الذاكرة الإبداعية التشكيلية هي شكل آخر لذاكرة المبدع نفسه، المساحة التشكيلية تعقد صلحا بين مساحة الذاكرة الجمعية وشقيقتها الذاكرة الفردية، إذاً الذاكرة بشكلها الواعي واللا واعي التفريدي والتجميعي، هي المساحة اللونية التي يفردها التشكيلي السوري خالد الخاني في اشتغالاته التشكيلية، ذاكرة نهرية تبدأ مع طفولته في ثمانينات القرن المنصرم في مدينته حماة ولا تنتهي مع ذاكرة الثورة السورية، والتي ارتحل عقبها قسراً للإقامة في العاصمة الفرنسية- باريس-عقب ملاحقات أمنية جراء مناصرته للثورة السورية.
السؤال الجوهري في مشروع الخاني التشكيلي يكمن في رصد التحولات والتشوهات والتغيرات التي تفاعلت مع ذاكرته طوال عقود منصرمة، حيث نجد لوحته وعبر معارضه التي أقامها سواء الفردية أو المشتركة منها على حد سواء، لوحة مأزومة تبحث عن السلام والحب والجمال في عالم يسكنه الموت والفراق والألم، هنا تتشابك الألوان في المساحة البصرية بحثاً عن هوية.هوية نجد في تفصيلاتها رجال بلا عيون ونساء كثيرات، جوانية الخاني وما تختزنه من قساوة في طفولته، حوار يديره مع اللوحة ولا ينجح من الفكاك التراجيدي منه، ذاكرة فردية مثقلة بذاكرة جمعية، إنها محاولة تأريخ بصري لحياة شخصية تزاوجت مع حياة عامة، تأريخ لا يعتمد سياقات زمنية محددة، بل يترك ذاكرته عبث للريشة التي تحاول أن تخلق عالما يضج بثقل ذاكرته التي يتجنب أن تكون مشوهة لصالح حضورها المثقف والعارف.
الخاني خريج كلية الفنون الجميلة من جامعة دمشق، لا يبخل بالوقت على اللوحة التي يشتغل عليها، تجد إحدى اللوحات لا عيون لها، هنا يستحضر الخاني عيني والده طبيب العيون حيث قامت مخابرات الأسد الأكبر وخلال ثمانينات القرن المنصرم باقتلاعهما، لوحة لا تريد أن تكون واقعا تسجيليا، إنها مساحة تشكيلية تجيد التنقل برشاقة بين ألوانها ورموزها الشفافة على الرغم من جرعات القسوة التي تختزنها، تنقل واع وعارف يتقن العزف على مساحات اللوحة، لا وقت للثرثرة اللونية والعبث التجريبي، اشتغال مكثف يحاول إن يعيد كتابة التاريخ تشكيلياً، وكأن رفاهية الفنان تحاول أن تعيد العيون بمعناها المجازي لنبصر بها واقعا مرا من هنا، ويمر الآن، ذاكرة سحيقة تستحضر ذاكرة قريبة والقاسم المشترك بينهما أسدان تعاقبا على حكم سوريا الأب والابن، واستبداد استمر جاثماً على حيوات السوريين.
لا يمكن لزائر مرسم الخاني في مدينة الفنون العالمية في باريس، أن لا يلحظ تلك النسوة اللواتي يحتفي نتاجه التشكيلي بهن، نساء يقرأ الماضي التشكيلي عبرهن ويؤنسن حضورهن اجتماعياً وإنسانياً، إنهن الأمهات والخالات والعمات والأخوات اللواتي هرب ذات يوم معهن من بطش آلة حرب النظام بمدينته حماة وهو طفل صغير، لوحات النسوة تقيم مع المتلقي فسحة سلام مفتقدة، إنها جسر يعبر عليه الخاني لاستحضار حاضر أقل قسوةً تشكيليةً، حاضر كان النجاة منه نصيبه ولكن فخاخ الذاكرة كانت الألم الذي يستقي منه موضوعاته.
لوحة الخاني ترفض أن تصنف في حيز رصد التاريخ السوري وتعتبر هذه المهمة ليست من اختصاص الفن، الفن مساحة حرة تكون السياسة جزئية منها لا تكون السياسة جوهرها وكليتها، هكذا تبدو لوحته مساحة تتكامل مع باقي المساحات لخلق صورة واضحة عن كل شيء، الفن ليس بمعزل عن المفاعيل المحيطة به، ولكن يحرص أن يكون هذا التفاعل بأدوات وتقنيات الفن التشكيلي، اللوحة تبقى وفية للحظة الخلق وتخون لحظة تزيف الخلق، هذا البوح اللطيف يستحضرك أمام اللوحة.
يركن الخاني وخلال الآونة الأخيرة إلى انتهاج خط تشكيلي يمثل الناس البسطاء، يريد أن يكون أبناء الريف- وهم الغالبية والمسحوقون والمهمشون- موضوعات لنتاج تشكيلي طالما كان هاجسه في فترات سابقة، انتقائية برجوازية مشوهة.اللوحة تبحث عن الجاذبية في هذه البساطة التي أنتجت عبقريات لا تعترف سوى بحريتها وشغفها بالحياة، لذلك الكثير من الشخوص الذين جالسهم في الحياة وجوارهم في مدينتي حماة ودمشق هم موضوعات تشكيلية، وهنا يكمن سر عدم تأثره بشكل واحد أو مدرسة واحدة يحاول أن يجرب ليبحث عن ذاته في أعماقه التشكيلية الدفينة.حيث مستوى’ القراءة التشكيلية في لوحة الخاني ثنائية الأبعاد، يكمن البعد الأول في جوانيته والمستوى الثاني من القراءة في تعاطيه مع الذاكرة وشخوصها في وجودها الحسي، لا مستوى ثالثا للقراءة قسري، حيث يترك اللوحة فضاء مفتوحا يحلق فيها المتلقي كما يشاء.
الخاني وخلال تجربته الباريسية لا يحاول أن يكون الإنساني السوري المستحضر في مشروعه التشكيلي، مساحة لونية تتقاطع مع المساحة اللونية للإنسان المعاصر، بل يستحضر الإنسان الشعبي وعبر ذاكرة طفولية لم تنعم بالبراءة ولكنها لا ترغب بالانتكاس، إنه تشكيل يتوازى ولا يتقاطع مع حاضر لا يشبه إنسان بيئته القادم منها، إنه إعادة تشكيل لحاضر شعبي زاخر بالشاعرية والتراجيديا والنسوة والعيون، إنها واقعية لا تتعرى وتبقي الترميز دالا ومدلولا يشيران إليها.
ما يمكن استخلاصه من زيارة مرسم الخاني وقراءة لوحته؟إنه عالم زاخر بشتى التشكيلات اللونية الشعبية والراغبة بهزم ذاكرة الموت واستحضار ذاكرة الحياة، بين نهاية الموت وبداية الحياة، تتأرجح عوالم الفنان التشكيلي السوري خالد الخاني، الشاب الذي يحضر ماجستير في الفنون التشكيلية في جامعة باريس الثامنة، مازال لدى لوحته الكثير لتبوح به لنا في قادم الأيام، بوح أزعم أنه سيحمل الكثير من الامتزاجات اللونية الضاجة بالذاكرة المبدعة.