
تفاصيل فتات الخبز وحبات المسبحة
المفروطة والخيطان المنسولة من القماش ..
كل القماش من وجه المخدّة حتى رباط
الحذاء .. التفاصيل التي لا تلتقطها إلا
عين السجين في زنزانة منفردة .. كلنا
اليوم سجناء زنازين منفردة نلتقط
التفاصيل بأعين زائغة من فرط الخيبة ..
كلنا الآن يتمّ تذويبنا وصهرنا ..
نفقد جذوة أرواحنا .. كلنا الآن أبناء
بأوقات محددة للشرب والأكل و
قضاء الحاجة ونيل حصة من الضرب المبرح و
الشتائم .. الأوقات المحددة لكسرنا
من الداخل .. لعطب أفكارنا وخيالنا .. و
السعادة التي يمكن أن تصيبك هي
استبدال كل أوقات الذلّ المطلق بوقت
واحد للموت والموت فقط .. ويستمرّ سحق
الإنسان فينا بإيقاع محدد من الحرمان ..
بإيقاع مديد .. كلّ روح زنزانة نفسها
تعتاد كلّ شيء إلا الخوف والأدرينالين
الذي ينهر دمك ويحدّد قطري حدقتي
عينيك اللتين تمنحانك التفاصيل .. هناك
في .. هنا في
الكتابة عبء ثقيل .. الكتابة عبء جمعيّ
مرّ .. ولا كلام إلا ما يحمله لنا
العالم الإلكتروني الجديد من صور الموت
العلني .. لا كتابة إلا صور الأطفال
الشظايا الحفاة المنثورين بدموعهم
المضمخة بالابتسامات .. لاكتابة إلا
الأنوثة
المتوّجة بالفقد والجنون والثكل .. لا
كتابة إلا الموت والقتل والدم الذي
خدد وجه الإنسانية بالندب .. لا كتابة لأن
القصيدة تنتظر فسحة الشمس خارج
….
سورية -سلمية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية