القاهرة ـ ‘القدس العربي’ أبرز ما في صحف أمس الثلاثاء 17 كانون الاول/ديسمبر، كان في رأيي الشخصي، هو الإعلان عن عقد المؤتمر العام الأول لإعلان قيام جبهة ‘مصر بلدي’ بحضور خمسة آلاف مندوب من جميع المحافظات، رئيسها الشرفي المفتي الاسبق الدكتور الشيخ علي جمعة، والمنسق العام أحمد جمال الدين وزير الداخلية السابق، واللواء والمحافظ السابق قدري أبو حسين أميناً عاماً، والدكتور مصطفى الفقي رئيسا للمجلس الاستشاري وزميلنا وصديقنا ورئيس تحرير جريدة ‘الاسبوع’ مصطفى بكري متحدثا رسميا باسمها، وألقى الشيخ جمعة كلمة دعا فيها المواطنين للتصويت بنعم للدكتور، والاحتشاد يوم 25 يناير في ذكرى الثورة وتكليف الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع بالترشح لرئاسة الجمهورية.
أما الدكتور مصطفي الفقي فأكد في كلمته أن الجبهة ليست حزبية أو فئوية وهي تضم جميع أطياف المجتمع.
هذا ومن المعروف ان الجبهة ستتقدم بمرشحين في جميع الدوائر الانتخابية، وفي حقيقة الأمر، فان الإعلان عنها، يطرح عدة تساؤلات، وهي، هل هذه الجبهة ستكون التنظيم السياسي الواسع الذي سيساند السيسي إذا ترشح للرئاسة وفاز بها، لأنه، وهذه حقيقة، سوف يكتسح أي منافس آخر بسبب شعبيته الجارفة، وهو في حاجة الى دعم من مجلس النواب القادم حتى يتمكن من تكليف الحزب صاحب الأغلبية أو الاكثرية بتشكيل الحكومة، وإذا لم تكن أغلبية المجلس منسجمة معه أو مؤيدة له فانه لن يتمكن من الحكم في ظل تقليص الدستور لسلطات الرئيس، فإذا فازت الجبهة بالأغلبية يمكن له الانضمام إليها وترؤسها، مثلما كان حال خالد الذكر مع تنظيم الاتحاد الاشتراكي، أم أن الهدف من إعلان الجبهة، سحب البساط من تحت أقدام حزب أحمد شفيق ‘الجبهة الوطنية’، أم من التيار الشعبي وحركة ‘تمرد’، والإنقاذ، خاصة أن السيسي هو الأقرب لتمرد والتيار الشعبي من خلال تشبيهه بجمال عبدالناصر آسف جدا قصدي خالد الذكر، أم أن العملية عبارة عن إلحاق هزيمة مدوية بالإخوان في انتخابات مجلس النواب، مثلما حدث في انتخابات بعض النقابات المهنية وبعدها تتفكك الجبهة ويعود كل فريق إلى حزبه وتنظيمه؟ على كل الأيام القادمة سوف تكشف المزيد..
وإلى بعض مما عندنا:
لا فرق بين كون مرتكب الجريمة
من الجنس الناعم أو رجلاً بشوارب
ونبدأ من ‘وفد’ الخميس الماضي حيث قالت زميلتنا المحجبة والجميلة فكرية أحمد في مقال انتقدت فيه استغلال الفتيات في مظاهرات يستخدم فيها العنف:
‘في تناقض مثير ومنفر انطلقت كلماتها من فمها رقيق المظهر كالبارود كشظايا القنبلة لتهدد وتتوعد الإعلامي وائل الإبراشي بتفجير القناة التلفزيونية، التي ينطلق منها برنامجه الشهير، لأنه لم يتعاطف مع قضيتها وفقاً لها، أو تناول قضية المشاركة في مظاهرات العنف وحمل السلاح وإحراق المحلات بصورة موضوعية لا فارق فيها بين كون مرتكب الجريمة من الجنس الناعم أو رجلاً بشوارب، فالجريمة جريمة والعنف والإرهاب لا يتم تصنيفهما بعنصرية، خاصة أن هؤلاء الفتيات وغيرهن من النساء يستخدمن بصورة مخطط لها من قبل عناصر الإخوان، فهل ستجد فتيات ‘السابعة صباحاً’ من ينقذهن من مخططات الإخوان من أصحاب اللحى والشوارب الذين لا يستحون من استخدام النساء والقاصرات والاتجار بهن كتجارتهم بالدين الإسلامي واستقطابهن في أعمال العنف اعتماداً على أن الشرطي أو ضابط الجيش إن تعرض لإحداهن ستقوم الدنيا ولن تقعد، اعتراضا على المساس بالحرائر، والمثير للدهشة أن هؤلاء أنفسهم أصحاب اللحى والشوارب من الإخوان كانوا يصبون اللعنات ويتوعدون بنيران جهنم للمتظاهرات ممن شاركن في مظاهرات ميدان التحرير ضد حكم المعزول محمد مرسي، وكنا نسمع من يسخر ومن يؤلب من شيوخهم وقادتهم ضد الفتيات وهو يقول: ‘إيه اللي وداهم هناك وخلاهم يختلطوا بالشباب، يستاهلوا’.
السيسي يعطل دولة بحجم
مصر منذ ستة أشهر
وإلى المعارك والردود المتنوعة، التي تضرب أصحابها في كل اتجاه لا يلوون على شيء، ويبدأها زميلنا وصديقنا مجدي أحمد حسين رئيس حزب الاستقلال ورئيس تحرير جريدته ‘الشعب’ بقوله فيها يوم الجمعة مهاجماً الفريق أول عبدالفتاح السيسي بقوله عنه:
‘.. قلنا مرارا ان الجهلاء لا يصلحون للحكم وفقاً للفقه الإسلامي ووفقاً للفقه الديمقراطي الغربي ووفقاً للحكم الشمولي الرشيد الصين هذا هو الشخص الذي يعطل دولة بحجم مصر منذ ستة أشهر، وإذا كان هذا هو قائد ثورة ثلاثين يونيو فمتى يخجل التابعون له من عناصر نخبة مصر الفاسدة ومتى يدرك شرفاء الجيش ان سمعة مؤسستهم اصبحت في الحضيض’.
الشعب المصري يفضل
بقاء السيسي وزيراً للدفاع
اما مجلة ‘المصور’ فقد نشرت حديثاً مع لواء الجيش السابق والخبير الاستراتيجي محمود زاهر أجراه معه زميلنا علي محمود عن السيسي ومنصب رئيس الجمهورية، وباقي المرشحين الذين كانوا ينتمون للمؤسسة العسكرية، فقال:
‘فرصة الفريق اول السيسي لعدم ترشحه للرئاسة لن تكون موجودة، إذا تأكد أن الرئاسة لها مرشح وطني حقيقي يحافظ على مكتسبات الوطن وثورة الشعب في 30 يونيو، ومكتسبات الوطن اليوم من تنامي العلاقات العربية والافريقية والدولية والتنمية الشاملة، وأن يحافظ على العلاقات الوثيقة بين مؤسستي الرئاسة والقوات المسلحة وبين الجيش والشرطة والشعب، وهذه هي الشروط التي لو توافرت في المرشح للرئاسة لن يترشح السيسي ووقتها سيفضل وجوده في موقع القائد العام للقوات المسلحة لسببين: 1- ان السيسي يحب هذه الوظيفة وتلك مسألة شخصية.
2 ـ معظم الشعب المصري يفضل بقاء السيسي وزيراً للدفاع ليكون ظهيرا لمصر والشعب.
رأيي الشخصي أن يترشح الفريق أول عبدالفتاح السيسي للرئاسة والقوات المسلحة المصرية زاخرة بالرجال المخلصين والوطنيين مثل السيسي لمنصب وزير الدفاع، وبالتالي نضمن الحفاظ على الأمن القومي المصري، وأشيع أن الفريق سامي عنان سوف يترشح للرئاسة وأن له علاقة ما بالإخوان وأنهم وعدوه بدعمه في الانتخابات الرئاسية القادمة، وأنه التقى بما يسمى التيارات الشبابية في جاردن سيتي ووعدوا بدعمه في الانتخابات الرئاسية مقابل مكتسبات الثورة، أنا عندي وجدان عام بالنسبة للفرق سامي عنان غير سليم وهو ما يؤكد انه لن يستطيع الحصول على أصوات الشعب المصري، الوزير موافي كان رئيساً للمخابرات العامة، فهل ترك بصمة لدى الشعب المصري، أم ان ترشحه للرئاسة بسبب انه كان مديرا للمخابرات العامة؟ والفريق شفيق ترشح للانتخابات الرئاسية السابقة وحصل على ما يقرب من ثلاثة عشر مليون صوت، هل لا تزال هذه الأصوات موجودة؟ هل المقارنة بينه وبين الآخر موجودة؟’.
الإخوان تنازلوا عن أرواحهم
فداء لعزة هذا الوطن وكرامته
وإلى معركة مختلفة تماما يوم الأحد من ‘الحرية والعدالة’ حيث قال صاحبنا الدكتور هاني اسماعيل محمد:
‘تتعالى الأصوات التي تنادي بتقديم تنازلات من قبل التحالف الوطني لدعم الشرعية والإخوان، وتطالبهم بأن يقدموا مصلحة الوطن قبل مصلحتهم الحزبية ويطالبونهم بأن ينقذوا سفينة الوطن من بحر الدماء التي تسفك كل يوم، وتتتالى المطالب التي تؤكد أن مصلحة الوطن مقدمة على مصلحة الجماعة أو المصلحة الحزبية، وأن خير دليل على حب مصر هو التضحية والتنازل عن أي مكاسب سياسية أو أطماع في السلطة أو أي صراع على المناصب أو الكراسي، وأن في هذا خير شاهد على المرجعية الإسلامية التي ينطلق منها الإسلام السياسي وما تضمنه من عفو وتسامح، والحقيقة التي يغفل عنها هؤلاء وكثير من ذوي النيات الحسنة ان التحالف والإخوان قدموا ومازالوا أكبر تنازل يمكن أن يقدمه فرد أو جماعة، فقد تنازلوا عن أرواحهم فداء لعزة هذا الوطن وكرامته وحرصاً على حريته المكبلة وإرادته المقيدة، جيل تذوق كلمات الشهيد سيد قطب فرددها بقلبه وعقله قبل أن يرددها باللسان والشفاه ‘ستظل كلماتنا عرائس من الشمع لا روح فيها ولا حياة حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة’، ألا تستحق مصر وتستاهل أن نتنازل عن أرواحنا وأن نضحي بأموالنا من أجل ان نطلق يديها ونفك قيدها فتتمتع بحريتها، ألا يستحق شعب مصر أن يبذل الغالي والرخيص من أجل ريادته وقيادته؟!
