‘سأقص عليكم ما جرى، فلا أخفي عنكم شيئا كيلا يقسو قلبكم علي وأنا أفاجئكم برحيلي عنكم.. أردت أن أسمو بكم إلى مرتبة عالية في التاريخ، ستجعل أولئك الذين كانوا ضدنا يصابون بالدوار’.
هكذا كانت ساعة الوداع بين الشعب وأب الأمة، إنه اعتراف مخلص، عميق في نزعته الإنسانية، شعب يحب من حرره من العبودية، وأعاد إليه الحرية، عندما دخل السجن وجعل منه مفهوما جديدا لصياغة سؤال الأمة سياسيا، وليس عقائديا كما هو الحال عندنا. لكن من هو هذا المحرر؟ وما هو الشعب الذي قام بتحريره؟ وما هي مطالبه؟ إنه منديلا الذي أبدع أسطورته انطلاقا من قبائل بدائية كانت تستغل من قبل الاقطاعيين، والمدهش في الأمر أن الجدل الهيغلي، أي جدل العبد والسيد قد تم استثماره في شعب منحط فكريا وثقافيا، ومع ذلك تم استغلال مفهوم العمل وحب الأمة من أجل الوصول إلى تحريره، لأنه كان يؤمن بحرية الأرض وليس بمثل السماء والاستعباد. لأن بين الأرض والسماء أمورا كثيرة لا يحلم بها إلا الشعب المتعطش للحرية والكرامة.
زعيم حقيقي، وشعب عميق، ثنائية فجرت المطلق بواسطة التاريخ حين يحرك الدياليكتيك الذي يقوم حول الصراع بين العبد والسيد، بمجرد استيقاظه من الاستلاب الإيديولوجي والعقائدي، والحصول على وعيه الذاتي، إنها معادلة بين الإنسان والسياسة في حميمية التاريخ. لأن استغلال الفكر التنويري، والآراء المنبثقة من الفلسفة الجدلية كان حاضرا في صراع هذا الشعب مع الطغاة فمهما تأخر اللقاء بالحرية، فإن الوعي التاريخي قد ساد روح هذه الأمة التي انطلقت من لاشيء لتحقق كل شيء: أمة قوية، بقواعد سياسية ديمقراطية. لكن ما الذي يريده هذا الشعب الآن؟. هل يسعى إلى الاعتراف بالأب الروحي؟ أم أنه يبدع أسطورة المحرر الحقيقي والمبدع لعظمة الأمة؟ هل كان هذا الوجدان الملتهب دلالة على عمق المحبة التي تضع الأرواح بكاملها رهن إشارة المحرر؟
وداعا مديبا، لقد جعلت التاريخ يسجلك بحبر محــــبة هؤلاء المقهرون الذين اختلط عندهم الحزن بالفرح، ولذلك جاءوا ليعلنوا للعالم أنهم شعب حر، وليسوا عبيدا، يسيرون بالجــــيوش الشرسـة والفقــــهاء المـــخدرين للإدراك كل جمعة، ويؤجــــلون لقاء الشعب بالتاريخ ليبدع أمة حرة تخلصها من الاقطاعيين والمستبدين، ذلك أن الشـــــعب الذي يتم تخديره يستحيل أن يتحرر، لأنه ينتقل من الاستغلال الفاحش لسياسة الأعيان إلى الاستلاب المطلق من قبل سياسة الاقطاع، فهل يتعلق الأمر بمقارنة مع غياب أوجه الشبه؟، أم بمناجاة للروح المنهزمة في وطن محطم؟.
وا أسفاه! لقد القيت شباكي في بحارهم أملا في اصطياد خير الأسماك ولكنني ما سحبت هذه الشباك مرة إلا وقد علق فيها رأس طاغية جديد. ولما التفت إلى الشعب وجدت فيه بدل روح العظمة المشتاقة إلى الحرية شيئا من عشق الاستعباد، وحرمان من يشتاق إلى أن يصبح حرا، متألقا، مفكرا، تقتات روحه من آراء التنوير.
لقد أتعبني هذا الشعب الذي يتمتع بالعبودية، وسوف يأتي زمان وهو قريب يتعب فيه هذا الشعب من ذاته، وحينئذ لن يجد من يرشده إلى أن يصبح أمة عظيمة، ذلك أن الشعب الحقيقي أمة كاملة، أما الشعب المخدر الادراك فهو مجرد مادة أولى، عبيد، لا وجود للأمة، إلا عندما تستيقظ من سباتها الدوغمائي، وليس لأمة يحرضها الفقهاء على تحمل العذاب والشقاء في الدنيا، من أجل السعادة في الآخرة، إن هذه الدعوة تليق بالطبقة المنحطة التي يتم استغلالها بما هو ضروري كالبهائم.
نعم ينبغي الحفر الاركيولوجي في الأعماق الصامتة إلى أن نصل إلى تلك الصخرة المشعة بالنور، ثم نعثر على الإنسان بما هو إنسان والذي تم نسيانه كل هذه القرون بفعل التخدير الإيديولوجي، عندئذ سنعترف بثورة مانديلا وشعبه، لأننا نحلم ونجعل من الحلم لحظة نعثر فيها على الروح المطلقة. ونقول نحبه إلى الأبد لأننا نشتاق إلى الحرية.
د.عزيز الحدادي