تهديدات بالسفر من دون رجعة

كان من المفروض أن أعطي لمقال هذا الأسبوع تسمية، كيف تسعى وزارة التعليم الفرنسية لتحطيم نخب الدولة بشكل مبرمج، ممنهج، قائم على دغدغة مشاعر الرأي العام واستمالة من لديهم حس اجتماعي أرقى من المتوسط كما يقال، تهوّرا وظلما، في بلادنا. فضلا عن أن اسرة التحرير قد تجد العنوان طويلا لو أثبته على هذه الشاكلة، بدا لي أصوب ترجيح عنوان يثير فضية الاغتراب وما سمي بهجرة الأدمغة، في وقت راجت فيه العبارة بكثرة، لأتحدث عن موضوع مزاعم وزارتنا توفير الإنفاقات على من هم الأكثر تمتعا بالمزايا لخدمة من هم أقل حظا، حسب تعبير الوزير نفسه وأسرته الفكرية المتخصصة في رجع صدى اسطوانة مشروخة متأصلة في عقلية وطنية تعود جذورها إلى انتفاضة 68 الشهيرة تقريبا.
تعتمد فرنسا على سلك آخر من التعليم العالي ينضاف إلى السلك الجامعي، يسمى الفرع التحضيري للمدارس العليا، يجد من هو أجنبي عن ثقاقة التعليم الفرنسي، بل من هو فرنسي ومن أهل التعليم الفرنسي وأجنبي عن ثقافة هذا الفرع أصلا، صعوبة جمة في تمثّله ذهنيا، وبالتالي التعريف به، لأن مغالطات ونصف حقائق وافكارا جاهزة تحيط الموضوع بسحابة من الغموض ظلت تحوم حول هذا الشق المفصلي من تاريخ التعليم الفرنسي العريق.
أجل، شق مفصلي من تاريخ عريق، لقد كونت هذه الفروع أجيالا من الطلاب الفرنسيين والأجانب، أجيالا سارت على درب أوصلها إلى مبتغاها، وكفانا ذكرا على سبيل المثال لا الحصر الرئيس الفرنسي الحالي فرنسوا هولاند، ووزير خارجيته لوران فابيوس، ووزيرة الاتصال أوريلي فيليبيتي، والرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو، ومن باقي مناطق العالم، الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان ورئيس الوزراء التونسي السابق حمادي جبالي والمنتجة التلفزيونية المغربية ياسمين الشامي وعبد ربه صاحب هذه السطور المتخرج من الفرع الأدبي، الذي لديه شرف التدريس بهذه الفروع حاليا. خلافا للمجتمعات الأنكلوساكسونية التي تسودها أكثر روح المبادرة التوفيقية حول المشاريع، من دون التفاف مفرط للانتماءات الشخصية، تدور رحى سوسيولوجيا المجتمع الفرنسي حول ثنائية من ليس معي فهو ضدي، المختزلة سياسيا في ضدية اليميني المحافظ واليساري التقدّمي. طبعا، يعلم الباحث النزيه أن الأمور ليست على هذه البساطة، أو بالأحرى لا ينبغي لها أن تكون. الكل يعلم ان الأفكار ليست يمينية أو يسارية، بل هي أفكار. والفكرة الواحدة قد تنعت بالمحافظة والتقدمية معا، حسب القراءات. وفي موضوعنا، أن تسمي النخبة بالميسورة أو بالتي حققت ما حققت لأنها زرعت ما حصدت ما يمت إلى الإيديولوجيا في الحالة الأولى، أما في الحالة الثانية فإلى الفكرة، وبالمناسبة، الفكرة الصائبة.
لكن هناك من يقدم الأمور ببساطة الاختزال، لأن الاختزال الطامس للغربلة والتمحيص يخدم الإيديولوجيا وماكنة غسل الأدمغة. ولو كانت الأمور بهذه البساطة، فلم تدفع الدولة أجورا على الباحثين والأكاديميين للوقوف عند قضايا تستوجب الفحص والتمحيص، مثل تلك التي نحن بصددها والتي يحث فيها المنطق على تحطيم الثنائيات و’الأفكار’ النمطية؟ لعمري، إنها مفارقة غريبة.
ولأن الفحص والتمحيص واجب فعلا، ولن يحرجنا القول إنه واجب أخلاقي، فإننا نرى من المهم ان نقدم في هذا المقال تحليلا وجيزا لنظام الفروع التحضيرية الفرنسية إلى المدارس العليا، لأنها، كما رأينا، تخص جميع نخب العالم، لا النخبة الفرنسية وحدها.
ليكون في علم قارئنا العزيز أولا أنّ قبول الطلاب في مثل هذه الفروع لا يحصل من دون فحص وتمحيص وبحث وتنقيب في الملفات الدراسية للمترشحين، كما في السوابق الدراسية والخبرات التعليمية والتمكن من المادة عند الأساتذة.
وتتوزع هذه الفروع على اتجاهات تعليمية لا نقول تخصصات لأن المواد وطريقة التدريس أعم من ‘مواد التخصص’ كما يفهمه النظام الجامعي مثلا. فمن بين الفروع، الفرع العلمي وتهيمن عليه الرياضيات والفيزياء والعلوم الصناعية، الفرع الأدبي بشقيه: الشق الأدبي التام ـ أدب فرنسي وفلسفة وتاريخ ولغات، بما فيها العربية، والفرع الأدبي المسمى أدب- علوم اجتماعية. أما الفرع الأخير فهو فرع العلوم الصناعية الذي يركز أكثر على المواد التقنية المرتبطة بمجال الصناعة والهندسة الصناعية.
وتحضر هذه الفروع مجتمعة طلابها لأرقى المناظرات التي تفضي بالمتفوقين فيها إلى دخول مدارس موكول إليها ‘تفريخ’ محتلي مراكز الصدارة في دوائر صناعة القرار غدا، مثل المدرسة العليا للأساتذة، مدرسة مهندسي بوليتكنيك الشهيرة، التي يشرفها ويشرف بلدي بالتفوق فيها سنويا عدد كبير من طلاب العالم العربي، ومن بين هذه المدارس أيضا المدرسة العليا للتجارة.
ليكن من جهة ثانية في علم قارئنا العزيز أن أساتذة الفروع التحضيرية إلى المدارس العليا من آخر من يواظبون على الإضراب العام ضمانا لمصلحة الطلاب وأداء لرسالة قائمة على توفير اكبر فرص ممكنة للنجاح في هذه المدارس، التي يستوجب ولوجها مثابرة متواصلة وتوازنا نفسيا لا يرحمان. ولكن غدا سيكون يوما لا كمثله من الأيام لأن الأغلبية الساحقة من أساتذة الفروع التحضيرية إلى المدارس العليا ستنزل إلى الشارع للتذكير بأن كل طالب مهما كانت ظروفه الاجتماعية أهل للتقدم لمثل هذه الفروع ‘النخبوية’، فبالتالي لا يمكن القبول برفع يد الموازنة عنها بدعوى أن أساتذة الفروع ذاتها منتمون إلى ‘طبقة من الميسورين’، هم وطلابهم، الذين بدأوا يشعرون بالمناسبة بإهانة متزايدة لدى سماعهم مثل هذا الكلام.
ثم ليكن في علم قارئنا العزيز ثالثا أن وراء مشروع توفير الإنفاقات الحكومية على الفروع التحضيرية الفرنسية إلى المدارس العليا، رغبة في دمج هذه الأخيرة إلى نظام التعليم الجامعي تمهيدا لفوضى عارمة يتضارب فيها نظام عمل نوعين مختلفين من التعليم ومصالح فئتين مختلفتين من الطلاب ومؤهلات أساتذة تختلف توجهاتهم قلبا وقالبا. فلنعد، أخيرا وليس آخرا، بقارئنا العزيز إلى ‘بيت قصيد’ مقالتنا، المتمثل في ‘تهديدنا’ بالسفر من دون رجعة في حالة القضاء على الخصوصية التعليمية الفرنسية، بلد حقوق الإنسان، بما فيها حق الانتماء إلى ‘النخبة’.
ثمة عشرات من شباب بلادي، فرنسيين أو أجانب، يريدون أن يضعوا مؤهلاتهم في خدمة الجميع، لكن في حالة قطع ممرات الوصول أمام واحدة من أرقى قنوات التألق الضامنة لتكافؤ الفرص، فقل على بقاء النخب في البلد السلام.
أما أنا، فحقيبتي أيضا رهن الإشارة.

‘ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية