شهدت الحياة السياسية الدولية مؤخرا حدثا اعتبر خطوة كبرى واختراقا مهما في جدار العلاقات الإيرانية – الغربية، ويتعلق الأمر بالاتفاق المبدئي بين إيران ودول 5+1 حول ملف إيران النووي، فلطالما عرفت هذه العلاقات شدا وجذبا على مر تاريخها، منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، وإذا كانت العلاقات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن قد تم قطعها نهائيا سنة 1980 إبان ما عرف بأزمة الرهائن، فإن الرغبة في التقارب بين البلدين لم تغب عن بال الساسة فيهما، على الرغم من التصعيد والعداء الرسمي الذي يطبع مسار علاقتهما، ولعل مرحلة صعود الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، التي حاول فيها تحسين العلاقات التجارية والجيوسياسية مع الغرب والتأسيس لحوار الحضارات، شكلت فترة بلغت فيه هذه الرغبة في تذليل الجليد أوجها، إلا أن أخطاء الولايات المتحدة والغرب عموما في تقدير هذه الرغبة فوتت على العالم فرصة تطبيع تاريخي بين واشنطن وطهران لينتظر العالم زهاء عقد من الزمن ليشهد على أول اتفاق مبدئي بين إيران والسداسية الدولية وما يعنيه من إمكانيات للتقارب بين إيران وأمريكا، الذي من شأنه أن ينعكس إيجابا على مجموع قضايا الشرق الأوسط الشائكة، خاصة إذا ما تم موازاة هذا الاتفاق الدولي بإرادة مجموع الدول المشكلة لهذا الشرق الكئيب في التقارب والتعاون والحوار، بعيدا عن العناد الخاوي من المضامين والانفعالات المزاجية والشخصية، التي لا تعبر عن أية مصلحة إستراتيجية لدول المنطقة، فكيف يمكن إذن أن يشكل الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب حالة إيجابية تتجه بدول المنطقة نحول التعاون والبناء بدلا من العداء والعنف والتشنج الذي بات يؤثث يومياته؟ لقد تباينت مواقف دول الشرق الأوسط من الاتفاق المبدئي بين إيران والسداسية لحل الملف النووي الإيراني، الذي تميز على العموم بترحيب متفاوت الدرجات لجل دول المنطقة، خاصة تركيا، العراق، سوريا والإمارات العربية المتحدة، وحدها السعودية التي غردت خارج سرب هذا الترحيب الإقليمي والدولي شأنها شأن ‘إسرائيل’ للأسف، والواقع أنه إذا كانت هواجس الرياض من الممكن تفهمها بشكل أو بآخر، فإنه من غير المفهوم تماما هذا السكوت المطبق لحكام السعودية عن الترسانة الكيماوية والرؤوس النووية المرعبة لإسرائيل، التي هي على مرمى حجر من كل المدن السعودية! إن هذا التناقض الصارخ في مواقف السعودية لن يسعفنا في إيجاد مسوغ منطقي ونسقي لموقفها من الملف النووي الإيراني، فقد كان حريا بها أن تعارض وتهاجم الترسانة الكيماوية والنووية العسكرية الإسرائيلية بالقدر والنفس والجهد نفسه الذي بذلته وتبذله تجاه إيران حتى نكون أمام ظاهرة منسجمة ومتناسقة مع منطقها. على كل حال يعلم الجميع أن منطقة الشرق الأوسط وما يعرف بـ’العالم العربي’ عموما أضحت ساحة لصراع المصالح والمحاور، التي توظف فيها أدوات خطيرة منها التحريض المذهبي والطائفي وحتى العرقي، الذي يتم تمويله وتغذيته بالمال والسلاح والإعلام، وكذا جحافل المتطرفين الذين لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم باسم الدين الإسلامي الرحيم، الذي يتسع لكل فسيفساء العلم الإسلامي على اختلاف مذاهبهم و طوائفهم وأعراقهم وميولهم الفكرية والأيديولوجية، وإذا كانت قتامة هذا الشرق تبدو جلية للقاصي والداني فإن نيرانه المشتعلة حاليا في كثير من مناطقه لن توفر أحدا وستمتد إلى الجميع، إذا لم يتم التصدي لهذا الخطر المقيت من قبل الجميع وبتصميم وإرادة واقتناع، فالتنوع المذهبي والطائفي يشكل سمة أساسية لكل دول المنطقة بما فيها تلك الدول المغذية لهذه النوازع، كما أن أي شرارة أزمة أو حرب في المنطقة لا بد أن تصيب الجميع، نظرا للمترابطات والتحالفات المعقدة لجميع هذه الدول، وبالتالي فإنه إذا لم يتم التنبه لخطورة الأوضاع وفداحتها وتداعياتها فإن المسار المنطقي للمنطقة سوف يسير بالجميع نحو الهاوية، خاصة دول الخليج التي فيها من يظن أن حصونها المالية والقواعد الأمريكية مانعتهم من امتداد الدم الذي يجري كل يوم في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وليبيا ومصر وغيرها من الدول إلى ربوعها. وعليه فإنه وأمام الوضع الخطير الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط، ومعها كل ما يسمى بـ’المنطقة العربية’ وكذلك أمام التحديات والمسؤولية الجسيمة التي يفرضها هذا الواقع على الجميع، حكاما ومفكرين ومثقفين وغيرهم، يتحتم العمل من أجل استغلال أجواء الانفراج في العلاقات بين الغرب وإيران بعد الاتفاق النووي المبدئي الأخير والانكباب على ما يلي: ـ تشخيص دقيق لمشاكل الشرق الأوسط في أبعادها وترابطاتها وتداعياتها الإقليمية والدولية . ـ الانخراط في نقد ذاتي لمجموع سياسات وسلوكيات دول المنطقة، خاصة دول الخليج، تأخذ بعين الاعتبار التطورات المتلاحقة والسريعة لموازين القوة في الإقليم وعلى المستوى الدولي، بغية بلورة سياسة خارجية مسايرة لكل هذه التغيرات العميقة، وتأخذ بعين الاعتبار المصالح الإستراتيجية لدول المنطقة بعيدا عن المزاجية والانفعالية التي تحكم واقع السياسة الخارجية لكثير من دول المنطقة. ـ تنظيم مؤتمر إقليمي للمصالحة بين أفرقاء دول المنطقة، يكون مرتكزا لبناء علاقات تعاون وتآزر بين الجميع. ـ خلق مراكز بحث استراتيجي مهنية ورصينة والاعتماد على تقاريرها ودراساتها بعيدا عن منطق الارتجالية وشخصنة الأزمات الدولية. ـ الاقتناع بالطريق الديمقراطي حلا وحيدا لتأطير الاختلافات الثقافية والمذهبية والأيديولوجية في دول المنطقة. وفي هذا السياق فإن الاتفاق النووي الأخير بين إيران والسداسية يجب أن يكون فرصة لتعميم ثقافة السلام والمشتركات وكذا الاستفادة من هذا الاتفاق على مستويات عدة منها: ـ حل ملفات وأزمات الشرق الأوسط الكبرى. ـ الاستفادة من الخبرات الإيرانية في المجال النووي السلمي وما يرتبط به من فروع علمية عديدة جدا. ـ تحويل منطق النزاع الذي يطغى على كثير من القضايا بين إيران ودول الخليج إلى منطق التعاون الذي يخدم مصلحة الكل، بما في ذلك تحويل مناطق متنازع عليها إلى مناطق استثمارات مشتركة. ـ اتخاذ موقف مبدئي وموحد وصارم من الترسانة النووية والكيماوية الإسرائيلية، والدفع نحو تفكيكها، على غرار الترسانة الكيماوية السورية وعلى غرار الملف النووي الإيراني، وذلك انسجاما مع مبدأ شرق أوسط خال من الأسلحة النووية. إن قدر دول المنطقة هو أن تتعايش وتتعاون في ما بينها لا أن تتنازع وتعادي بعضها بعضا، ولعل امتزاج فسيفساء المنطقة بعضها ببعض إضافات إلى مكونات مناطق أخرى من بينها المكون الأمازيغي في دول شمال أفريقيا هي التي تفتقت عن تلك الحضارة الإسلامية الراقية التي بلغت مشارق الأرض ومغاربها وكانت تشرئب إليها أعناق الجميع أدبا وفنا وعلوما. مجمل القول ان الاتفاق النووي بين إيران ودول 5+1 يعد خطوة كبيرة جدا في اتجاه حل الملف النووي الإيراني بشكل شامل، كما أنه يعد أرضية صلبة لأي تقارب أمريكي – إيراني من شأنه أن يرتد إيجابا على مجموع قضايا الشرق الأوسط، من بينها الأزمة السورية، مما يحتم على مجموع دول هذا الشرق الحزين أن تساير هذا التحول العميق في مجرى العلاقات الدولية، فالإرهاب والتطرف ومشكلة اللاجئين وشبح الحروب والعنف الطائفي لن تمنع امتداده لا القواعد الأمريكية الجاثمة على صدر شعوب المنطقة ولا أموال البترودولار ولا التحالف مع إسرائيل، فقط يمنعه الحوار والديمقراطية والتعاون ونبذ الخلافات، فمهما تكن الخلافات والنزاعات بين دول المنطقة تظل شعوب هذه الدول إخوة في الدين والجغرافيا والثقافة والمصير، وبالتالي لا يجوز أن تصل هذه الخلافات حد التقتيل والتدمير والعداء، فالمثل الأمازيغي يقول: ‘أخوك امضغه و لا تبتلعه’.