اول الحرب
الياس خورياول الحربفي بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، عندما بدأ شباب الأحياء يحملون البنادق بفخر، ويتجولون في الشوارع، التقيت رجلاً كهلاً غريب الأطوار. كان يقترب من اماكن تجمع المسلحين ويصرخ كلمات باللغة التركية، يشفق عليه الشباب ضاحكين، ثم يقومون بطرده. لكن الرجل الكهل لم يتوقف عن التحرّش بهم، والصراخ بتلك الكلمات الغريبة.مرة وحين كان احد الشباب يدفعه كي يخرجه من دائرتنا اقتربت منه، امسكته بيده ووقفنا الي جانب الطريق. سألته عن خبره فكرر امامي تلك الكلمات الأعجمية. ثم نظر اليّ باحتقار قائلا: تعتقدون انكم تحاربون هنا، هذه ليست حربا، الحرب الحقيقية حدثت في اسطمبول، مع انور وطلعت. ثم عاد الي لغته التركية.احسست انني دخلت في رواية الرغيف ، لتوفيق يوسف عواد، وان هذا الرجل ليس حقيقياً، انه مجرد ظل لشخصية روائية لم يكتبها عواد، لكنها لامست اطراف روايته التي اخبرت حكايات السفر برلك والمجاعة الرهيبة التي ضربت لبنان خلال الحرب العالمية الأولي.لكن ليست هذه هي الحكاية.الرجل اختفي كما ظهر، قيل انه مصاب بمرض نفسي، وان اقرباءه نجحوا في الايقاع به، من اجل ارساله الي مستشفي الامراض العقلية في بيروت.الحكاية ان مشهد الرجل الكهل، بثيابه الكاكية وحنينه التركي وقدرته علي استعادة حربه من خلال حربنا، وضعتني في مواجهة العلاقة الغائمة بين الحاضر والماضي. كان الرجل يعيش ذاكرته من خلال زمن الآخرين الذي افترس زمنه. كأنه كان عاجزاً عن مغادرة تلك المنطقة التي صنعت بطولته الشخصية، وامحت من الذاكرة العربية التي ارادت تأسيس نفسها انطلاقاً من اسطورة ما اطلق عليه اسم الثورة العربية الكبري ، التي قادها شريف مكة وانجاله.بدا لنا الرجل الكهل وكأنه اصيب بفقدان الذاكرة. اذ كيف يعقل ان يقف بين شبان لبنانيين وفلسطينيين امتلأت رؤوسهم بحكايات غيفارا وفيتنام واقوال الرئيس ماو، ليحدثهم عن معركة تمت منذ اكثر من نصف قرن! ثم ما معني الذاكرة حين يتصرف الكهل وكأنه لا يزال يعيش في حربه القديمة، وكأن اصوات القذائف في الحرب الجديدة ليست سوي اصداء لتلك الأصوات التي سبق للرجل ان استمع اليها علي ضفاف البوسفور؟هذه العلاقة الغائمة تعود اليوم بعد ثلاثين عاما. لا لأن حرب تموز الاسرائيلية علي لبنان اعادت الينا الماضي، بل لأننا شعرنا ان الماضي لا يمضي، واننا اسري طاحونة هائلة، تجتمع فيها الاساطير بالوقائع، بحيث نفقد القدرة علي التمييز.الرجل الكهل قفز الي شاشة الوعي من جديد، بسبب هذه الهوة العميقة التي انفتحت في داخلنا، وقالت ان المشرق العربي لا يزال امام المهمة القديمة التي فشل في انجازها عند نهاية الحرب العالمية الأولي.هكذا بكل بساطة، لا تزال هذه البلاد في البداية المؤجلة. كأننا في سنوات العشرين من القرن الماضي، حيث كانت الاسئلة في بداياتها، وحيث كانت احشاء البلاد مطروحة، وحيث كان علي الثقافة ان تحمل رسالة الأمل والتغيير والثورة.استطيع ان اتخيل المعاناة الكبري التي عاشها رجال النهضة العربية وهم يمسحون الغبار عن وجوه اللغة العربية، ويحملون الرسالة التنويرية التي حلموا بها.ورغم انهم عادوا الي التاريخ من اجل احيائه، الا انهم لم يواجهوا التاريخ في وصفه وحشاً. كان يمكن القاء تبعات العجز والانحطاط علي العثمانيين، وكان من السهل ايجاد علاقة سببية بين الامراض الاجتماعية والاستعمار. لقد قفزوا فوق الحرب اللبنانية الاولي 1840-1860، وتجاهلوا الاحداث الطائفية في دمشق عام 1860. واندفعوا الي محاورة احتمالات النهضة في وصفها حتمية تاريخية. لم يخبرنا احمد فارس الشدياق حكاية شقيقه المقتول اسعد، وقفز جبران من فوق اهوال الصراع الطائفي اللبناني، وانبري الكواكبي الي تشريح الاستبداد متناسياً ان السلطة المستبدة نتاج علاقات اجتماعية وعائلية ودينية استبدادية. كانوا اصحاب رسالة، وكانت رسالتهم عميقة وجميلة، لكنها لم تتلوث بوحل التاريخ ودمه واوجاعه.تركوا لنا ان نكتشف ان التاريخ قد يكون اعمي، وانه كلب شارد لا رحمة في قلبه، وان الماضي لا يمضي بل يستوطن الذاكرة الجمعية، وان علينا ان نواجه الدم والخراب.بعد الحروب المتجددة في بلاد العرب، نكتشف اننا لا نزال في اول الحرب. وان السرطانين الاسرائيلي والنفطي نجحا في خنق روح هذه البلاد، وسمحا لأعتي اشكال الديكتاتورية بأن تستبيح كل شيء.بلاد مطروحة علي الطريق، تبحث عن تاريخها الجديد، وسرطانان يفتكان بها، واحتلال اسرائيلي يتوازي ويتقاطع بالاحتلال الامريكي، وانظمة استبدادية تمتص دم البلاد وتزهق روحها.هكذا نحيا منذ هزيمة الخامس من حزيران. ثم وصل المشرق الي هذا الدرك بعد نهاية الحرب الباردة، حين لم يعد من حاجة الي الاسلام في مواجهة الشيوعية، فصار الاسلام هو عدو روما الجديدة التي تتأسس علي ضفاف الاطلسي.ما الرسالة التي نستطيع من خلالها اكمال رسالة النهضويين كي نقاوم الانحطاط؟لا اعرف الجواب، لكن التجربة اللبنانية علمتني، اننا لا نزال في اول الحرب. نكره الحرب ولا نريدها، نتوق الي السلام ونتمناه، لكننا لا نزال في بداية العلاقة الوحشية مع التاريخ. سوف يكون الثمن باهظا الي درجة لا نحتملها، ولن تعلمنا الحرب سوي حب السلام، لكن جغرافيا النفط والوحشية الاسرائيلية، جغرافيا المجتمع الذي تنفرط احشاؤه فيحاول تحجيب نسائه! هذه الجغرافيا تضعنا في تجربة القسوة والموت.يجب ان نعي اين نحن، كي لا نكرر مشهد الرجل المعتوه الذي صرخ صيحة حرب تركية في زمن غير زمانه. 0