مقاومة بيضاء

حجم الخط
0

جمال ناجي بشكل عام، هو لا يحب الاعراس. وبشكل خاص، لا يطيق مناسبات أقارب زوجته، فهم يستقبلونها بالقبل غير الصامتة، تلك التي يصدر عنها صوت يجمع الحرفين (م ) و(ت) على التوالي، مع التشديد على الميم التي تفقد اتزانها أحيانا، بسبب تعرق الشفاه والخدود عند التصاقها الكريه ببعضها، أما هو فيكتفون بمصافحاتهم الفاترة له، كأنما هو مجرد سائق أو مرافق لها . ذلك العرس الذي وصلته بطاقة الدعوة اليه لم يرق له كعادته، أحسه ثقيلا حينما تسلم المغلف من أحد أقارب زوجته، حتى انه لم يكلف نفسه عناء القول له، وهو واقف خارج الباب: تفضل ! لم يقل له أيضا، تلك الكلمة التقليدية التي تنطلق بآلية من أفواه الناس في مثل تلك الحالات: مبروك .كل ما فعله أنه قال وهو يقلب المغلف بين يديه بامتعاض: شكرا. ثم أغلق الباب دونه .قرر عدم الذهاب الى الحفل حتى لو كلفه الامر حياته ذاتها.اخفى البطاقة عن زوجته، أصر على الادعاء بان احدا لم يطرق باب بيته، وطالما لم تصله البطاقة، فهذا يعني انه وهي ليسا مدعوين، هذا ما قرر قوله لها عندما تحين لحظة التملص أو الثورة.هي تعرف منذ ايام، أن حفل الزفاف سيقام مساء اليوم، في الساعة الثامنة على وجه التحديد، لكنها لم تسأل عن مكان الحفل، على الرغم من حرصها الشديد على المشاركة في مناسبات اقربائها . ما يغيظه ان حرصها يقترن دائما بإصرارها على اصطحابه معها رغم مقاومته العاتية: تحتاج المسألة الى ثورة، تمرد، عصيان، لا فرق، فالمهم هو رفض الامر قبل ان يصبح واقعا.سبق ان اتخذ قرارات مشابهة بالعصيان، لكنه لم يقو على تنفيذها .سألته ما إذا كان تسلم بطاقة الدعوة، فكذب :ـ لا .ثم أضاف مدعيا الحكمة:ـ الضيف غير المدعو لا يجد مكانا يجلس فيه .تبرمت :ـ لكنهم اخبروني ان البطاقة وصلتنا ؟.هز رأسه بتنصل :ـ تعرفين فوضى الاعراس، ربما نسوا .ازدادت تبرما، فأحس بأن سبب ضيقها هو تقصير اقاربها .ابتسم فاتخذت قسمات وجهه ملامح التواطؤ والتآمر، وتلك كانت غلطته الكبرى، فزوجته لماحة تعرف متى يقول الصدق ومتى يكذب .نظرت في وجهه بعينين مشككتين، قالت:ـ اليوم هو الثلاثاء، والوقت يمضي بسرعة، متأكد انك لم تستلم البطاقة؟ كذب :ـ متأكد .تلبثت قليلا، رفعت سماعة الهاتف كي تسأل عن ملابسات الدعوة، وموعد الحفل ومكانه، لكنها لم تسمع سوى صوت رنات متقطعة.أحس بالانتصار .حاولت مرة أخرى لكن دون جدوى، قالت :ـ ذهبوا الى الصالة كلهم، أكيد.أدارت عينيها ثم صوبتهما نحوه، تماسك قليلا، لكنه استشعر الخطورة عندما بدأت شوط تحقيقها معه لانتزاع الحقيقة. حين اعترف بفعلته، كانت الشمس غطست وراء الأفق . وبخته فتوجه نحو احدى الغرف لاحضار المغلف من مخبئه، تأخر قليلا، سمع نداءها الغاضب، وحين عاد قالت له بنبرة انتصار :ـ متى ستتعلم الصدق ؟فأجاب :ـ لم يبق وقت للتعلم، العمر مر بسرعة.هزت رأسها باستخفاف : ـ سأبدل ملابسي بسرعة، وأنت، إبدأ تجهيز نفسك، سأحضر لك بدلة مناسبة.ثم خطت نحو خزانة الملابس قائلة، كأنما لم تنتبه الى تقرحات مزاجه:- سأختار لك بدلة تناسبك .ما زاده غيظا انها تحدثت بثقة ونبرات هادئة أقرب الى تلك التي تستخدمها الأم لمعالجة حرد ابنها .تقدمت منه حاملة بيدها اليسرى بدلة رمادية، بينما امسكت باليمنى شعر رأسه وفركته بحركة سريعة محببة، ثم عرضت البدلة امام عينيه ببراعة بائعات النوفوتيه :ـ جميلة، اليس كذلك ؟قال مستجمعا ذكاءه وشجاعته وخبثه :ـ إسمعيني، أولا أنا متنكد اليوم وأشعر بأن الأمور لن تسير على ما يرام، اعتقد أن النكد جزء من حقوقي المدنية كبقية الخلق، ثانيا، هذه البدلة اصبحت ضيقة ولم تعد مناسبة لي .فردّت بسرعة :ـ سأختار لك غيرها .واستدارت نحو الخزانة، فأحس بأنه ارتكب خطأ جديدا في معركته معها، لأن مجرد الحديث عن البدلة المناسبة يعني تنازلا من نوع ما، أو تحويل المسألة الى محض خلاف على البدلة، بدليل ان زوجته تمسكت بهذا الشق من حديثه وتجاهلت ما قبله، ثم أحضرت بدلة زرقاء لا يحب ارتداءها أبدا، لذا عاجلها كأنما ليثأر لنفسه :ـ هذه البدلة بالذات لا احب رؤيتها، وأنت تعرفين ذلك .نظرت اليه بعينين توحيان باكتشاف مؤامرة، قالت بخبث :ـ لم أجد في الخزانة غير هاتين البدلتين، أين البقية ؟فرد بجسارة طارئة :ـ أرسلتها الى المصبغة .فألقت ما بيدها على المقعد وجلست قبالته قائلة بحسم:ـ إذن اختر بين هذه البدلة او تلك، الوقت يمر بسرعة . وبدأت تنقر بسبابتها على حافة الكرسي بشكل متكرر يثير الحنق. توصل دون جهد الى انها لا تريد حصره بين خياري البدلة الزرقاء او الرمادية، إنما بين خياري مرافقتها الى الحفــــل، بما يـعنيه ذلك من رضا ونعيم ووعود يفهمها، أو الرفض واحتمال النتائج التي يفهمها أيضا .صمت، فقالت له بحزم:ـ إقرأ لي اين مكان الحفل؟ناولها المغلف:ـ إقرئي أنت بنفسك .قال لها بثقة لم يعهدها في نفسه، ثم جلس على المقعد، فبادرته بصوتها الحاد:ـ بدل ان تجلس ، جهز نفسك، الوقت يمر .اجاب بذات الثقة :ـ دائما تتحدثين عن مرور الوقت، مع انني لم أره يمر من أمامي ولو مرة واحدة. فضت المغلف على عجل، راقب ملامحها بعينين لا تخلوان من الق الانتصار، أخرجت البطـــاقة، فاعتلت وجهها ملامح انكسار :كانت البطاقة بيضاء خالية من الكتابة. كاتب من فلسطينqad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية