فاتحة سنة رابعة لثورة تونس: أمل وإحباط

حجم الخط
4

افتتاح تونس للثورات العربية حمّلها عبئاً رمزياً كبيراً فهذه الثورة التي بدأها حدث فريد أحرق فيه الشاب محمد البوعزيزي ابن مدينة سيدي بوزيد نفسه يوم 17 كانون الأول /ديسمبر عام 2010 أشعلت نيران الثورة في كل المنطقة العربية ومدّت شرارات مثالها العظيم الى كل العالم.
ارتجف الطغاة وتقلّبوا في مضاجعهم وأعدّ كثيرون منهم زبانيتهم وحراس سجونهم وقصورهم لمواجهة جموع المظلومين والمقهورين والثائرين لكراماتهم المسحوقة.
سجّلت تونس بذلك سابقة تاريخية هائلة فتحت الباب أمام تغيّر طال كل المعمورة وأثّر في النخب والشعوب والمجتمعات؛ تغيّر لا نستطيع معرفة حدوده وما هي الآثار التي سيتركها، لكن من المؤكد أنه أعاد فتح مجرى التاريخ العربي وحرّك سيرورته الراكدة وأعاد لسكان العالم العربي أملهم بمجتمعات مدنية ديمقراطية تسوسها ادارات تحكمها أسس المحاسبة، ولا تتمركز فيها السلطات جميعاً في يد دكتاتور مجرم، ولا تسومها العذاب والبؤس والفقر طغم دكتاتورية فاسدة.
اليوم، وهو الأول من السنة الرابعة لثورتهم، تتنازع التونسيين نزعتا الأمل بنجاح ثورتهم، والإحباط لعدم تحوّل هذه الثورة الى استقرار ورخاء وأمن، وهي المطالب التي حلم التونسيون بإنجازها.
على التونسيين، مع ذلك، التمسك بالأمل والإحساس بالفخر لأن الثورة التونسية ما تزال على السكّة المأمولة منها حيث أن آليّة تداول السلطات ما تزال سليمة وفاعلة ولم تتلاعب بها قوة وطنية غالبة (كما هو حال مصر مع استيلاء الجيش على مقاليد الأمور وإزاحة رئيس منتخب)، وأن الأحزاب والتيارات السياسية تتصارع بوسائل سلميّة وتتحاور وتصل الى حلول وسط (كما حصل في الاتفاق على مهدي جمعة رئيساً جديداً للوزراء السبت الماضي)، كما أن الإعلام قويّ وحرّيات التعبير مكفولة الى حد بعيد، مما يسمح، حتى للتيّارات السياسية المتطرفة أن تعبّر عن نفسها بالمظاهرات والشعارات والاعلام.
لا تسير الثورات على هدى خريطة واضحة ودقيقة كما كان يعتقد أحبار الشيوعية العرب، من السير باتجاه ‘ثورة وطنية ديمقراطية’ متبوعاً بانقلاب شيوعي يستولي على السلطة ويفرض ‘دكتاتورية البروليتاريا’ فتسود السعادة الإشتراكية إلى أبد الآبدين، ولا هو قياس على مثال سابق جرى قبل أكثر من ألف واربعمئة سنة، تنتصر فيه الدعوة الإسلامية بنشر الرسالة بالسيف والمعارك الحربية، مع مقاطع من فترات الصلح وتأليف القلوب ودعوة ملوك الفرس والحبشة للإسلام، كما كان يعتقد بعض فقهاء الإسلام السياسي.
يتفهّم المتابع والمحب لتونس وثورتها غضب المهمّشين والفقراء الذين لم تستطع الثورة تقديم فرص عمل لهم وتحسين ظروف معيشتهم، ولعلّ أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك، وأشدها تعبيرا عن الاحباط والغضب، هم سكان مدينة سيدي بوزيد الذين قدّموا أول شهداء الثورة التونسية، فنسبة العاطلين عن العمل بينهم تقارب ربع عدد السكان، والأسوأ من ذلك ان خريجي الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تبلغ نسبتهم 57.1′.
المدينة أعلنت أمس يوماً للغضب احتجاجا على سياسة الحكومة ‘لأنها لم تف بوعودها وخانت مبادئ الثورة’، حسب ناطق رسمي باسم لجنة تشكّلت في المدينة، وقد قام متظاهرون في المدينة في اليوم نفسه من السنة الماضية بطرد الرئيس المنصف المرزوقي ورئيس البرلمان مصطفى بن جعفر ورشقوهما بالحجارة، وهو ما أدى عملياً الى غياب رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان عن فعاليات الذكرى لاسباب ‘أمنية’، كما ذكر.
تعاني تونس من استقطاب سياسي كبير بين تيارات أيديولوجية متعارضة تعارضاً شديداً، وقد تشاركت الأطراف السياسية كافّة في صناعة ملفّ طويل من الأخطاء، غير أن جوارح العرب الذين تعلّموا من المثال التونسي معلّقة بذلك البلد الصغير على شاطئ المتوسط الذي شهد قبل ألفي عام ولادة حضارة ناجزة صارعت روما على سيادة العالم القديم، وتقدّم اليوم للعرب والعالم مثالاً على إمكان نجاح الثورة في منطقة تتكالب قوى اقليمية وعالمية فيها على إطفاء شعلة الحرية العربية وتموّل الثورات المضادة لإقفال باب الأمل الذي انفتح قبل ثلاث سنوات ويوم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية