انا والرجل الآخر

حجم الخط
0

ربما استطيع ان احدد منذ متى سيطر الكاتب على حياتي وجعلها بل وجعل عددا من المحيطين بي مسخرين لخدمته، وجعلني انا بالذات احمد ابراهيم الفقيه خادما له يكرس نهاره وليله لتلبية نزواته وتنفيذ رغباته التي قد لا تمضى دائما وبالضرورة مع النسق الذي تعود عليه الناس او العقد الذي يشكل قواعد الحياة والتعامل بينهم.
ولعل هذا الكاتب الذي يطالب صاحبه بان يخضع له، هو ما يحدث لاغلب كتاب العالم، عدا قلة تمردوا عليه، فبادروا بخنق هذا الكاتب او حبسه داخل صدورهم فلا يرى نور الشمس، او كتم انفاسه وقتله قتلا لا عودة بعده الى الحياة، بحيث انتهت مكابداتهم مع صحبته، وتاريخ الادب زاخر بكتاب هجروا الكتابة رغم انهم بدأوا كتابا ناجحين، وحققوا اعتراف مجتمعاتهم بمواهبهم ونبوغهم، لكن ثمن هذا النبوغ وثمن هذه الموهبة كان باهظا بحيت اثروا السلامة على ما تجلبه الكتابة من شهرة او مال، وفضلوا سلامة العقل وامان الحياة الخالية من نزوات الكاتب في نفوسهم، في حالة الكتاب العربي، امثالي فان الثمن الباهظ الذي يدفعه صاحب الكاتب لموهبة او نبوغ صاحبه، ثمن لا مقابل له ولا مردود ،فقد يكون امرا مقبولا لكاتب يعمل في البلاد المتقدمة ويتقاضى مقابلا كبيرا على اعماله تجعل صاحبه والدائرة الاولى من اقارب هذا الكاتب زوجة او اطفالا او ابا او اما، ينتفعون بالثروة القادمة من وراء موهبة الكاتب وابداعه، فيرضون بالتالي بتدليله وارغام انفسهم على التعايش مع رغباته ونزواته، ولكن حال الكاتب العربي، انه غالبا ما يعيش مشردا طريدا، يلاحقه الرقباء وتسجنه سلطات الامن السري، ولا يستطيع الحصول على مقابل لما يكتبه بل غالبا ما يطالب صاحبه بان يصرف عليه ويتولى الانفاق على نشر كتاباته من دخل اخر يصرف فيه جهده، وهناك قصص كثيرة تقابلنا في الحياة عن الانسان الكادح رجلا كان او امرأة الذي يبذل جهدا، مضنيا ويكدح صباحا ومساء ويمتهن عملا بالنهار واخر بالليل فلا ينال الا ساعات قليلة من النوم من اجل ان ينفق على اطفال صغار، هم اطفاله على سبيل المثال، ثم غالبا ما نرى ان جهده اثمر في ان يرى هؤلاء الاطفال وقد كبروا وتخرجوا من الجامعات وصاروا يردون الدين لهذا الاب او هذه الام ممن انفق عمره وجهده وقدم التضحيات الجليلة من اجل تربيتهم وتعليمهم، ولكن ان نقوم بمثل هذه التضحيات وننفق هذا الجهد ونكدح هذا الكدح لنرضي كاتبا يسكن تحت جلدنا، يريد ان نتدبر وقتا خارج اوقات العمل النافع الذي يدر الرزق، لتحبير تهويماته، وندفع فواتير الكهرباء والتدفئة ونسهر الليالي بلا نوم من اجل ارضاء نزواته، ثم فوق هذا الجهد وهذا الوقت وهذا الانفاق، نتدبر مالا لكي ندفعه للمطابع واهل النشر لكي يظهر في كتب للناس، فمن اين يمكن تدبير هذا المال ونحن نهدر الوقت ليلا ونهارا لملء الاوراق بما يسميه افكاره او ابداعاته التي لا مردود ماديا ولا معنويا لها، اذن فهو بالضرورة الوقت الاساسي الذي يأكل النهار ونقضيه في تحصيل الرزق، اما الوقت الذي نصرفه للكتابة فهو وقت اخر نقتطعه من الراحة والنوم، لارضاء هذا الكاتب، حتى لو كان في هذا الجهد اهدار لصحتنا وعبء على ارواحنا واجسادنا واعصابنا، ومكابدات مضنية قد تؤدي الى انقاص العمر وقصفه قبل الاوان، دون ان نتطلع الى يوم نجني فيه حصاد هذا الجهد، كما يتطلع الاب الذي شقي في تربية ابنه او ابنته، لانه جهد ضائع وطفل سيبقى مثل الطفل المانغولي لا ينمو ولايكبر ولا يشفى من تخلفه العقلي، وكنت دائما في صراع مع هذا الكاتب، احس بتأنيب الضمير لانني اجاريه والبي نزواته، واظنها حالة خاصة حتى وقعت في يدي خواطر دونها كاتب اجنبي من الأرغواي، عن الامه وعذاباته مع هذا الكاتب، في كتاب كامل اسماه ‘الكتاب والاخر’، اسمه كارلوس ليسكانو، وهو مثلي يلوم نفسه على انه رهن حياته وعقله وقلبه لدى هذا الكاتب الاناني، المستبد، المتعجرف، ويحاول ان يقتدي بكتاب اكثر ذكاء وشطارة بادروا منذ بواكير حياتهم الى فك الارتباط بهذا الكاتب وارتاحوا من متاعبه، قتلوه في نفوسهم، وانتهت بذلك ملاحقته لهم،الا انه يعود ويقول انه في الحقيقة صاحب هذا الكاتب ويريده ان يبقى لانه يدين لهذا الكاتب بانه هو من ابقاه على الحياة، فقد عانى تجربة السجن شابا لموقف سياسي من قادة بلاده في ارغواي وكان سيفقد الرغبة في الحياة ويستسلم لما يريده جلادوه من تصفية له، الا ان الكاتب فيه هو الذي قاوم، وكانت الكتابة وسيلته للمقاومة، وهو ما حفزه للاستمرار في الحياة، انه يعتز بالكاتب ولا يجد تعبا في خدمته ، ولا يستنكف من ذلك، ولكن المشكلة انه وجد هذا الكاتب في نفسه هو الذي يهجره، فجأة وجد ان الكاتب الذي امن انه قوة عظيمة قادرة على هزيمة كل الظروف الصعبة، يصبح صامتا غير قادر على الاستمرار في الحياة، جفت ينابيع الابداع لديه، وصار يقف عاجزا صامتا امام الورقة البيضاء. وهو امر اغضب صديقنا الكاتب من الأورغواي، ولكنني اقول له ان يفرح على رأي المثل الليبي الذي يقال على لسان انسان ذهب مكرها لأداء واجب ديني في المسجد ووجده مغلقا ففرح لوجود سبب يرفع عنه اللوم هاتفا ان الحمد لله جاءت منك ايها الجامع.

كاتب ليبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية