غداة مواراة الزعيم نيلسون مانديلا الثرى في قريته كونو، تكثر التساؤلات حول ماذا سيبقى من ارثه والروح التي اشاعها بالعالم أجمع.
اكثر شعوب الارض ارتباطا وتعلقا بارث مانديلا هم الفلسطينيون الذين ما زالوا يناضلون ويسيرون على خطاه (او هكذا يأملون)، خاصة وهم يستعيدون عبارته الشهيرة حتى بعد انتصاره على النظام العنصري ‘حريتنا غير مكتملة بدون حرية الفلسطينيين’!
مانديلا كان ملهم الفلسطينيين بكفاحهم المسلح وفي السجن وفي الكفاح السلمي، واليوم في مفاوضاتهم مع اسرائيل.
وهنا نرى لزاما علينا التذكير بمانديلا الصلب في المفاوضات، والذي لم يساوم ابدا على الاساسيات من اجل تحرير شعبه من نظام الفصل العنصري.
العامل الهام ايضا الذي يفتقده الفلسطينيون بالمفاوضات والذي كان حاسما بانتصار مانديلا هو التغير الدولي من مساندة نظام الفصل العنصري الى الضغط عليه. فرئيسة الوزراء البريطانية في ذلك الحين مارغريت ثاتشر غيرت موقفها 180 درجة ومارست اشد الضغوط على رئيس الوزراء فردريك دي كليرك لتفكيك نظام الفصل العنصري، بعد ان كانت استخدمت كل قوتها لمنع فرض عقوبات اقتصادية على بريتوريا، معتبرة ان العقوبات ليس لها مفعول سوى تشديد المواقف، وامرت وزراءها في عام 1987 برفض اي اتصال مع المؤتمر الوطني الذي كانت تعتبره منظمة ‘ارهابية’.
ورغم انقسامات الحرب الباردة، امكن فرض عقوبات قاسية مبكرا، حيث طردت جنوب افريقيا من اليونسكو منذ اواسط الخمسينيات، وفي عام 1964 علقت اللجنة الاولمبية الدولية عضوية جنوب افريقيا، ثم طردتها عام 1970، كما طردت جنوب افريقيا العنصرية من الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1974.
وخلال مراحل الكفاح في جنوب افريقيا، تمتع السود بتضامن افريقي واسع، وقد قاطعت 27 دولة افريقية الالعاب الاولمبية في مونتريال عام 1976 احتجاجا على جولة فريق نيوزيلندا للركبي في جنوب افريقيا. كل ذلك ساهم بصنع الانتصار الانساني العظيم الذي لا يخص شعب جنوب افريقيا وحده.
الفلسطينيون يفتقدون هذا الدعم القوي عربيا ودوليا، كما انهم يفتقدون ايضا وجود محاور اسرائيلي، فرئيس الوزراء الجنوب افريقي فردريك دي كليرك نجح بقيادة البيض واقناعهم بالتنازل عن نظام الفصل العنصري والتنازل عن المزايا التي يتمتعون بها والقبول بالمساواة.
واذا كان الرئيس باراك اوباما يعتبر بانه تأثر جدا بنضال مانديلا، واذا كان بنيامين نتنياهو اعلن بانه يعتبر مانديلا قدوة، فالحقيقة ان الاثنين لا يطبقان شيئا مما قالاه بالمناضل الافريقي، ولعلهما كانا يحاولان فقط الاقتراب من مانديلا الايقونة الاخلاقية والمعنوية، كي يوحيا للعالم بانهما يحملان قيمه، في حين ان الادارة الامريكية تسعى الآن تماما الى عكس ما كان يمكن ان يرضي مانديلا بالنسبة الى العدالة في حل القضية الفلسطينية. بل ان اوباما نسي انه اتخذ قرارا عام 2011 بمعاقبة منظمة اليونسكو وقطع المساهمة الامريكية عن ميزانيتها، لان دولها صوتت لضم دولة فلسطين الى عضويتها، وهو الذي اتخذ ايضا اشد المواقف تطرفا لمنع مجلس الامن من التصويت لقبول عضوية دولة فلسطين في المنظمة الدولية، واوباما هو نفسه الذي أمر ايضا بمحاربة كل تقارير مجلس حقوق الانسان ولجان التحقيق التي تتهم اسرائيل بارتكاب جرائم حرب. واوباما الذي يشيد بنضال مانديلا وتحقيقه لحل كامل وشامل ونهائي بانهاء نظام الابارتهايد، هو نفسه الذي يتآمر مع نتنياهو لفرض اتفاقيات مرحلية على الفلسطينيين والتي لا تديم الاحتلال فحسب، بل تشرعه باتفاقيات ثنائية، ومن دون ان يحسما مسألة الاستيطان وتوسعه المستمر.
لعل ارث مانديلا يساعد على تصعيد حركة مقاطعة اوروبا لبضائع المستوطنات الاسرائيلية لتؤدي الى فرض عقوبات على’اسرائيل، التي كانت اهم المتعاونين في الماضي مع نظام الفصل العنصري، وكان الرئيس الاسرائيلي الحالي شمعون بيريز اهم رموز هذا التعاون. حملة مقاطعة بضائع المستوطنات لا بد ان تتسع، لتشمل البضائع الاسرائيلية كافة، ولن يتم ذلك الا بجهود فلسطينية اولا وعربية ثانيا، ونستذكر هنا ان مانديلا، وبعد خروجه من السجن واثناء جولته في اوروبا وامريكا دعا الى الابقاء على العقوبات، ولم يتم رفع العقوبات عن جنوب افريقيا الا بعد ان طلب مانديلا ذلك، حيث ترك له ان يقرر متى تصبح جنوب افريقيا مؤهلة للخروج من نظام العقوبات.
وفي اسرائيل التي تصارع بالدفاع عن نفسها ورفض المقارنة بينها وبين النظام العنصري في جنوب افريقيا، تمارس كل انواع التمييز ضد العرب مسلمين ومسيحيين، وقد وصل هذا التمييز ضد اليهود السود، حيث امتنع فريق من هيئة الاسعاف الاسرائيلي عن قبول تبرع بالدم من نائبة بالكنيست ذات اصول اثيوبية، بدعوى ان دماء الاثيوبيين لا تطابق المواصفات المسموح اخذها لبنك الدم الاسرائيلي. وبعد ذلك يأتي نتنياهو ليقول انه يعتبر مانديلا قدوة. العالم وهو يودع مانديلا يدرك انه بحاجة للكثير لانهاء الظلم والتمييز والكراهية، والوفاء لمانديلا لا يكون بالكلمات المعسولة، بل بالسير على خطاه.