يا كينغ كونغي العزيز!
صباح زوينيا كينغ كونغي العزيز! كينغ كونغ العزيز، يا كينغ كونغي الهائل والضخم، أيها الحنون، لا عجب في أن تلك الفتاة الشقراء والناعمة والرؤوف وقعت في حبك، ولا عجب في أنها فضلتك أحياناً كثيرة علي عشيقها.يا كينغ كونغ الحنون، ما أحبت فيك تلك الشابة الجميلة، هو عطفك وحنانك واحتضانك لها وتضحيتك. لكن أيضاً وبشكل خاص أحبت عزمك علي الدفاع عنها حتي الموت، وقد خاطرتَ فعلاً بحياتك من أجلها. وما أحبته كثيراً فيك هذه الشابة الرقيقة، هو غيرتك عليها من بقية المخلوقات، رجالاً من بني آدم والرجال من بني صنفك. أحبت غيرتك عليها وعذابك بسبب عشقك لها وعنفوانك وكرامتك. ما أحبته أيضاً وأيضاً هو الطمأنينة التي شعرت بها بقربك: لا بل في كفك! نامت ملء جفونها في رحابة كفك ونمتُ أنا معها وانتقلتُ الي عالم الصورة المتحركة والملونة لأنسي عالم الواقع، أي عالم الصورة المسطحة والجامدة، وأغامر معك ومعها ومع مخرج الفيلم الذي كان داخل الاخراج الأصلي. عشتُ الازدواجية الجميلة بين صورة الواقع وصورة العدسة الي أن انكسر الوهم مع انكسار الكاميرا داخل الفيلم التي بالتالي أتلفت أحد الوهمين وأعادتني الي الوهم الأول، ثم الي اليقظة النهائية ووضعتني في الوهم الأصلي، وهو وهم حياتي اليومية.يا كينغ كونغ الحب والصدق والعطاء والغريزة، أحببتُ غريزتك المشبَعة بكل هذه الصفات التي فقدها بعض من أولاد عمك البشر. أطلب منك يا كينغ كونغ التفاني وكينغ كونغ الشهامة، أن تصارع من أجلي الغيلان المتمرغين في طين الافتراضية ووحل الكراهية. أطلب منك أن تحملني في يدك اليسري حيثما قاتلتَ، لكي أري كيف تهزم بيدك اليمني غيلان الكذب والوهم. لعل الحلم يحل مكان الواقع والصدق مكان الغش في كل ما نقوم به ونصادفه يومياً.الا أن النهار برتابته والليل بقلقه يعيدانني دائماً الي مكان الهدنة، المكان الذي لا حدود زمنية فيه ولا حواجز جغرافية، فأعود الي ذاتي الحميمة، أي الي قدري وفرحي وروحي. وهو قدر الحلم والصورة، أنا الشغوفة بالسينما، أي بالصورة المتحركة علي الشاشة أو علي الحائط، بالأبيض والأسود أو بالألوان فلا فرق، شغوفة أيضاً بالصورة الفوتوغرافية الجامدة. لطالما رددتُ هذا بطريقة أو بأخري كتابة وقولاً، وصولاً الي التعبير عنه مرة (وعن رفضي للمسرح)، أمام باحثة هولندية خلال زيارةٍ لي الي أمستردام. فقالت لي: اذن لا تحبين اللوحة الزيتية، بل تحبين اللوحة المائية والمنحوتات ! فوجئتُ بصواب تحليلها ودقة تشريحها لميولي البصرية والفنية.أحب صورة السينما وكثيراً ما كتبتُ في النقد السينمائي واضطلعتُ بمهرجانين سينمائيين أوروبيين في بيروت سنة 1998 وبمهرجان خاص بعباس كيوروستامي المخرج الايراني سنة 1996 وبكل أنواع الأفلام ما بين 1986 و1995. وانتباهي الأول الي ميلي السينمائي كان سنة 1976 لدي مشاهدتي في باريس فيلم باري ليندون حيث أخذت ألاحظ فروقات الألوان وبطء الكاميرا وحركتها واللقطات من الجوانب المختلفة، حيث بدأتُ أضع نفسي وراء العدسة، الأمر الذي ظللتُ أفعله منذ ذلك الوقت الي اليوم، الي أمير كوستوريكا المخرج البوزني.شغفتُ بكيوروستامي الايراني ومن بعده بكوستوريكا البوزني، ولاحظتُ أن أحرف اسميهما متشابهة من حيث ورود الكاف والراء والواو والتاء والسين. أيُ عجبٍ هو هذا؟! انها أعجوبة الكتابة والتصوير معاً، أعجوبة الكلمة والعدسة! أولم يجمعها عباس كيوروستامي في كل أفلامه، وبشكل خاص في تحفته من خلال شجر الزيتون حيث المشهدية الابداعية التي لا تنفصل عن ابداع صورة اميركوستوريكا في تحفته الحياة أعجوبة ؟! أنا المتعددة والراكضة في كل اتجاه، العديدة أنا وأنا الكثيرة ولطالما قلت ذلك خلال أكثر من عقدين في كل محاضرة وحوار ومقال ونص، ولطالما رددتُ اني السريعة الغزيرة الفائضة وأن ناري لا تخمد، فألْسِنة لغاتي العديدة تحرقني بنارها وتحييني وتهلكني وتضنيني وأضنيها وأشاكسها وتشاكسني فتغلبني، أنا التي تتجاذبني الأمكنة المختلفة والمختلفة الانتماءات تميتني، وصوري كما كلمتي تنبض بما لا يسكن، ولا تستكين قدمي فأركض أو أمشي الي ما لا نهاية. أركض لأستلقي علي منحدرات أو سهول كيورستامي الخلابة، أو أيضاً لأذوب في صخب موسيقي كوستوريكا الرائعة وأعيش مع دواجنه وبطه وحماره وطيوره وقططه، وأتلون بألوانه، ثم أجلس علي الكنبة الهزازة في باحة ذلك البيت وأمسك علي غراره الكاميرا لألتقط تلك النافذة مع المزهرية، في ذلك الحائط، فأؤطر علي غرار أمير، هذه اللوحة الفائقة الجمال صعوداً ونزولاً حسب حركة الكنبة، في لقطة كوستوريكية لم تسبقها لقطات. فأتمرغ عنده بصخب الحياة، الصخب الاستيتيكي لِما هو هدوء الحياة الحقيقية، ولا أنسي أن أحتفظ بيد كينغ كونغ الحاضنة تعددي وكثرتي طالبة منه أن يبقيني هناك لأحتفل بعرس الألوان وعرس الكتابة، بعيدا عن التشويش التافه او عن تفاهات التشويش.وهذه تحية للمخرج المصري الكبير يوسف شاهين الذي اعشق افلامه وحضرت حفل التكريم في مسرح المدينة في بيروت يوم الأحد احتفاء بميلاده الثمانين.شاعرة وكاتبة من لبنان0