يمكن القول أن أشكال كتابة السيرة الذاتية قد تطورت في الغرب تطورا كبيرا منذ القرن الثامن عشر، وتطورت في الشرق الآسيوي تطورا مشهودا منذ القرن التاسع عشر، فيما هي في البلاد العربية متراجعة بسبب التقاليد والأعراف الاجتماعية وثقافة القمع التي تحد من بوح الشخص لتجاربه كما هي، أي من دون زركشة وإنتقائية. هذا ناهيك عما يحس به الإنسان العربي بحسب قول الدكتور جابر عصفور من مشاعر الخجل والخوف المؤدية إلى اضطراره إلى الرياء والنفاق أو الكذب حين تناوله لسيرته الذاتية.
وعليه فإن أكثر الموجود في الأدب العربي ليس سوى ترجمات لشخصيات كتبها آخرون، أي إنها تندرج في خانة ما يمكن تسميته بالسيرة الذاتية بالإنابة، ونقصد بهذا حالة تصدي آخرين للكتابة بجرأة وانفتاح وتجرد وحس مرهف عن رموز وأعلام، بحيث يصنعون عالما موازيا لعالم صاحب السيرة الأصلي، على نحو ما فعله المسرحي الفرنسي ‘رومان رولان’ (1866- 1944 )، الذي يُعد من أغزر كتاب السير الذاتية بدليل ترجماته الجميلة لبتهوفن، وتولستوي، وغاندي، وغيرهم.
علاوة على ما سبق فإن كتابة سير الشخصيات لم تـَعد مجرد سرد إنشائي للمعلومات والأحداث والتواريخ وفق النظام الزمني أو الكرونولوجي، و إنما صارت من الفنون الأدبية التي لها اشتراطاتها الخاصة، فضلا عن حاجتها إلى موهبة خاصة، وتقنيات بلاغية معينة، و مقدرة فذة على صياغة المعلومة في قالب أدبي جذاب، وجرأة في المكاشفة والبوح، وذكاء في كيفية إيجاد تناغم ما بين العام والخاص، والذاتي والموضوعي، وجعل القارىء في حالة دائمة من الترقب. وهي مواهب أزعم أن الكثيرين ممن يقتحمون مجال كتابة السير الذاتية لا يمتلكونها، الأمر الذي يجعل أعمالهم تشكو من فقدانها لمتعة القراءة التأملية أو خاصية إنجذاب المرء عفويا إليها.
وأستطيع أن أزعم أن المكتبة العربية تعاني نقصا شديدا في المؤلفات التي تتناول السير الذاتية أو التي تترجم لشخصيات صنعت الحدث وواكبته وأثرت في مجرياته، من تلك التي لا زالت على قيد الحياة، في الوقت التي نرى فيه المكتبة الأجنبية تفيض بمثل هذه المؤلفات، بل يدخل إليها سنويا المئات من الكتب التي تتناول خفايا وأسرار شخصيات حكمت أو كان لها دور في صنع القرار في بلدها ثم خرجت من السلطة. وبطبيعة الحال فإن سبب النقص في حالة المكتبة العربية معروف، ولا يخفى على اللبيب، وهو أن صانع القرار العربي نادرا ما يخرج من السلطة طواعية ليتحول إلى مواطن عادي يمكن تناول أسرار حياته وسيئاته وأخطائه دون حرج أو خوف. أما الكتابة عن سيرته ونشأته وصعوده بموضوعية ودون زركشة وبهرجة ، وهو لا يزال في السلطة، فأمر محفوف بالمخاطر وقد يؤدي إلى التهلكة أي على العكس مما يجري في العالم المتقدم الذي يــُسمح فيه بإنجاز مؤلفات تحمل بين دفتيها قصص وحكايات وأسرار الرموز السياسية أو الإقتصادية أو الثقافية أو العسكرية مع الإشادة بها وإطرائها أو نقدها وإزدرائها بحسب طبيعة قراراتها وإنجازاتها.
ومما ينقص المكتبة العربية أيضا المؤلفات التي تعنى بالتأريخ الإجتماعي. ولا أزعم هنا خلو المكتبة العربية تماما من مثل هذه المؤلفات، وإنما يؤلمني أن التأريخ الإجتماعي لم يحظ بنفس درجة الاهتمام الذي يوليها المثقفون والمفكرون العرب للتأريخ السياسي والتأريخ الإقتصادي، على الرغم مما للتأريخ الاجتماعي من أهمية في تتبع التحولات الديموغرافية والسوسيو ثقافية، ونشأة عادات وتقاليد وممارسات وفنون معينة. وبعبارة أخرى فإن اهتمام المفكر العربي بالتأريخ السياسي على حساب التأريخ الإجتماعي هو الذي جعل المكتبة العربية تعاني من النقص في هذه النوعية من المؤلفات الرشيقة والممتعة.
غير أن المفكر العربي، في تجنبه للتأريخ الإجتماعي، له عذره. فتناول شؤون مثل الأصول والجذور والهجرات والعادات القبلية والمصاهرات أمور تشكل حساسية بالغة في معظم المجتمعات العربية، ولاسيما الخليجية منها، دعك من تناول المسكوت عنه من ظواهر إجتماعية قديمة مثل انتشار دور البغاء وغرام الكبار بالصبية الصغار أو ظواهر اجتماعية حديثة مثل تشبه الرجال بالنساء او العكس.
ومن هنا رأينا بعض الكتاب العرب يحاول تجاوز الحساسية المشار إليها وعقباتها وعقوباتها أيضا بتناول المسكوت عنه من خلال السرد الروائي الذي يعتمد الإيحاء وإستخدام الأسماء الوهمية لشخصيات وأمكنة حقيقية مع الاعتماد على الخيال في صناعة الحدث. ولعل من أبرز الأمثلة في هذا السياق رواية ‘شارع العطايف’ للسعودي عبدالله بخيت التي تناول فيها صاحبها ظاهرة دور البغاء في البحرين في زمن الإنجليز. وهذه الدور، التي كانت مرخصة وتعمل تحت إشراف طبي دقيق للحيلولة دون إنتشار الأمراض الجنسية، لم يكن بالإمكان الكتابة عما كان يجري فيها، وعن فتياتها، والمترددين عليهن، وظروف ودوافع عملهن لولا اللجوء إلى السرد الروائي. المثال الآخر يمكن ان نستمده من رواية ‘ترمني بشرر’ لعبده خال التي دار حولها جدل واسع منذ فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية ‘البوكر’ في نسختها لعام 2010 . فهذه الرواية طبقا لكاتبها ‘هي تعرية لما هو مخبوء ومقصي، وبعيد عن النظر’ وهي لن ترضي الكثيرين ‘لأنها صادمة، وتهز الكثير من القناعات الثابته، وتظهر كم القاذورات التي نحاول أن نواريها’ وحول هذه الرواية أيضا تقول الناقدة اللبنانية الدكتورة رفيف صيداوي ان ‘الإنسان طيب بطبيعته، وأن المجتمع هو الذي يفسده’ ثم تضيف أن هذه ‘حكمة الأديب والفيلسوف جان جاك روسو التي تبناها عبده خال في أكثر من عمل روائي، لينتج خطابا مناهضا لكل أشكال السلطة القمعية، سواء أكانت سياسية أو عائلية، أو إجتماعية، وذلك عبر تقاطع أنا/الشخصية الروائية مع الهم الإجتماعي’.
*باحث ومحاضر أكاديمي وروائي من البحرين