هل نوافق على الدستور؟
ومن ‘الحرية والعدالة’ الى جريدة ‘المصري اليوم’ عدد الاثنين وعودة الى موضوع الدستور، والاراء المتناقضة التي تدور حوله موافقة او رفضا، ومع رأي الكاتب علاء الاسواني في ‘هل نوافق على الدستور؟’ يقول: ‘افترض أنك انتقلت إلى منزل جديد ووجدت في نفس الدور الذي تسكنه جاراً شقته في مواجهة شقتك، ثم سرعان ما اكتشفت أن جارك هذا شخص لا يطاق، فهو يرفض باستمرار أن يدفع إيصالات الكهرباء الخاصة بالمصعد وإضاءة العمارة، وهو يلقى بقمامته أمام شقتك ليتهرب من دفع أتعاب الزبال، وهو يتسبب بإهماله في نشع المياه من حمامه على جدران شقتك، ثم يرفض إصلاح المواسير داخل شقته، إلا لو كان الإصلاح على حسابك أنت. باختصار فإن هذا الجار يعتدي على حقوقك باستمرار فماذا تفعل؟ طبعاً ستحاول أن تحل المشكلة بالحسنى، لكن الجار المزعج يتمادى في الاعتداء على حقوقك فلا يكون أمامك عندئذ إلا اللجوء للقانون. ستحرر محاضر في قسم الشرطة بكل المخالفات التي يفعلها جارك، وستتحول المحاضر إلى قضايا تنظرها المحاكم.. افترض بعد ذلك أن حريقاً قد شب في الدور الذي تسكنه مع جارك وراحت ألسنة اللهب تتصاعد لتهدد المبنى كله، سوف تهرع بالطبع لإطفاء الحريق، وهنا ستفاجأ بأن جارك الذي هو خصمك اللدود قد خرج إليك ليساعدك في إطفاء الحريق.. ماذا تفعل عندئذ؟! أمامك طريقتان للتصرف: إما أن تقول لنفسك هذا الجار خصم لي وقد اعتدى على حقوقي وبالتالي لن أتعاون معه ولن أضع يدي في يده أبدا حتى لو كان ذلك من أجل إطفاء حريق يتهددنا جميعا.. أو تفكر بطريقة أخرى، فتقول لنفسك صحيح أن لدي مشكلة مع جاري، لكن خطر الحريق أكبر من هذه المشكلة، فلابد أن أؤجل مشكلتي مع خصمى وأتعاون معه حتى نطفئ الحريق، لأن هذا الحريق لو استمر سيدمر البيت كله بما فيه شقتي وشقة جاري وشقق السكان جميعا، وعندئذ لن يكون لدي ما أتنازع عليه مع جاري أساسا. طريقة التفكير الأولى، التي ترفض التعاون مع الجار الخصم لإطفاء حريق، تحمل- في رأيي- الكثير من ضيق الأفق والتعصب وسوء التقدير، وهي لا بد أن تنتهي بكارثة. أما طريقة التفكير الثانية، التي تعتبر الخصومة مع الجار تناقضاً ثانوياً وتعتبر التناقض الأساسي هو الحريق الذي يهدد المبنى كله، فهي الأنضج والأكثر موضوعية، لأنها تتخذ الموقف المناسب طبقا للظروف الواقعية.. ما علاقة هذه الحكاية بما يحدث في مصر؟ لقد ثار الشعب المصري بكل طوائفه ضد حكم الإخوان في يوم 30 يونيو، ثم انضم الجيش إلى الشعب ونفذ إرادته في عزل محمد مرسي ورسم خارطة طريق للانتقال الديمقراطي، أعدت بموجبها لجنة الخمسين مشروعاً للدستور وطرحته للاستفتاء العام. لقد قرأت مسودة الدستور فوجدته فعلاً من أفضل الدساتير التي شهدتها في مصر في مجالات المواطنة ومكافحة التمييز والحريات العامة وحقوق الأقليات والمرأة والطفل والمعاقين، كما أنه يقلص من صلاحيات رئيس الجمهورية ويجعل قراراته تحت رقابة مجلس النواب، الذي يمثل إرادة الشعب. هذا الدستور بحق يضع مصر على بداية النظام الديمقراطي باستثناء مادتين سيئتين. المادة التي تلزم رئيس الجمهورية بأخذ موافقة قيادات الجيش قبل تعيين وزير الدفاع. هذه المادة تتناقض مع النظام الديمقراطي، حيث الأصل أن الرئيس المنتخب من الشعب يملك سلطة تعيين وزير الدفاع وعزله بدون أخذ موافقة أي جهة كانت. على أن هذه المادة رغم عوارها من الممكن قبولها، أولاً لأنها مؤقتة ستسقط تلقائياً بعد ثماني سنوات، كما أن واضعي الدستور أخذوا في اعتبارهم الظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر، وأرادوا أن يحافظوا على استقرار الجيش المصري، وهو الجيش العربي الوحيد الذي خرج سالماً من تقلبات الثورات العربية….’.
