فيلم نوريت آفيف من لغة الي أخري : إسرائيل و برزخ الهوية!
عبد الله حرمة اللهفيلم نوريت آفيف من لغة الي أخري : إسرائيل و برزخ الهوية!عرض مؤخرا للسينمائية الاسرائيلية، نوريت آفيف ، فيلم تحت عنوان من لغة الي أخري ، بانتاج مشترك مع قناة تلفزيون آرتي الثقافية.وقد أشفعت حلقات العرض، منذ 18 كانون الثاني (يناير)، بباريس بنقاشات متعددة شارك فيها بعض المثقفين العرب والغربيين.يعتبر هذا الفيلم الوثائقي من أهم أعمال السينمائية بعد ماكوم آفودا ، الذي تناولت فيه سياسة اسرائيل في جلب اليد العاملة من آسيا، لمحاصرة الفلسطينيين اقتصاد يا. شخصية الفنانة بدأت تأخذ مكانة متميزة في الساحة الثقافية العالمية، ومن خلال اقامتها بالعاصمة الفرنسية تلقت مساندة الكثير من المثقفين ومنظمات حقوق الانسان المهتمة بمقاربة ثقافية للشرق الأوسط، موازاة مع التحولات السياسية، التي تبدو في تعثر مستمر!الفيلم الذي يدور علي مدي 55 دقيقة، بديكور غلبت عليه أشجار الزيتون، تحت قيلولة أحالتها الكاميرا الي مشاهد تأخذ لبساطة جمالها، من ناحية، وحيادها بخصوص ملكية الأرض، ولو أن الأحداث تدور في اسرائيل وحول مشروع الدولة العبرية بالذات.صور النخيل، التي جلبها المعماريون من يهود ألمانيا، كنوع من الاستشراق ، بالمفهوم النقدي للراحل ادوارد سعيد، افتتحت الفيلم هي الأخري ككتش هزيء.فكرة الفيلم، مزيج من السوسيولوجيا السياسية، والسينما التلقائية، في تناول شاعري للعنف الذي مارسته دولة اسرائيل إبان نشأتها، علي مواطنيها، الذين لبوا نداء، أوهمهم، أخيرا بامكانية اقامة دولة تحتضن يهود العالم، عبر مرجعية اديولوجية، قوامها العبرية!تثير هذه اللوحة مدي فتك المشروع السياسي، بمجمل الهويات الثقافية، التي اكتسبها اليهود، بفعل تشردهم المغامر.يأخذ هذا العمل، شكل محاكمة جماعية، لمشروع عبث بابداع أجيال اقتنعت بأن المشروع الصهيوني، خلاص من شبح أوسفيتز ! فكرة الفيلم بسيطة وكلاسيكية، حيث تجسدت في اعطاء الكلام وبصفة تبدو تلقائية للضيوف من شعراء وفنانين، ليحكي كل تجربته القسرية في تعلم التفكير بلغة اسرائيل، أي العبرية، في ديكور عائلي، عبر كادر شبه ثابت.يفتتح الفيلم بسرد هادئ لحياة المخرجة التي ولدت في اسرائيل مطلع الخمسينات، من أسرة يهودية، تحاول جاهدة التخلص من ماضيها الهنغاري، والتحصن من كل تأثير عربي محتمل! ولحماية ابنتهم من هذه المخاوف ، أعطوها اسم وردة برية، نوريت ، لتكتشف البنت فيما بعد أن اسمها عربي، كما هو حال الكثير من يهود المنفي، العائد الي جهلهم لكل ما هو عربي، بحكم القطيعة المفروضة والعداء المعلن..من بين المتدخلين، نجد الشاعر الفلسطيني، أو العربي الاسرائيلي سلمان مصالحة، الذي أحب العبرية لأول مرة عندما تعلمها بالمدرسة، ليتأكد لاحقا أن هذه اللغة كانت قد فرضت عليه في اطار مشروع سياسي معاد لوجوده كعربي، لكن اتقانه اليوم لهذه اللغة، يعتبره وسيلة لمجابهة المشروع الصهيوني، بل يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن العبرية لم تعد ملكا لليهود، بل هي من نصيب كل اللذين شاركوا من خلال الكتابة والقراءة في تطويرها، واثرائها بثقافات أخري…شاعر آخر من أصل روسي، يحكي قصة تنقله العنيف بين لغات عدة، اضطر لاحقا الي اغتيالها، كي ينصهر في الاطار الجديد، العبرية! لكنه يعود، بعد تجربة طويلة وانتاج معتبر، ليفاجأ بأن موسيقي الشعر التي يعتمدها كمرجعية ابداعية ما زالت روسية ويقر أخيرا بحالة التمزق التي تجتاحه بفعل السكيزوفرينيا اللغوية، التي عبثت بالكثير من المثقفين، بسبب عجرفة المشروع السياسي للهوية.أما المغني، المغربي الأصل، والذي هاجرت عائلته كذلك في مطلع الخمسينات، فبدا مثقلا بذكريات مشتركة مع أهله، أيام كان الخجل سيد الموقف، كلما تكلموا العربية، التي كانت لغتهم الوحيدة في وطنهم الأول. هايم الييل، الذي تعلم العبرية في السابعة عشرة من عمره، وجد صعوبة كبيرة في الالتحاق بالفرقة الموسيقية للجيش أثناء تدريبه العسكري، لأن لكنته العربية، أو الشرقية، كانت تفضحه، مبررة اقصاءه، بتهمة رعونة الاندماج. مع أن التسامح، وحتي الاعجاب، لم يفتقدهما أبدا، ما دام مستعدا لترديد أغاني الروكينغ رول، للاندماج ومشابهة الآخرين غني مكرها بالانكليزية،ليقرر لاحقا انعاش حفلات الزفاف بالعربية، ليفاجأ بمدي تجاوب جمهوره العبري، بالرقص والتصفيق، يضيف، هكذا عرفت ما كان ينقص الناس هنا، مباشرة شرعت في تكوين فرقة عربية، لأستعيد علاقتي الأولي مع لغتي الحقيقية، والتي أصبحت لغة ابداعي، فالغناء بالعبرية ليس لطيفا، خلافا للعربية، فمثلا عندما أغني بالعبرية، خابيبي، ترتبك الصولة، وبالعربية، حبيبي، يا له من جمال.الفيلم أعطي الكلام لآخرين، من بينهم فلسطينيون من جيل النكبة ، ويهود من أصول عراقية وأوروبية مختلفة، كل يحكي عنفوان الاقتلاع، والتمزق الذي ترك المشروع الصهيوني في داخله، من خلال حصار يمنعه من انفتاح ثقافي علي الآخر، بعد أن سلب لغته الأولي وثقافته التي بدأ بها حبوه الفكري.لقد أثارت هذه الشهادات، مجموعة من التساؤلات، ما زالت لحد الساعة تحول دون رسم حقيقي للهوية الاسرائيلية، بعد أن بطل مفعول المشروع السياسي، من الناحية الثقافية علي الأقل: ما هي لغتي الأصلية؟ أهي لغة البيت؟ أم كلماتي الأولي؟ أم هي لغة الشارع؟ أو المدرسة؟ وأمام استحالة الاجابة علي هذه الأسئلة، ترتمي الهوية الاسرائيلية من لغة الي أخري، في انتظار أن يأخذ قلق الفعل الثقافي اهتماما يعلو علي السياسي، الذي بعد أن طال الفلسطينيين، شرع الآن في تمزيق الاسرائيليين أنفسهم! حيث نلمس هشاشة مشروع الدولة، من خلال فرض لغة واحدة، علي ايقاع عسكري فتاك، أقام نوعا من العنف الداخلي في برزخ اللغات، الذي يعرف اليوم باسرائيل. كاتب من موريتانيا يقيم في باريس0