بين الرقابة الذاتية وحرية التعبير: هل أخرس الاسلامُ الغرب؟

حجم الخط
0

صبحي حديدي

هل تمكن الاسلام، في السنوات والعقود الأخيرة، من إخراس الغرب؟

سؤال ثقيل الوطأة، استفزازي، باعث علي القلق ربما، ومثير للسخط غالباً (في الغرب، موضوع الإخراس، علي الأقل)، ومفاجئ علي نحو خاص إذ يأتي من بول فالليلي: رئيس التحرير المشارك في صحيفة الـ إندبندنت البريطانية، والكاتب التقدمي إجمالاً، وصديق الثقافات غير الغربية والمجتمعات النامية، والكاتب صاحب سلسلة من الأعمال المتميزة الجسورة في شؤون الدنيا والدين، بينها السامريون الفاسدون: أخلاق العالم الأول ودَيْن العالم الثالث، أرض الميعاد: أقاصيص السلطة والفقر في العالم الثالث، السياسة الجديدة: التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية للقرن الواحد والعشرين، و الحملة الصليبية الخامسة: جورج بوش ومَسْيَحة الحرب في العراق؟

الإنصاف يقتضي التشديد علي أن فالليلي لا يجيب بالإيجاب علي السؤال أعلاه، الذي سار عنواناً لمقالته في الـ إندبندنت قبل يومين، بل الأحري القول إنه يميل إلي وضع حيثيات السؤال (ولكن ليس وقائع السؤال ذاتها) في خلفيات عريضة عامة تُبعد المعني عن روحية الجزم حول ما إذا كان الاسلام قد أفلح فعلاً في إخراس الغرب، بصدد حرية التعبير بوصفها واحدة من القِيَم الكبري في الغرب. لكنه، من جانب آخر، أو في نهاية المطاف، يطرح السؤال علي هذا النحو الصاعق المجرد، ويخلص إلي النتيجة التالية: بصرف النظر عن وقائع الخصومة الراهنة (بين العقائد الروحية جميعها، ولكن بين المسيحية والاسلام خصوصاً)، فإن أوروبا راكمت اليوم ميراثاً يمكن للجميع اعتناقه.

ومن الخير للمرء، وهذا سبيل لمزيد من إنصاف نزاهة فالليلي، أن يتوقف عند الوقائع التي يسردها الرجل في سياق تساؤله عما إذا كان الاسلام يخرس الغرب حقاً: في الفاتيكان لا يفلح البابا، وللمرة الرابعة علي التوالي، في إقناع المسلمين بأنه اعتذر بما يكفي عن اقتباسه (سيئ التقدير، في نظر فالليلي) عبارة الإمبراطور البيزنطي الذي اعتبر الاسلام شريراً وغير إنساني؛ وفي إسبانيا أقلع القرويون عن عادة قديمة توارثوها عن أسلافهم، هي حرق دمية تمثل النبي محمد، احتفالاً بانتصار المسيحيين علي المسلمين في الأندلس؛ وفي فرنسا يتلقي أستاذ للفلسفة تهديدات بالموت، ويحيا بالتالي تحت حراسة أمنية مشددة، لانه كتب مقالاً ينتقد الاسلام (وهنا لا يري فالليلي أن النقد ذاك كان مفرطاً أو مغالياً أو سيئ التقدير)؛ وأخيراً، في برلين يلغي المسؤولون عن دار الأوبرا عرض إيدومينو، عمل موتزارت الشهير، مخافة إثارة غضب المسلمين، حيث أن أحدث إنتاج لهذه الأوبرا يتضمن مشهداً لم يكن موجوداً في الأصل، يجري فيه قطع رؤوس إله البحر بوسيدون، ويسوع، وبوذا، ومحمد (ونعرف، طبعاً، لماذا لم يتجاسر المخرج هانز نيونفيلس، الذي اقترح المشهد سنة 2003، علي إضافة شخصية يهودية مقدسة إلي المجموعة). ولا ريب في أن الواقعة الأخيرة تمثل حالة صريحة في الرقابة، ويستوي بالنتيجة أن تكون ذاتية مباشرة أم خارجية ناجمة عن ضغوط غير مباشرة، ومثلها موقف القرويين الإسبان من احتفالات الانتصار. ولا ريب، كذلك، في أن تهديد الفرنسي روبير ريديكر بالقتل جراء مقالته الناقدة للاسلام يشكل مصادرة عنيفة وغير متمدنة، بل لعلها غير اسلامية كذلك، لحقه في التعبير عن رأيه (حتي إذا كانت أحكامه سطحية علي نحو مذهل، ركيكة، تعسفية، استفزازية استعراضية، وانتهازية بصفة خاصة في اتهامه النبي بأنه قاتل اليهود…). وغني عن القول إن سلسلة تصريحات الأسف التي صدرت عن البابا، ورغم أن أياً منها لم يرقَ بالفعل إلي مستوي الاعتذار الصريح الواضح البسيط، تدخل بدورها في نسق الرقابة الذاتية اللاحقة إذا جاز التعبير، خصوصاً وأن أقوال الحبر الأعظم لا يمكن أن تندرج في سياق حرية الرأي والتعبير.

جوهر ما يغيب عن مقالة فالليلي، وعن قسط كبير مما يدور السجال حوله هذه الأيام في ملف العلاقة بين الاسلام والعنف، لكي لا نتحدث عن العلاقة بين الاسلام والإرهاب، هو الأبعاد السياسية والثقافية والتاريخية والاجتماعية لظواهر (لأن من السخف اعتبارها محض ظاهرة واحدة متماثلة متطابقة) معقدة شائكة متباينة ليس من الحكمة أبداً ردها إلي باعث عقائدي أو عقيدي واحد، أو حتي سلسلة اسباب ذات صلة بما يُسمي صراع الحضارات وحروب الثقافات. في عبارة أخري أشد اختزالاً للمشهد: ثمة السياسة أولاً، وقبل العقائد؛ وثمة ميزان القوة الكوني الراهن، في تجلياته العقائدية والدينية والثقافية، ثانياً؛ وثمة، ثالثاً، ذلك التاريخ الطويل من حروب الإخضاع والهيمنة والغزو، علي الجانبين.

وهكذا، وحين يجرد الغرب الإرهاب من مضامينه السياسية والاجتماعية والثقافية، فإن ما يتبقي منطقياً هو تلك المقاربة الوحيدة في السوق، والتي يحدث ايضاً انها جذابة تماماً ورائجة: صمويل هنتنغتون! وإذا كان المسلمون لا يعرفون سبيلاً إلي رد التهمة القائلة إن الاسلام (بوصفه ديناً وعلاقة بين العابد والمعبود، وليس فلسفة سياسية) هو بالضرورة المطلقة حاضنة خصبة لتوليد صنوف وأفانين الإرهاب، فكيف إذا جاءهم مَنْ يقول: ليت البلية تنتهي هنا… المشكلة ليست في الحاضنة كدين يشجع علي الأصولية والعنف، بل في الاسلام نفسه، في حد ذاته، وبوصفه ثقافة للدنيا قبل أن يكون ديناً للآخرة؟ ولقد رأينا كيف صارت الحال حين جاءت هذه الأطروحة في مقالة واحدة نشرها هنتنغتون سنة 1993، حول صدام الحضارات، فأقامت الدنيا ولم تقعدها، قبل أن تحمل المقالة جنينها ثلاث سنين، فتلده أخيراً في شكل كتاب ضخم؟

ويكفي المرء أن يتذكر أن روسيا بوريس يلتسين، المدججة بالفودكا والسلاح النووي والمافيات الوحشية والفقر الرهيب، بدت في نظر هنتنغتون أقل خطورة بكثير من وضعية الاسلام المعاصر، لا كدين وديانة مرة ثانية، بل كثقافة مرشحة أكثر من سواها لتدشين صراع الحضارات، الصيغة القادمة لاندلاع الأزمات والحروب والتحالفات في العلاقات الدولية للقرن القادم. لماذا انفرد الاسلام، وما الذي ميزه عن سواه من الحضارات الست الأخري (الصينية، اليابانية، الهندية، الغربية، الأمريكية اللاتينية، والأفريقية) التي ستتصادم وستتصارع في القرن القادم؟ باختصار، أجاب هنتنغتون، لأن الاسلام حضارة مختلفة عن سواها، وأهلها علي قناعة تامة بتفوق ثقافتهم علي سواها، ولأنهم مهووسون بفكرة تدني قوة أبناء هذه الحضارة عن سواهم. سواها… سواهم… وسوانا، نحن (أبناء الغرب) بطبيعة الحال.

ليس مدهشاً، إذاً، أن يعود التفكير الغربي إلي أطروحات هنتنغتون كلما ثارت خصومة بين الاسلام والغرب، أو بالأصح بين المؤسسات التي تحسن إدارة هذه المعارك وتتقن فنون تأجيجها، في الغرب كما في الشرق، وفي المسجد كما في الكنيسة، وفي الشارع كما علي الفضائيات. وكما هو معروف الآن، نهضت أطروحة هنتنغتون علي القول بأن الثقافة والهويات الثقافية (وهي، في مستويات مضامينها الأعرض، ليست سوي هويات حضارية) هي التي تصنع اليوم أنساق التجانس والتنافر، والتصالح والتنازع، والسلام والحرب، في عالم ما بعد الحرب الباردة هذا. وثمة هنا خمسة تشخيصات للأنماط القادمة من حروب البشر:

ـ السياسة الدولية، وللمرة الأولي في التاريخ، باتت متعددة الأقطاب ومتعددة الحضارات في آن معاً. فالحداثة لم تعد سمة مقتصرة علي الغرب، والتحديث لم يعد قرين التغريب وبالتالي توقف عن إنتاج حضارة كونية ذات معني.

ـ هنالك انتقال لتوازنات القوة بين الحضارات: الغرب يضمحل تأثيره، والحضارات الآسيوية تتوسع في جانب اقتصادياتها بصفة خاصة ولكن في جبروتها العسكري والسياسي أيضاً، والاسلام ينفجر ديموغرافياً ويترك عواقب تهدد استقرار البلدان المسلمة وجيرانها أيضاً. باختصار، الحضارات غير الغربية تعيد التشديد علي قيم ثقافاتها.

ـ ولا مناص من أن يفضي التشخيص إلي النبوءة، واحتمالات انبثاق نظام عالمي جديد (نعم: نظام عالمي جديد، غير ذاك الذي انتظرناه بعد حرب الخليج الثانية!) قائم علي أسس حضارية. وأما معادلته المركزية فهي التالية: المجتمعات التي تشترك في الخصائص الثقافية تتعاون مع بعضها البعض، والبلدان هذه تتمحور وتتمركز من حول البلد أو المركز الذي يمثل قلب الحضارة ورمزها، وفي غمرة ذلك كله سوف تبوء بالفشل جميع الجهود لرأب الصدع بين الحضارات وتقريب الخصائص الثقافية المبعثرة.

ـ لا مناص، أيضاً وبالتوازي، من تكاثر الديناميات التي تحتم اصطدام الكونية الثقافية الغربية (بوصفها المركز الأفضل لرأب الصدع بين الحضارات) مع الكونيات الثقافية لحضارات أخري… في طليعتها الاسلام بطبيعة الحال. أكثر من هذا، سوف ينفرد الاسلام بتلك الصراعات الداخلية الدامية، أي تلك التي لن تدور بين ثقافة اسلامية وثقافة غربية أو صينية أو أمريكية لاتينية مثلاً، بل بين الاسلام وحده من جهة، والثقافات اللا ـ اسلامية أياً كانت، من جهة ثانية.

ـ التشخيص الخامس هو بيت القصيد، لأنه في الواقع لائحة نصائح يسردها هنتنغتون ليس فقط من أجل أن لا ينهزم الغرب في معركة الحضارات الطاحنة (وهذه يفهمها المرء، فالرجل أمريكي، غربي، ابن التراث اليهودي ـ المسيحي كما يتقابل مع تراثات أخري اسلامية أو صينية أو هندية)، ولكن أيضاً من أجل أن… يهزم سواه (وهذه يصعب فهمها في ظل دعوة هنتنغتون إلي مركز ثقافي كوني يتسع لجميع الحضارات وجميع أبناء البشر). والمثير هنا أن نجاة الغرب بأسره تعتمد علي مدي نجاح الولايات المتحدة في تأكيد هويتها الغربية من جانب أول، ونجاحها في جعل الغربيين يقتنعون بأن هويتهم الحضارية فريدة Unique وليست كونية Universal من جانب ثان، قبل الانتقال إلي الخطوة اللاحقة الطبيعية: التحالف الأمريكي ـ الغربي لمواجهة الحضارات الأخري.

ومن نافل القول إن أطروحات هنتنغتون محقت عشرات النظريات التي تنهض، بهذه الصيغة أو تلك، علي فكرة العوالم المتقابلة: الغرب أمام الشرق، الشمال أمام الجنوب، الأغنياء أمام الفقراء، العالم المصنع أمام العالم ما قبل الصناعي، الدول المتقدمة أمام الدول النامية، المركز أمام الأطراف، وأخيراً دار الحرب أمام دار السلام. أيضاً، هي أطروحة تنسف نظرية انقسام العالم إلي مناطق سلام و مناطق اضطرام، ونظرية انفلات القوة من عقالها (زبغنيو بريجنسكي)، ونظرية الجحيم في قلب الفردوس المفقود (دانييل باتريك موينيهان)، ونظرية سيناريو الكابوس الروسي ـ الأوكرايني (جون ميرشايمر)… وكانت أصلاً قد نسفت نظرية انتهاء التاريخ (فرنسيس فوكوياما). هل يحتمل العالم المعاصر كل هذا الشد والجذب، الإيديولوجي والعقائدي، حول ديانة باتت ملجأ المؤمن المعذب ودريئة الإرهابي في آن، خصوصاً بعد افتضاح برامج العقائد الأخري اليمينية واليسارية والقوموية أياًَ كانت درجة الصدق في علمانية فلسفاتها؟ وهل تمر احتقانات كهذه دون عواقب وخيمة، حين يعلن الغرب دفاعه عن قِيَم الحق والحرية والاختلاف، ثم تنتهك مؤسساته أبسط تطبيقات هذه المباديء، تحت راية الأمن ومحاربة الإرهاب؟ وكيف يمكن لأي أنوار أوروبية حول التفكير والتعبير والرأي، أن تتعايش مع مثال معتقل غوانتانامو… الذي يكفي وحده لنقض الصورة؟ محاذير كهذه هي التي جعلت كاتب افتتاحية الـ إندبندنت، في العدد ذاته وتعقيباً علي مقالة فالليلي علي الأرجح، يحذر من من الخفة في البحث عن صراع الحضارات خلف كل خصومة بين عقيدة روحية وأخري. أو بين غرب وشرق، ونور وظلام، وخير وشر، وحق وباطل، وحضارة وبربرية… كما قد يقول أحد كبار قادة التمدن في أيامنا هذه: جورج بوش!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية