لندن ـ ‘القدس العربي’ كتب فواز جرجس البروفسور الباحث في مدرسة لندن للإقتصاد عن العلاقات السعودية ـ الإيرانية في ضوء الأزمة السورية، ودعا إلى ضرورة حدوث تفاهم ضمني بين البلدين يجنب سوريا والسوريين والمنطقة المخاطر الكثيرة التي تهدد الحرب بتفجيرها.
وقال جرجس في مقالته التي نشرتها صحيفة ‘الغارديان’ إن سوريا أصبحت ساحة حرب بين إيران والسعودية اللتان تقومان بادارة حرب بالوكالة على أراضيها وبآثار مدمرة.
وشكك في إمكانية عقد مؤتمر جنيف المقررعقده الشهر القادم علاوة على التوصل لنتائج بدون تفاهم ضمني بين القوتين في منطقة الخليج.
قطع الحبل السري
ويقول جرجس ‘في الوقت الذي تمارس فيه السعودية تأثيرا مهما على الجماعات الإسلامية فإن إيران مهمة لنجاة الأسد’، ولكن القوتين تستفيدان كثيرا من منع ‘انفجار’ سوريا.
وتوقع جرجس أن تقوم إيران في ظل الإدارة الجديدة لإيران وقيادة حسن روحاني بقطع ‘الحبل السري’ مع الأسد الذي أصبح عبئا على طهران ودورها في العالم العربي.
وبالمقابل فبإمكان السعودية التأثير، فقد تتجنب التعامل مع المتطرفين الإسلاميين الذين سيخيم طيفهم على سوريا وجاراتها لسنوات قادمة.
ويعترف الكاتب أن التوصل لاتفاق حول سوريا بين البلدين أمر بعيد المنال لكن ما هو على المحك بالنسبة لسوريا وشعبها والمجتمع الدولي كبير.
وقال جرجس إن قرار الولايات المتحدة وبريطانيا الإسبوع الماضي لتعليق إرسال المعدات غير الفتاكة للجيش السوري الحر بعد سيطرة تحالف إسلامي على مخازن المعدات والأسلحة التابعة للمجلس الأعلى للثورة السوريا يعتبر ‘هزيمة مذلة تظهر صعود المقاتلين الإسلاميين الذين يعارضون الحوار السياسي مع نظام بشار الأسد ويرغبون بدولة تقوم على القرآن، وتظهر شبه انهيار للجيش الحر الذي كان يأمل الغرب بتوحيد صفوفه كي يقود حملة للإطاحة بنظام الأسد ثم يواجه القاعدة ‘.
ويشير جرجس إلى أن عددا من الجماعات المقاتلة ترفض المشاركة في مؤتمر جنيف الذي سيعقد في الشهر المقبل وتحذر من المشاركة فيه. ويرى أن الخلافات بين جماعات المقاتلين في العام الماضي تفوقت على دافعية القتال ضد النظام السوري، مما منحه اليد العليا والسيطرة على مناطق في حمص ودمشق وحتى في مناطق المقاتلين القوية في حلب.
ويقول إن الأسد وأتباعه شعروا بالجرأة نتيجة للدعم الإيراني والروسي، وذكّر المعارضة في كل الأوقات أنه ليس ذاهبا إلى جنيف كي يسلم السلطة لحكومة إنتقالية.
تشتت أمريكي وخوف روسي
وأشار الكاتب لاعتراف وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل، الإسبوع الماضي من أن سياسة الولايات المتحدة السورية تعاني من التشتت، وحتى سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي دعا المقاتلين السوريين لتجنب ‘ الخلافات والإتحاد’ مما يعكس بالضرورة مخاوف روسيا من تشرذم المعارضة الذي لا يساعد في دفع المحادثات للأمام.
ويقول جرجس ‘بعد ثلاثة سنوات من حرب المدن تغيرت الإنتفاضة وأنتجت آثارا غير مقصودة، فقد تم اختطافها من الجماعات الدينية المتطرفة، أمراء الإجرام والتنافس الجهوي. وتم دفن الأحلام الأولى التي عاشها الملايين من ولادة سوريا شاملة وتعددية في مرحلة ما بعد الأسد في حقول الموت السورية’.
والسبب في هذا كما يقول إن المعارضة الوطنية كانت منذ البداية تعاني من ضعف، فقد اعتمدت دائما على القوى الإقليمية للدعم العسكري والمالي مما جعلها عرضة للتلاعب من القوى الخارجية .
يضاف إلى هذا، موقف إدارة أوباما الأولي القوي الذي دعا إلى رحيل الأسد وأن أيام الأخير أصبحت معدودة لكنه لم يقرن باستراتيجية ذات مصداقية أو حتى تقييم دقيق لما يجري على الأرض. ونفس الأمر حدث مع فرنسا وبريطانيا ‘اللتان كررتا كلام الولايات المتحدة بدون الأخذ بعين الإعتبار أن سوريا قد تنفجر وتحفز حربا إقليمية و أن كارثة إنسانية قد تفاقمت بسبب الأوضاع الجوية وانخفاض درجات الحرارة.
سوريا وإيران
وحديث جرجس عن إمكانية تخلي إيران عن النظام السوري مرتبط بالملف النووي والتوجهات الجديدة بعد الإتفاق النووي في جنيف الشهر الماضي.
ويرى ديفيد شينكر، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في مقال نشرته صحيفة ‘ويكلي ستاندرد’ اليمينية أن الملف النووي مرتبط بالملف السوري، مشيرا إلى دراسة أعدتها مجموعة دراسة العراق، في ادنى لحظات الإحتلال الأمريكي للعراق التي توصلت لنتيجة أن ‘كل القضايا الرئيسية في المنطقة مرتبطة ولا تنفصم عن بعضها البعض’، ودعا التقرير أنه لوقف التدهور الامني في العراق على الولايات المتحدة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
ولم يعد موضوع الصلة بين العراق والصراع ذا أهمية كما يقول، لكن الصلة نفسها تعود هذه الأيام في ضوء الصراع في سوريا ومحاولات حل الملف النووي الإيراني.
ويقول شينكر ‘خلال رحلة قريبة إلى لبنان، تكرر الحديث الذي سمعته عن صفقة نووية، قد تدفع إدارة أوباما للاعتراف بمصالح إيران في سوريا وتتخلى أي الإدارة عن مطالبها بتنحي الأسد عن السلطة’.
وقال الكاتب إن’ منظور ربط الملف النووي الإيراني بسوريا يشكل قلقا لكل من تحدثت إليهم’ ويقول الكاتب بالتأكيد فربط الجهود الدولية لمنع إيران من تطوير سلاحها النووي بالجهود لوقف إطلاق النار في سوريا هي فكرة غير منطقية.
ولا ينفي الكاتب حقيقة العلاقة القريبة بين سوريا وإيران والتي تعود لأكثر من ثلاثة عقود، وكون إيران الداعم الرئيسي الآن للنظام. لكن إيران لا يمكن ان تلعب دورا في حل الأزمة السورية. لأن طهران ترى في نجاة النظام السوري أولوية وترى فيه بوابة للنفوذ والهيمنة في المنطقة. والإطاحة به تعني ولادة نظام سني معاد لطهران، مما يعني التأثير على خطوط الإمدادات لحزب الله الشيعي الذي ترعاه إيران في لبنان.
وفي الوقت الحالي لا يظهر من تصريحات الإدارة أنها غيرت موقفها من الأسد وتنحيه عن السلطة، لكن غياب التصريحات القوية من الإدارة والداعية لرحيل الأسد لا تعطي سكان المنطقة ثقة بالبيت الأبيض. فعدم الوفاء بالوعد وضرب النظام بعد الهجوم الكيميائي، والتردد في دعم المقاتلين السوريين والتقارير الغامضة عن العلاقة الأمنية مع حزب الله وأخيرا الإتفاق النووي كلها لا تعطي مصداقية لأمريكا في الشرق الأوسط. فالسنة في لبنان وغيرها لا يعتقدون بالتزام اوباما لإنهاء الحرب في سوريا.
وفي ظل تصاعد التيار الجهادي فالكثيرون في المنطقة يشكون بأن الإدارة تفضل ‘الشيطان الذي تعرفه’ اي الأسد بدلا من حكومة مرتبطة بالقاعدة.
دور إيراني في جنيف
وفي الوقت نفسه بدأت العواصم الغربية تخفف من لهجتها المعارضة لدور إيراني في مؤتمر جنيف حسب التصريحات الفرنسية والبريطانية وحتى الأمريكيين يقولون إنهم يدرسون الكيفية التي يمكن لإيران لعب دور في إنهاء الحرب. ويعتقد الكاتب أن إيران لن تلعب دورا فاعلا في مؤتمر جنيف بل ستستخدمه كمنبر لتحقيق إنجازات في ملفها النووي. ويرى الكاتب إن أهل السنة ومنذ العام الماضي ينظرون للإستراتيجية الأمريكية في المنطقة على أنها فرعية لسياستها مع طهران.
ويرى سكان المنطقة أنه في حالة ربط الملف النووي الإيراني بالأزمة في سوريا فقد تكون عودة إلى عام 1991 عندما تم التخلي عن لبنان لسوريا ‘تكتيكيا’ مقابل مشاركة حافظ الأسد في مؤتمر مدريد. وفي هذه الحالة فسيتم تقديم سوريا للبنان.
وهذا ما لن ترضاه السعودية، ويعبر الأمير تركي الفيصل مدير الإستخبارات السعودية السابق عادة عن المزاج العام والداخلي للحكومة السعودية ففي تصريحات له قال اذا كان العرب لم يلبسوا الزي الغربي ‘فقطعا لن نلبس الثياب الإيرانية أيضا’.
أزمة ثقة
وأكد في تصريحات نقلتها صحيفة ‘نيويورك تايمز’ على أهمية تخلي إيران عن لعبة الهيمنة في المنطقة والتوقف عن استخدام قواتها ومقاتلي حلفائها الشيعة مثل حزب الله في القتال في سوريا والعراق مثلا.
وقال الأمير ‘لعبة الهيمنة تجاه الدول العربية ليست مقبولة. ودعا إيران للتخلي عن طموحاتها النووية التي تقول إنها للأغراض المدنية. وكان الأمير تركي يتحدث يوم الأحد في موناكو بمؤتمر السياسة العالمية الذي جمع عددا من الساسة والمثقفين من دول الشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا.
وهاجم الأمير تركي الفيصل إدارة الرئيس باراك أوباما واتهم الإدارة بالعجز وفقدان القدرة عن اتخاذ قرارات وفقدانها الثقة في الشرق الأوسط قائلا إن جهود أوباما لتحقيق تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ستفشل بدون التزام واضح من الرئيس أوباما.
وقال الأمير الفيصل ‘لقد شاهدنا الرئيس يضع الكثير من الخطوط الحمر، والتي أصبحت زهرية مع مرور الزمن وتحولت خطوطا بيضاء في النهاية’.
وأضاف الأمير الذي عمل سفيرا لبلاده في لندن وواشنطن ‘ عندما تصدر التأكيدات من زعيم بلد نتوقع أن يقف وراءها’، وقال إن المسألة في النهاية ‘هي مسألة ثقة’.
أعطى شرعية للأسد
ومع أن الأمير ليس له منصب رسمي، ‘لكنه في تصريحاته الأخيرة للإعلام الغربي يعبر عن مواقف الحكومة الداخلية وبإشارة واضحة منها’ حسب الصحيفة التي قالت إن السعوديين شعروا بالصدمة خاصة عندما رفض الرئيس أوباما التدخل بقوة في الحرب الأهلية السورية وعقاب الرئيس السوري بشار الأسد على استخدامه السلاح الكيميائي.
واختارت إدارة اوباما بدلا من ذلك العرض الروسي بتدمير الترسانة الكيميائية السورية الذي وافقت عليه الحكومة السورية. وتقول الصحيفة إن ‘الأمير تركي والمسؤولين الإسرائيليين يرون أن الإتفاق أضفى شرعية على الرئيس الأسد.
واعتبر الأمير تركي فشل العالم في وقف النزاع السوري بأنه جريمة. وعبرت السعودية عن عدم راحتها من ملف آخر وهي زيادة نفوذ إيران في المنطقة.
و’السعوديون الذين تحادثوا مع الإيرانيين ليست لديهم مشكلة عندما تقوم الولايات المتحدة بفعل نفس الأمر’حسب الأمير لكنه اشتكى من السرية التي طبعت المحادثات الثنائية بين البلدين وظلت السعودية وحلفاء أمريكا في المنطقة بعيدة عنها، مما أدى لبذر بذور عدم الثقة.
تأثير أمريكا
وقالت الصحيفة إن واحدا من الموضوعات التي تكرر الحديث عنها في المؤتمر هي تراجع التأثير الأمريكي في الشرق الأوسط. وتحدث في المؤتمر لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي والذي قال ‘نعيش اليوم نظاما بلا أقطاب، فلا قوة ولا جماعة من القوى تستطيع حل مشاكله’. وقال فابيوس إن الولايات المتحدة كانت تنتقد ‘بحضورها الكبير’ أما اليوم فهي تنتقد ‘لأنها ليست حاضرة بالقدر الكافي’.
ومع انه يمكن تفهم تردد أوباما من عدم التورط عسكريا في الشرق الأوسط لكن ‘هذا يؤدي إلى خلق فراغ ما’ ‘سمح لروسيا بالعود للمشهد العالمي’، وشجع فرنسا للتدخل في إفريقيا الوسطى ومالي وليبيا. وقال السفير الإسرائيلي في واشنطن إيتمار رابونوفيتش إنه بعد قرار أوباما عدم ضرب سوريا، فلا إسرائيل ولا إيران اعتقدت أنه سيقوم بضرب إيران.
وقال الأمير تركي إن الموضوع الفلسطيني- الإسرائيلي يظل مركزيا في العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، وأثنى على جهود جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، ولكنه حذر قائلا إنه على أوباما إظهار استعداد كي يجبر الطرفين على حل نهائي.
ولاحظ الأمير تركي أن كيري يكرس وقتا كبيرا وطاقة ‘ولكننا سنرى إلى أي مدى ستذهب جهوده إذا لم يضع الرئيس ثقله وراءها’ أي الجهود.
وقارن الولايات المتحدة بالدب الكبير الذي يجب ان يخيف كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ويدفعهما لاتخاذ القرارات الضرورية والصعبة والتنازلات في قضايا مثل القدس، وتبادل الأراضي واللاجئين والأمن.
وشبه الولايات المتحدة بالدب القطبي الذي يجب أن يمارس قوته ودفع الطرفين للقيام بتنازلات صعبة وضرورية، لكن الدب القطبي ‘ولسوء الحظ اثبت أنه ليس دبا في الحقيقة’ وحتى يكون الدب دبا عليه أن لا يشحذ أسنانه فقط بل ويجب أن يظهر انيابه عندما تصل المحادثات المرحلة النهائية.
وقال الأمير إنه في حالة تراجع الرئيس عن موقفه من التنازلات على حدود عام 1967 كما تراجع عن خطه الأحمر بالنسبة للأسد، فستتبخر المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وكان الأمير قد قال اتهم كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بالتردد في دعم المعتدلين في الإنتفاضة السورية حيث تركتهم للإعتماد على أنفسهم ويقاتلون آلة القتل التي يمارسها النظام والمقاتلون الإسلاميون المسلحون بطريقة جيدة.
وتساءل الأمير عن السبب الذي يجعل الأسد التوقف عن القتل لانه الجيش الحر لا يتلقى الدعم الكافي من المجتمع الدولي، مشيرا إلى ‘ان القتال سيتواصل والقتل سيستمر’.