على المصريين اختيار قائد
يملأ فراغ القوة في المنطقة
وفي نفس العدد من جريدة ‘المصري اليوم’ يطرح لنا الكاتب امين اسكندر مواصفات رئيس مصر القادم من خلال مقاله ‘الرئيس القادم’:
‘… نخاطب شعبنا ونناشده اليقظة حتى يأخذ دوره المعلم والقائد في اختيار رئيسه الذي يتمكن من ملء فراغ القوة الواقع اليوم في المنطقة، وبالتالي يتمكن من تلبية تفاعل الجغرافيا الأفريقية مع التاريخ الآسيوي، وهذا هو سبيلنا لوضع أقدامنا مرة أخرى على قضبان التقدم والنهضة والعدالة، قضبان الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، أي هو طريقنا لتحقيق أهداف وغايات ومطالب ثورتي 25 يناير 2011، و30 يونيو 2013 المهددة بالسرقة الآن من قبل حلف المصالح الذي يصارع من أجل أن يبقى مصر في دوائر التبعية. من هنا فإن اختيار الشعب المصري أولاً لرئيسه، وثانياً لمجلس نوابه، بيقظة تعبر عن المصالح الشعبية في العدل والتقدم، وباهتمام بالغ بدور مصر القادم في عالم وبيئة تتحرك فيها أدوار الدول الكبرى على مستوى خارطة العالم، والدول الكبرى على مستوى خارطة إقليم الشرق الأوسط، حيث تتصارع الأدوار: الدور الإيراني والتركي و’الإسرائيلي’، ولا بروز حتى الآن لدور مصر القادر على لعب أدوار كبيرة مؤثرة في تلك الخارطة الإقليمية والقادرة على إعطاء الطمأنينة لدول كثيرة في المنطقة، والقادر أيضاً على ضبط تفاعلات وتوازنات القوة في المنطقة، ومن أجل أن يبرز هذا الدور فلابد من نوبة صحيان شعبية تكون قادرة على وضع المسؤولية في رقبة القائد المناسب.
ولن يتحقق ذلك إلا باختيار رئيس يضاف إلى محمد علي وجمال عبدالناصر، عندها نستطيع أن نقول إن الدور الهائم وجد بطله ويصنع بطولته’.
طهران نافذة واشنطن لطي مغامراتها
سيئة المآل في العراق وأفغانستان
اما في جريدة ‘الشروق’ فيتساءل الكاتب فهمي هويدي عن مدى العلاقة القادمة بين ايران واسرائيل من خلال مقاله المعنون ‘هل يفاجئنا تفاهم ايران واسرائيل مع العام الجديد’:’السيناريوهات المرشحة للعام الجديد باتت تحتمل طرح السؤال التالي: هل يكون التفاهم بين إيران وإسرائيل أحد خيارات إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط؟
أدرى أن مجرد طرح السؤال يعد من المحرمات لدى كثيرين ممن يعتبرون أن التفكير فيه يجرح شرعية الثورة الإسلامية، التي كانت مخاصمة إسرائيل من ثوابتها، باعتبار أن معركة الإمام الخميني كانت منذ وقت مبكر ليست مع نظام الشاه وحده. وإنما كانت له أيضا حساباته المعادية للولايات المتحدة والرافضة لإسرائيل. وبعد سقوط الشاه كان هتاف الموت لأمريكا يقترن بتمني المصير ذاته لإسرائيل. وهي الخلفية التي جعلت قادة الثورة ورموزها منذ وقت مبكر يتحدثون عن ان تحرير فلسطين يمر بطهران، ومنهم من ظل يكرر في العلن الإشارة إلى زوال إسرائيل من خريطة المنطقة باعتباره مصيرا حتميا سيتحقق إن عاجلا أو آجلا.
ذلك كله أفهمه ولدي قرائن أخرى عديدة تعزز فكرة أن الثورة الإسلامية طوال الخمس والثلاثين سنة الماضية لم تتبن موقف العداء لإسرائيل فحسب، ولكنها أيضا ساندت بقوة حركات المقاومة المناوئة لها في فلسطين ولبنان. وإذ أسجل أن كثيرين بين النخبة الإيرانية لا يزالون عند التزامهم بذلك الموقف، وليسوا على استعداد للتراجع عنه، لكني أزعم أن ثمة متغيرات في القضاء السياسي. على الصعيدين الإقليمي والدولي استدعت رؤى جديدة وشجعت البعض على فتح باب الاجتهاد في ما اعتبر من ثوابت الثورة. ولئن أسفرت تلك المتغيرات عن نوع من المصالحة مع الولايات المتحدة التي عدت في ثقافة الثورة التقليدية رمزا للشيطان الأكبر، فإن ذلك قد يفتح الباب لقبول فكرة التفاهم مع من دونه في الشيطنة خصوصا إذا اقتضت المصلحة ذلك. وإسرائيل تحتل مكانة بارزة في ذلك التصنيف الأخير.
ومنذ توقيع اتفاق جنيف النووي في 24 نوفمبر الماضي والمعلقون السياسيون يتنافسون على رصد خلفياته وملابساته وتداعياته. والاتفاق منعقد بين أغلبهم عن انه يمثل طورا جديدا في العلاقات وموازين القوى العالمية والإقليمية، فمن قائل إن إدارة الرئيس أوباما اتجهت إلى إغلاق ملف عسكرة السياسة الخارجية وإنهاء الحرب في سبيل الشرق الأوسط الكبير، من ثم قررت اتباع سياسة واقعية تعترف فيها واشنطن بنفوذ إيران ودورها، في حين تعترف طهران بالواقع الإقليمي. وفي ظل هذه السياسة الواقعية فقد اعتبرت الإدارة الأمريكية أن طهران هي نافذة واشنطن إلى طي مغامراتها سيئة المآل (في العراق وأفغانستان). شجعها على ذلك تراجع اهتمامها بالعالم العربي، خصوصا في ظل المؤشرات القوية الدالة على احتمالات اكتفائها من النفط والغاز إزاء وفرة الاحتياطيات التي تم اكتشافها في بحر الشمال…. وإن الولايات المتحدة التي جعلت مواجهة الصين على رأس أولويات سياستها الخارجية، التي بصدد تحقيق اكتفائها الذاتي من النفط والغاز، لم تعد تطلب من المنطقة في الوقت الراهن سوى الهدوء والاستقرار وأمن إسرائيل بطبيعة الحال. ولأن العالم العربي بأوضاعه غير المستقرة وبالوهن الذي أصابه لم يعد قادرا على توفير الاستقرار المنشود، فقد اتجهت الأبصار إلى عناصر من خارجه يمكن أن تقوم بهذه المهمة. في هذا الصدد فإن الاتفاق مع إيران أصبح مهما، ليس فقط بسبب أهميتها الاستراتيجية وثبات أوضاعها السياسية وقدرتها النفطية وقوتها العسكرية، لكن أيضا لأنها أصبحت لاعبا أساسيا في المنطقة. إذ هي موجودة في سوريا ولبنان والعراق، فضلا عن أصابعها الممتدة إلى البحرين واليمن. ثم انها متحالفة مع روسيا ومدعومة من الصين. ورغم أن تركيا طرف لا يمكن تجاهله، سواء لأنها عضو في حلف الأطلنطي أو لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية من ناحية ولكونها صارت طرفا في المشهد السورى وفي الساحة العراقية من جهة أخرى. إلا أن الدور الإيراني أصبح أثقل وزنا، خصوصا بعد توتر العلاقات بين أنقرة والقاهرة، بحيث ما عاد لتركيا حليف في العالم العربي سوى دولة قطر.
إذا صح ذلك التحليل فمعناه أن مسار الخرائط الجديدة يضع إيران وإسرائيل في مربع واحد (تركيا ليست بعيدة تماما عنه)، على الأقل من حيث إن الولايات المتحدة تعول عليها في الحفاظ على الاستقرار ومكافحة ما يسمى بالتطرف في المنطقة. وفي الولايات المتحدة أصوات تدعي أن التطرف المذكور يخرج في أغلبه من عباءة أهل السنة. ولذلك ينبغى الاستعانة بالشيعة في مواجهته. ومن أهم الداعين إلى هذه الفكرة المستشرق المعروف برنارد لويس…’.
استمرار الفوضى الإعلامية
يخرب الرأي العام
وفي نفس العدد من جريدة ‘الشروق’ نقرأ للكاتب عمرو خفاجي مقاله الذي عنونه بـ’الرأي العام عايز كده:’ولأن الاعلام عادة في مرمى الهدف، هدف كل من يغضب من أي شىء، فها هو الاعلام يواجه تهمة جديدة، بأنه قلب أولويات الرأي العام بمتابعته لتظاهرات الجماعة، وتجاهله جميع القضايا التي يريد الرأي العام حقا مناقشتها، وأن ما يفعله الاعلام الآن هو تضليل واضح للرأي العام، بل خيانة متعمدة، طبعا هذا الاتهام جاء بعد اتهام آخر للإعلام بأنه يتجاهل ما يحدث في الشارع ويقدم صورة غير حقيقية للواقع السياسي الذي تعيشه البلاد، والذي هو بالضرورة مظاهرات عارمة كل يوم من الصباح للمساء.
بصراحة إن الاستسلام لمثل هذه الضغوط من القوى السياسية، هو ما يجب أن نعتبره خيانة للرأي العام، لأن أحد أهم وظائف الاعلام نقل الأخبار والمعلومات بدقة وبشكل صحيح للرأي العام، وهو يعني عدم تجاهل تظاهرات الطلبة على سبيل المثال، ولكن في نفس الوقت، كما قال لي الدكتور عادل عبدالغفار أستاذ الرأي العام بجامعة القاهرة، يجب ان تتم تغطية بقية مظاهر الحياة في الجامعة، التي هي من وجهة نظره طبيعية، فهو شخصيا لم يتخلف عن أي محاضرة له لأي سبب من الاسباب، كما أن نسبة حضور الطلاب في هذه المحاضرات تجاوزت التسعين بالمئة، وهو ما يحدث في غالبية الكليات، لأن تغطية المظاهرات فقط تجعل الصورة أمام الرأي العام جزئية، وبها خداع كبير له.
المعضلة واضحة أمام الجميع، أن الاعلام يؤثر في الرأي العام ويساهم في تكوينه، والرأي العام يضغط أيضا على الإعلام، فكلاهما يؤثر في الآخر، احترام الرأي العام واتجاهاته ضرورة، لكن يجب أيضا على الاعلام مناقشة ما يجب مناقشته للصالح العام، فليس دوما الرأي العام يدرك المخاطر الكبرى أو القضايا الأولى بالنقاش، وهنا تحديدا يجب أن يتجلى الاعلام في عدم إهماله القضايا الرئيسية مثل الزيادة السكانية والمشكلة الاقتصادية المتفاقمة.
إن ترتيب أولويات النقاش العام في مصر، صار أمرا مهما وحيويا، ويجب على القوى السياسية المشاركة في ترتيب هذه الاولويات ودفعها للاتجاه الصحيح، لأن الاستمرار في هذه الفوضى الاعلامية يخرب الرأي العام بالفعل، ويهمش جميع القضايا الاولى بالاهتمام، ولا يمكن أبدا أن يكون الاعلام مندفعا نحو الإثارة بهذه القوة تحت دعوى ‘الرأي العام عايز كده’.
حبات صغيرة من الثلج
دعتنا إلى التأمل والدهشة
وعودة الى موضوع الشتاء وموجة البرد غير المتوقعة الذي اجتاحت مصر هذا الشتاء نقرأ في جريدة ‘المساء’ مقالا للكاتب محمد جبريل بعنوان ‘ع البحري ملاحظات شتوية’ يقول فيه: ‘الدنيا برد. فرض التعبير نفسه على حياتنا في الأيام الماضية. تناسينا السياسة والغلاء والمشكلات الملحة. ظل من لا تشغلهم المساءلة في البيوت، ولم يهجروا أسرتهم. حتى الذين اعتزموا الخروج في مظاهرات أعلنوا عنها يوم الجمعة لزموا بيوتهم فراراً من البرد الذي بلغ ـ أحياناً ـ درجة الصقيع. ونقل لنا سادة الفيسبوك مشاهد لأولاد يتقاذفون كرات الثلج كما يحدث في البلاد الباردة.
أغلقت مقاهي الإسكندرية ومدن السواحل أبوابها على الصيادين الذين يخشون ركوب البحر حتى لا تؤذيهم النوة أو الرياح التي تعلو بالأمواج. تمنع حتى صياد السنارة من محاولة الصيد فوق المصدات الاسمنتية وربما مارس البحر غدره، فابتلعت أمواجه من أهمل الحذر.
تألمت ـ شخصياً ـ للأطفال السوريين الذين يعيشون الآن وسط الثلوج ودفع بعضهم حياته ثمناً لصراعات دموية بين أبناء الشعب الواحد.
الثلوج جزء في حياة العديد من البلدان والتزلج عليها لعبة معترف بها. تتأثر حياة الناس بالجليد الذي يغطي كل شيء. أما في بلادنا فقد كان مجرد سقوط حبات صغيرة من الثلج يدعو إلى التأمل والدهشة. نحتمي بالبيوت. وتخلو الشوارع من الناس. وتغلق المحال العامة أبوابها على لا شيء، يهجرها الرواد لأنهم يؤثرون البقاء في دفء البيوت. ويهملون المقاهي التي يعطونها من وقتهم أكثر مما يعطون العمل والبيت. بلغت نسبة الغياب بين العاملين ـ عند اشتداد البرد ـ رقماً مرتفعاً، بدافع الخوف من البرد أو بإغراء الدفء. والإجازة العارضة تفيد في مثل هذه الظروف.
ظلت الصيدليات ‘ستاند باي’، أي في حالة استعداد لتلقي الاستفسارات والأسئلة وتقديم الأدوية التي تقي من نزلات البرد.
لأن حصيرة الصيف واسعة كما يقول المثل، فإن ميزة الصيف أن المرء يرتدي أي شيء مجرد قميص وبنطلون ويقضي أيامه في أي مكان.. بينما الشتاء يحتاج أردية ثقيلة، وربما يضطر المرء إلى مشوار عند باعة وكالة البلح بعد أن نقلوا بضائعهم إلى ميدان رمسيس وميدان الإسعاف وشارع بولاق.
المفارقة الغريبة أن المقتدرين مادياً يستمتعون ـ في الصيف ـ بالشواطئ الجميلة ويفرون إلى بيوتهم من برد الشتاء. أما الفقراء فإن عليهم أن يصبروا ويتدبروا ظروفهم.
معونة الشتاء من أول مشروعات ثورة يوليو. لا أعرف مصيره. وإن فرضت السكك الحديدية طابعاً إجبارياً باسم المعونة التي نأمل أن نتعرف إلى تأثيراتها على حياة الملايين من أبناء القرى والأحياء الشعبية’.